صول | الفالس: صعود ودمار أوروبا الرومانسية

الأربعاء 22 آذار 2017

بقلم يزن اللجمي

كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر واحدًا من تلك الأوقات التي بحث فيها الناس عن رقصةٍ جديدة، فبعد أن أعلنت الثورة الفرنسية بداية نهاية الملكية والأرستقراطية على حساب البرجوازية والطبقات الوسطى، بدا واضحًا أن القرن الجديد يبحث عن مفرداته الخاصة، ورغبت تلك الطبقات الجديدة بالتخلي عن «المينويت»، الرقصة الرسمية للبلاطات، مقابل شيء أكثر حيوية وحميمية.

الرقصة المنشودة كانت آنذاك مجرد رقصة قروية في جبال الألب تقوم على ألحان مبهجة وثلاث ضربات متكررة، شكلت بجاذبيتها إنقاذًا من رتابة المينويت وركوده. فتلك الرقصة الساحرة كان يرقصها الأزواج، بعكس المينويت القائم على الرقص الجماعي المتزمّت، فضلًا عن أن الرقصة الجديدة تدور باستمرار في دوامات، مما يُجبر الراقصَين على تثبيت عيونهما في عيون بعض كي لا يفقدا توازنهما، وبذلك «يتلاشى كل شيء من حولهما» حسب وصف غوته.

أخذت الرقصة الجديدة اسمها من فعل الدوران هذا، واكتسبت مع تسلقها للسلم الاجتماعي المزيد من السرعة لتواكب أحذية النبلاء الخفيفة، كما استبدلت الحركات الخشنة كالقفز بانزلاق رشيق ساعدت عليه الأرضيات الخشبية الملساء. وخلال سنوات، نجح الفالس بإغراء الشعراء والقياصرة على حد سواء، فافتُتحت عشرات الصالات للرقص، وانتقلت حمّى الفالس مع جيوش نابليون إلى فرنسا وسائر أوروبا الغربية.

عاشت الرقصة مجدها على يد عائلة شتراوس النمساوية، والتي اعتُبرت المصنّع الرسمي للفالسات منتصف القرن التاسع عشر بكل ما يحمله المصطلح من دلالة استهلاكية. فقد تجاوزت عدد فالسات يوهان شتراوس الابن المئة والثلاثين، والأب مئة وأربعين، وهي أرقام أُضيفت إلى أعمال أقربائهم ومنافسيهم لتجعل من فيينا مدينة يخفق قلبها بثلاث ضربات، ولتترك بصمة أبدية على هوية المدينة والفالس معًا.

اكتسبت موسيقى الفالس على أيدي آل شتراوس تنميقًاً إضافيًا، فصار يبدأ بمقدمةٍ غير مخصصة للرقص تفضي إلى عدة رقصات متتابعة لكل منها لحنٌ وطابعٌ مختلفين قليلًا. حملت تلك الفالسات عناوين تزيينية مثل ألف ليلة وليلة، أو الدانوب الجميل الأزرق؛ ربما الفالس الأشهر في الوجود، وهي أعمال صعبة الأداء بالرغم من ألحانها البسيطة، وذلك بسبب مجموعة عادات أدائية، أشهرها استباق طفيف للضربة الثانية يعتبر ذوقًا نمساويًا بحتًا، لا ينجح في تأديته بالجرعة المناسبة إلا الأوركسترات المحلية.

سرعان ما أصبحت الفالسات الصغيرة المكتوبة للبيانو جزءًاً من أي منزل أوروبي فيه بيانو من النرويج وحتى إسبانيا، لكن الفالسات الأكثر سحرًا من تلك الحقبة تبقى تلك التي كتبها شوبان، فالمؤلف البولندي المغترب في باريس آنذاك نجح بالانشقاق عن نموذج شتراوس الذي اتهمه بالابتذال، وأخذ بإزاحة عبء العادات الفييناوية عن الفالس، مما سمح له بتبسيطه إلى شكل أكثر نقاءً، تتكفل فيه اليد اليمنى للعازف بالألحان المزخرفة والمنمقة، بينما تحافظ اليسرى على الإيقاع الثلاثي مستمرًا.

في الفالس الشهير من مقام سي الصغير، والذي كتبه شوبان بعمر التاسعة عشر، يدخل العازف في الموضوع دون مقدمات، وبلحنٍ جريحٍ لا يمكن أن يكون أكثر بساطة. سرعان ما يفضي اللحن إلى تصريح أكثر تفاؤلاً (0:38) يغرق في الشك للحظة، ثم يعود للوقوف على قدميه والعودة بنا إلى اللحن الأول (0:54)، والذي لم يعد هذه المرة قادرًا على احتواء نفسه فينسكب في سلالم  كروماتيكية، وهي تلك النوطات المتقاربة التي تسيل فوق المرافقة الثلاثية المحافظة على أعصابها. وهكذا يتابع شوبان كعادته، وبكل عفوية، رسمه دوائر متداخلة من الاستسلام والأمل، للوصول بالمستمع إلى استنزاف عاطفي أبعد ما يكون عن شتراوس وحفلاته الباذخة.

