ماذا نقرأ في زمن ترامب

الإثنين 20 شباط 2017
ملصق لبينجامين هارت.

ليس فقط منذ وصوله إلى البيت الأبيض، ولكن ربما مذ بات الكلام عن كونه مرشحًا محتملًا للرئاسة، والمقالات الصحفية والتحليلات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية تبحث في وصول دونالد ترامب إلى ما وصل إليه، محاوِلةً الإجابة على مجموعة من الأسئلة، من بينها: كيف، ومَن، ولماذا الآن تحديدًا؟ بحثت هذه الأسئلة في شخصية ترامب وأمثاله من الصاعدين إلى عالم الحكم حول العالم، وفي لون وطبقة وجنس من أوصلوه إلى الحكم، كما بحثت في تأثيرات النيوليبرالية، وأثر صعود الإسلام السياسي، وقضايا عديدة أخرى.

وكجزء من محاولتنا لفهم العالم والتغييرات التي تطرأ عليه، طلبنا، في حبر، من مجموعة من كاتباتنا وكتّابنا أن يقترحوا علينا وعلى قرّاء حبر مجموعة من الكتب التي تساعدنا على فهم العالم الذي نعيشه فيه، كيف وصلنا إلى هنا، وإلى أين نحن ذاهبون.

شادي لويس
«ثورة النخبة وخيانة الديمقراطية»، كريستوفر لاش.

الأسبوع الماضي، وفي واحد من أحياء مدينة سان فرانسيسكو، عرضت مكتبة «بوكسميث» خمسين نسخة من رواية «1984» لجورج أورويل، وبجوارهم لافتة صغيرة: «اقرأ، قاوم، فاعل خير أشترى تلك النسخ من رواية «1984» من أجلك إذا كنت تحتاجها». بعد ساعات قليلة، كانت كومة الكتب قد اختفت. في الأسبوع التالي لإعلان فوز ترامب، صعدت مبيعات الرواية إلى المركز الأول على جانبي الأطلنطي. ما يجمع بين رواية أورويل وكتاب حنة آرنت «جذور الشمولية»، والذي ارتفعت مبيعاته هو الآخر بشكل استثنائي، هو تقديمها نبوءة ذاتية التحقيق عن صعود الشمولية، تستلهم بشكل نصف واعي، أو تصف بشكل مباشر النظام النازي أو الأنظمة الشيوعية الستالينية. لكن العودة لثلاثينات القرن الماضي في أوروبا لا تبدو قادرة على تفسير صعود ترامب، أو منحنا رؤية لكيفية التعامل مع هذا الواقع، وإن كانت تستطيع طمأنتنا على أننا على صواب، وأن قيم الليبرالية هي الأفضل.   

في عام 1985، وبعد وفاة المؤرخ والناقد الثقافي الأمريكي كريستوفر لاش بعام واحد، صدر كتاب «ثورة النخبة وخيانة الديمقراطية»، ليجمع ثلاثة عشر مقالًا له معنية بنقد المجتمع الأمريكي، عبر النظر في تجذر واتساع الانقسام الاجتماعي فيه، وتحلل أيضًا خطابه العام وتفسخ قيمه الديمقراطية، وأخيرًا يفحص المأزق الروحي  بوصفه قلب الأزمة الاجتماعية والسياسية الأمريكية. ما يركز عليه لاش في مقالته هو الهجوم على النخب الليبرالية الجديدة لمؤسسات المجتمع الأمريكية، والتي تضم بالإضافة للسياسيين والكتاب والمحامين والعاملين في الأكاديميا والإعلام والسينما، خليطًا واسعًا من التكنوقراط والخبراء والفنيين، والمديرين التنفيذيين المعنيين بالتحكم في حركة المعلومات، وصياغة القيم والذائقة بالنيابة عن المجتمع. يأتي نقد لاش لتلك النخبة الجديدة، كونها الأكثر انعزالًا في تاريخ المجتمع الأمريكي، والتي من فرط عولمتها، تبدو معنية بالعالم أكثر من اهتمامها بالوطني والمحلي والأهلي. لكن وفيما يبدو نقد لاش للنخبة معتادًا، إلا أن مؤلف «ثقافة النرجسية»، الماركسي السابق، والذي تحوّل إلى المحافظة الجديدة، وإلى الدعوة لقيم الأسرة وحتى الدفاع عن المجتمع الأبوي، يتوسط موقعًا استثنائيًا في فهم أزمة المجتمع الأمريكي وديمقراطيته المتراجعة، فالمفكر المحافظ الذي ما زال يؤطر الرأسمالية من منظور نيو-ماركسي، وهواه اليساري الذي لم يمنعه من بلورة نقد شديد اليمينية تجاه قيم الحداثة، لا يمنحنا طمأنينة أورويل وآرنت بأننا على حق، ولا يدفعنا إلى الجهة المقابلة بالإغراق في نقد اليسار والقيم الليبرالية. يفتح لاش نافذتين من كلا الجهتين، يطل منهما في الوقت نفسه، تاركًا معنا سؤالًا شائكًا، هو عنوان أحد مقالات الكتاب «هل تستحق الديمقراطية الدفاع عنها؟».