يكرر شوبان هذا النموذج في فالساته من مقام فا الصغير، ودو دييز الصغير، بينما تقدم فالسات أخرى نموذجاً أكثر انطلاقاً، مثل فالسه الأول من مصنف 64. وبالرغم من أن شوبان ارتجل الفالسات للرقص في الصالونات الأدبية والفنية لباريس، إلا أن حِرَفية فالساته المكتوبة تجعل منها أرق وأثمن من أن يُرقص عليها، بعكس فالسات عصره التي كانت مجرد عذر للرقص. وهكذا تحول الفالس على يد شوبان إلى شكل حميمي وانطوائي يكتب فيه الفنان نفسه، الشيء الذي رافق تصاعد الأدب الذاتي آنذاك، وحاجة الفنان للتعبير عن فرديته وعن مشاعره. سُميت تلك الحركة بـ«الرومانسية»، وحوّلت الفالس بدورها إلى واحد من الرموز الذي تبلورت عن طريقه هوية أوروبية جماعية ارتبطت بقيم البطولة والإنسانية والحب الأبدي.

جلب انفصال الرقصة عن الشكل الموسيقي مزيدًا من الحرية، فالتشيكي دفورجاك مثلًا، يستخدم الفالس في الحركة الثانية من سيريناد الوتريات لعام 1875 كغرض روائي، ثم يتخلص منه في المقطع الأوسط (1:57) بالخروج عن الضربات الثلاث الحرفية ليحكي فصلًا جديدًا من القصة. حيث صارت رمزية الفالس تستعيض عن وظيفته الأساسية، وأصبح يستخدم إلى جانب غيره من مفردات العصر في السيمفونيات والأوبرات وموسيقى الحجرة، ويخضع لمجموعة من التحولات الروائية.

تأخر دخول عدوى الفالس نسبيًا إلى بريطانيا، حيث ظلَّ يُنظر إليه كرقصة فاضحة، بينما انتشر في قصور العثمانيين في اسطنبول منذ أواسط القرن التاسع عشر على الأقل. أما في روسيا؛ حيث كانت ثقافة البلاط فرنسية بالدرجة الأولى، فقد عبَر الفالس الفرنسي القارة بسرعة قياسية منذ أواخر القرن الثامن عشر، فترك المؤلفون الروس إرثًا ضخمًا من الفالسات، من تشايكوفسكي في بحيرة البجع وكسارة البندق، وحتى رخمانينوف، الذي جعل من الفالس في رقصاته السيمفونية مادة دسمة لعمل يخطف الأنفاس بدراميته وشاعريته الغامضة.

بداية النهاية كانت مع الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية النمساوية-المجرية، حيث ترافق دمار البُنى الاجتماعية والعواصم الكبرى للفالس الكلاسيكي بتراجع شعبيته مقابل رقصات الجاز، لكن ذلك لم يمنعه من أخذ شكل أغانٍ خفيفة  رقص عليها عامة الناس مثل الفالس-موسيت الباريسي، أو الإنجليزي البطيء، أو الأرجنتيني المتأثر بالتانجو.

أما الشكل الموسيقي الكلاسيكي، فقد بدأ المؤلفون المجددون بتجاوزه كتقليد برجوازي بائد. لكن ذلك لم يكن حال الفرنسي رافيل، الذي رأى ذات التقليد كمفتاح لمعنىً جديد كليًا. فبالإضافة إلى مجموعته الخلابة المسماة «الفالسات النبيلة والعاطفية»، أنهى رافيل عام 1920 إحدى أهم أعمال القرن الأوركسترالية؛ «الفالس».

تبدأ القطعة كحلم ضبابي نسمع من خلاله نبض فالس مكتوم، ومن ثم يأخذ اللحن الشاعري بالانبثاق شيئًا فشيئًا مثل قطة تتلوى بين ألسنة الدخان (1:17)، ويبدأ ديكور الحلم بالركوب على بعضه. الراقصون لا يزالون محاطين بغمامة ضبابية، كمن يعود إلى ذكرى مدفونة عميقًا، لكن الفالس يعلو تدريجيًا إلى أن ينطلق (2:40) ونجد أنفسنا في قاعة رقص فييناوية فخمة من عام 1855. أثناء الرقص، يقلد رافيل أسلوب شتراوس مع لسعة حادة، كما للتذكير بأن هناك شيئًا غير طبيعي، وبالفعل يتصاعد الفالس إلى غليان مخيف وينقلب كابوسًا (9:36) وكأن قاعة الرقص تحترق، لكن الراقصين-الأشباح يتابعون رقصتهم وسط عويل الآلات النحاسية وفتات الفالس الذي يتساقط رمادًا (12:00). تحافظ الموسيقى على إيقاعها الثلاثي، ينتفخ ويتقلص مثل بالون هواء حتى اللحظة الأخيرة، حين يصل رافيل ذروة قطعته ويغلقها بأربع ضربات بدل ثلاث، مُعلنًا تدمير الفالس بشكل رسمي، ومعه أوروبا.

ينجح رافيل بخياله وبراعته في التوزيع الأوركسترالي بإعادة تأويل الفالس الشتراوسي وتضخيم عناصره وشاعريته بشكل مقصود، وهو بذلك يصور حلم الأوروبي الذي لم يفق بعد ليواجه الحرب، بل يسمع صداها من بعيد دون أن يستوعب أو يدرك أنه لم ولن يعود إلى فيينا القديمة، فيصبح الفالس رمزًا للزمن الجميل الذي نرفض الاعتراف برحيله.

لكن موت الفالس الكلاسيكي كممارسة اجتماعية في أوروبا لم يمنعه من الاستمرار خارجها، كما في الاتحاد السوفييتي، الذي نجح بشكل ما في التطبيع مع تاريخه البرجوازي. بين فالسات خاتشادوريان وشوستاكوفيتش الخفيفة، تشكل مقاربة بروكوفييف التجربة الأكثر خصوصية، كما في فالس ميفيستو من عام 1941، حيث يتلذذ بروكوفييف بكتابة لحن تقليدي يمكن أن يكون لأي مؤلف قديم قبل أن يلوي عنقه نحو نهاية غير متوقعة، أو يغير المقام فجأة، أو يهجن الإيقاع الثلاثي بضربات ثنائية. كذلك في باليه سندريلا، حين ترقص البطلة مع الأمير على إيقاع فالس يقطر بالخبث، يستعرض فيه بروكوفييف -كما في الفالس الكبير من الباليه نفسه- براعته اللحنية وشاعريته المسمومة التي تكاد تكون رومانسية لولا حبها للتهكم والفظاظة المتعمدة، وهي طريقته الخاصة كابن للقرن العشرين في التعامل مع شكل موسيقي محنط.

إذا كان رافيل هو من أعلن وفاة الفالس، فإن بروكوفييف هو ذلك الذي يُزين الجثة بألوان فاقعة تثير الذعر والدهشة، ومن ثم يستخدمها كدمية ليحكي قصصًا عن ماضٍ رومانسي كان الأمراء والأميرات يرقصون فيه على الفالس.

لكن قبل ذلك بسنوات، تظهر صورة بالأبيض والأسود من الثلاثينيات مجموعة أزواج يافعين يرقصون الفالس في خان النحاسين في حلب. فمنذ العقود الأولى للقرن العشرين، أصبح الفالس موضة الطبقات المتعلمة والبرجوازية العربية، كما أدى انتشار التسجيلات إلى دخول فالسات مؤلفين كشتراوس وشوبان إلى البيوت والإذاعات. لكن عبور الفالس إلى العالم العربي لا يمكن ربطه بالفالس الشعبي الخفيف الذي انتشر في مقاهي أوروبا آنذاك، بل فعلًا بالفالس الكلاسيكي التقليدي الذي أُعيد إحياءه كتشبه مخملي بالبرجوازية الغربية، في الوقت الذي كان فيه الغرب قد بدأ بتجاوزه. ففي «أنا قلبي دليلي» تكاد ليلى مراد تتبع بينة الفالس الشتراوسي المكون من عدة فالسات، وفي «ليالي الأنس في فيينا»، تتغزل أسمهان بفيينا ذاتها التي كان رافيل قد أعلن موتها قبل ربع قرن، مما يقول الكثير حول طبيعة اكتشافنا المتأخر للفالس، وإن كان لا يغير من كونه اكتشافًا ساحرًا.

لو اعتبرنا أن الحياة رقصة، ترتسم أمامنا حكاية المجتمع الغربي في العصور الحديثة من عصر الملَكيات الذي رقص المينويت ككتلة واحدة، مرورًا بانهيار تلك الكتلة ليصبح كل زوج مركز القصة، والمسؤول عن تقرير مصير رقصته دون التأثير على الآخرين. فقد ارتبط الفالس بولادة القيم الرومانسية كالحب الأبدي والنصف الآخر الذي لا تكتمل الرقصة بدونه، ومات باختفاءها لتحل مكانه رقصات أكثر فردية وأقل حميمية. وكمحاولة أخيرة للنجاة، يمارس الفالس دور الرمز لدى رافيل، أو الفزاعة لدى بروكوفييف، أو يلعب دورًا خفيفًا في المقاهي أو استعماريًا في الشرق.

اليوم يكاد لا يرقص أحد على ثلاث ضربات، لكن العالم لم يتجاوز الفالس تمامًا، ففي المرة القادمة التي تشاهدون فيها فيلمًا، اتبعوا الضربات الثلاثة، وقد تجدون فالسًا مخبئًا لتدعيم صورةٍ نمطيةٍ ما، قد تكون الطابع السحري لحفلة في هاري بوتر، أو الغرائبية الأرستقراطية لمصاصي الدماء أو أناقة كوكو شانيل، وستكونون بذلك قد اكتشفتم المثوى الأخير للفالس. فالفن أيضًا كالبشر، يحظى بعد موته بآخرة حزينة بعض الشيء بحسب ما قدمه في الحياة الدنيا: الرديء منه يغرق في النسيان، والمُتقَن يذهب إلى هوليوود.

*الصورة لوحة للرسام المجري ميهالي زيكي، عام 1874.