سوار مسنّات
«مواطن(ة): شعر غنائيّ أمريكي»، كلوديا رانكين.

ديوان كلوديا رانكين الشعريّ «مواطن(ة): شعر غنائيّ أمريكي» هو عمل يواجه المخيّلة العرقيّة /العنصريّة ويكشف ظروف مواطنة السود والسوداوات في الولايات المتّحدة. تموضع رانكين الأمة كوحدة سياسيّة منظمّة في علاقاتها مع الأجساد والذوات السوداء مما يلقي الضوء على العنف والتعدّيات التي ي/تختبرها السود والسوداوات في فضاءات الدولة. في «مواطن(ة)» خرافة أمّة ما بعد العنصريّة (postracial) لم تعد تتماسك، والعنصرية تنكشف ليس باعتبارها لحظة منفردة في لقاء بين أشخاص، بل بحالتها المتفشيّة والممنهجة والتاريخيّة، فالمخيّلة العرقيّة/العنصريّة تحتّل مكانة بنيويّة في المساحات الخطابيّة والمؤسّسية والاجتماعيّة. ولكن الكتاب يخرج أيضًا عن نطاق الولايات المتحدّة من خلال الروابط الدوليّة المُضمرة في تناول رانكين لمواضيع مثل تجارة العبيد في المحيط الأطلسي وبطولات الرّياضة العالميّة (تتطرّق رانكين لمواجهات عنصريّة خاضتها لاعبة كرة المضرب سيرينا ويليامز ولاعب كرة القدم زين الدّين زيدان) من جهة، و من خلال الربط الظاهر لوحشيّة الشرطة وفوقية البيض ما بين الولايات المتحدّة والمملكة المتّحدة من جهة أخرى.

تطرح رانكين نصّها كمقالة وسيناريو وشعر، ويتضمّن كتابها صورًا فوتوغرافيّة ولوحات تشكيليّة ومنحوتات فنيّة، وفي تنسيق أجزاء العمل تفعّل رانكين إمكانات استخدام (وقراءة) فراغات الصفحة ومساحة الكتاب. جماليّة النصّ الهجين والمتعدد بالإضافة إلى شكل الكتاب مختلط العناصر يسمح لها بأن تلقي الضوء على جوانب تاريخيّة وتحاوريّة ومتعددة الأصوات في تناولها للمخيّلة العرقيّة /العنصريّة. كما أن خيارات رانكين الفنيّة تستجوب افتراضات ضمنيّة مثل التفرّد والاستمرارية والتماسك المُطلق في مفاهيم جماليّة سائدة كالذات الشعريّة والسرديّة، مما يزعزع استقرار مفهوم المواطنة كبناء متماسك في نطاق الحياة العامّة وفي سياق الشعر «الوطني» في الولايات المتّحدة.

تجدر الإشارة إلى أن كلوديا رانكين نشرت مقالات فيديو تؤدّي فيها نصوصًا من الكتاب بالتعاون مع الفنان الفوتوغرافي والمخرج جون لوكاس. كما نُشرت أجزاء من «مواطن(ة)» على موقعي The Poetry Foundation  وAcademy of American Poets.  

يزن اللجمي
«مجتمع الاستعراض»، چي ديبور.

منذ صدوره عام 1967، يستمر كتاب مجتمع الاستعراض -أو مجتمع الفرجة- بإثبات صحته وضرورته بمرور كل يوم. والاستعراض بحسب تعريف الكاتب الفرنسي هو «رأس المال الذي تراكم لدرجة أنه أصبح صورة»، وبالصورة يُقصد مجموعة المظاهر المزيفة والمختلقة التي تُغرق حياتنا اليومية و«تقدم نفسها على أنها المجتمع».

«يُقدم الاستعراض نفسه ككتلة ضخمة من الإيجابية المطلقة»، فشعبية ترامب مثلًا لا تقوم على النتائج الملموسة لوعوده وقراراته، بل على الاستعراض المبهر الناتج عنها وعن الصور التي تستحضر لدى ناخبيه ما يحلمون به من قيم كالفحولة والغنى الفاحش. يوهم الاستعراض المتفرجين بأنهم سيشاركونه بعضًا من إيجابيته، فيحاولون التماهي معه للتعويض عن «الإحساس المؤلم بكونهم على هامش الوجود»، لكن الاستعراض يردّ بعزلهم أكثر فأكثر وتغريبهم عن واقعهم، وهو بذلك مثل تلفزيون الواقع (reality TV)؛ مسرحية مشوهة عما نعيشه فعلًا. حقيقة أن ترامب بنى شعبيته لا كسياسي بل كنجم تلفزيوني في تلك البرامج تُكسب الاستعراض دورًا مضاعفًا وانتصارًا غير مسبوق.

يستبق الكتاب حديث اليوم عن «عصر ما بعد الحقيقة»؛ حيث لا يهم مثلًا أن المهاجرين من الدول السبع المحظورة غير مسؤولين عن أي ضحايا إرهاب في الولايات المتحدة منذ عام 2001، لأن هكذا قرارات لم تعد أساسًا تستمد شرعيتها من الحقائق، وإنما من الهالة العاطفية التي ترافقها ومن درجة توافقها مع الصور التي بناها الاستعراض. «الحقيقة اختفت من كل مكان، أو قُلّصت في أحسن الحالات إلى فرضية»، والتاريخ تحوّل إلى «غرض ميت للفرجة».

يساعدنا كتاب ديبور على فهم الكثير من مظاهر العصر، وتُفسّر نظريته علاقة المؤسسات الكبيرة ورأس المال بأزمات الانتماء وتفشي العزلة، اللذان يقودان بدورهما إلى التطرف. ولو لم ينتحر ديبور عام 1994 لكان شهد في فيسبوك وتويتر التحقق الأضخم لنبوءته، حيث يتشارك اليوم محبو ترامب وكارهوه والفاعلون والمنفعلون واليسار واليمين تحولهم إلى «صور»، معارضتهم وتأييدهم لا يعدوان كونهما جزءً من المسرحية التي توحدهم؛ «الوحدة التي يحققها الاستعراض ما هي إلا لغة رسمية للعزلة المعمّمة على الجميع».

هشام البستاني
«الحداثة السّائلة»، زيجمونت باومان.

يطرح هذا الكتاب (ضمن عدّة مفاهيم تساعد على فهم التحوّلات الحاليّة للـ«حداثة»، والرأسماليّة، وتمثّلاتهما الاجتماعيّة والسياسيّة) مفهومين أساسيّين يستقرئان ما يمكن أن نسميّه «حقبة ترامب». المفهوم الأول هو «المجتمعات المتفجّرة»، وهي المجتمعات العنصريّة والطائفيّة والعشائريّة التي يولد فيها المرء ولا يختارها، مجتمعات «طبيعيّة» مُعطاة سلفاً ولا تحتاج لتبريراتٍ إيديولوجيّة، وليس للشّخص من خيار أمامها سوى قبولها أو رفضها. هذه المجتمعات تتماسك من خلال ممارستها العنف على «آخرين» (سود، إسبان، عرب، مسلمين في حالة ترامب)، والقاعدة الأساسيّة لهذا العنف هو: ليس مهمًا عدد من يُمارَس العنف عليهم من الآخرين، الأهم: كثرة عدد مُمارسي العنف ضدّهم منّا، فالمجتمع المتفجّر يتماسك من خلال الشّراكة في ارتكاب الجريمة. في مقابل التوتّر الدّائم، واللايقين، وانعدام الأمان، الذي أنتجته الفردانيّة المطلقة النّاتجة بدورها عن النيوليبراليّة (الحداثة السّائلة)، يصبح المجتمع المتفجّر (العنصريّة، العنف ضد «الآخر») مكانًا للشّعور بالأمان. المفهوم الثّاني هو تفكّك (الـ)سياسة (بعبارة باومان: Politics with a capital P) التي تهدف إلى العمل من أجل المصالح الجماعيّة الكبرى، وتحوّلها إلى سياسات إدارة الحياة اليوميّة (بعبارة باومان: life-policies): مشهديّات دراميّة شخصيّة تُقدّم في المجال العام (ينطبق هذا على العالم السّخيف لوسائل التواصل الاجتماعيّ، ويتمثّل باستخدام ترامب المكثّف للزّعبرة عبر تويتر كآليّة للفعل السياسيّ الرئاسيّ)، تؤدّي إلى تصفية (تسييل) أيّة إمكانيّة لتشكّل برنامج جماعيّ للتّغيير-فـ«الفرد» هو أكبر تجمّع ممكن- وتُفسح المجال أمام المجتمعات «الطبيعيّة» (الإثنيّة، الطائفيّة، العشائريّة) لتصبح أكثر تأثيرًا ونفوذًا.

«رحلة صحراويّة»، و«أرضُ لا أحد»، و«تاريخ القصف بالقنابل»، سْفِنْ لِندكْفِست

تفضح هذه الكتب الثّلاثة التاريخ الأوروبيّ الاستعماريّ الشنيع في إفريقيا وأستراليا، والحروب التدخليّة الأمريكيّة في بلدان مختلفة من العالم، من خلال تتبّع تاريخيّ للفظائع والجرائم، وتتبّع أدبيّ للخيال «الأبيض» (كما تَمثَّل في كتابات وروايات الأوروبيّين) في رؤيته وتبريره لعنصريّته وأحقيّته في استعباد الأجناس الأخرى ونهب مواردها ومعاملتها بوحشيّة منقطعة النّظير، أو في تقديم بديهة: إما أن ندمّرهم أو أنّهم سيدمّروننا. لم تكن هذه الرؤى والتّبريرات محصورةً بأقليّة متطرّفة، بل كانت هي الرأي العامّ السّائد في الإعلام، والأدب، وحتى العلوم: منظومة كاملة من القهر المُبرّر والمُفذلك أدبيًا وفلسفيًا وعلميًا؛ ويبيّن لِندكفست في «تاريخ القصف بالقنابل»، كيف كانت العنصريّة والعنف الممارستان في المستعمرات، مقدّمة لبروز العنصريّة والعنف في أوروبّا نفسها (النازيّة والفاشيّة)، واندلاع الحرب العالميّة الثانيّة، وما شهدته من مجازر. تدحض هذه الكتب أكذوبة «الغرب الديمقراطيّ» و«الإنسانيّ» و«النّظيف»، وتبيّن ازدواجيّة معاييره وانتقائيّته وعنصريّته الكامنة، خصوصًا أن أوروبا والولايات المتحدة لم تعترفان وتعتذران وتعوّضان عن الجرائم التي ارتكبتها طوال قرون في المستعمرات، أو الجرائم التي ارتكبتها بحقّ السكّان الأصليّين، والتي أفضت (ضمن عوامل أخرى) إلى الحال المأساوي لما يُسمّى اليوم: «العالم الثّالث». تفسّر هذه الكتب العنصريّة الكامنة في «الغرب الأبيض»، ومدى العمق الذي تؤثّر فيه مسائل مثل الأحقيّة، والاستعلاء، واحتقار الآخرين، خصوصًا الملوّنين والآسيويّين، والتعامل معهم كخطرٍ ينبغي الاحتماء منه والقضاء عليه. ببساطة توضّح هذه الكتب المُقدّمة التاريخيّة لحقبة ترامب.

«البيان الإلحاديّ»، ميشيل أونفري.

يقدّم الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري في هذا الكتاب حقيقةً باتت واضحة: أن أوروبا العلمانيّة هي في جوهرها مسيحيّة، ويعني أونفري بالجوهر هنا: الجوهر الأخلاقي (ethics)، حيث ما تزال الأخلاق المسيحيّة والمخيال الجمعيّ الدينيّ المسيحيّ فاعلين بقوّة، ويشكّلات تعريفًا للمجتمعات، وتفسيرًا للتّناقضات والازدواجيّات التي تحفل بها علمانيّات عريقة مثل فرنسا. فكيف سيكون الأمر في بلدٍ يلعب فيه الدّين دورًاً كبيرًا مثل الولايات المتّحدة؟ رغم الكمّ الكبير من مظاهر فصل الدّين عن الدّولة، والحديث عن حريّة الرّأي والتّعبير، وحريّة العقائد، إلا أن تأثير الدين المسيحيّ في المجتمعات العلمانيّة البيضاء، وتعريف هذه المجتمعات لنفسها بأنّها ذات «تراث مسيحيّ»، ما يزال حاضرًا في العمق منها، أو على السّطح في أحيان كثيرة. يخلص أونفري إلى الدّعوة إلى تغيّر جوهريّ في الأخلاق، وتخليصها من الدّين والتديّن، وصولًا إلى «علمانيّة ما بعد مسيحيّة» (ما بعد دينيّة)، وبالتّالي الفصل حقًا بين الدّين والدّولة، فتصير الدّولة جسدًا محايدًا لجميع مواطنيها، دون حمولة تراثيّة دينيّة من أي نوع.

محمد عمر
«من يمتلك العالم؟»، نعوم تشومسكي، ترجمة وإعداد أسعد الحسين.

مع أن هذا الكتاب، خاصة في ترجمته العربية، مجموعة من المقابلات والمحاضرات التي أجريت أو ألقاها المفكر الأميركي نعوم تشومسكي على فترات متباعدة، وقبل الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أسفرت، على نحو غير متوقع، عن فوز دونالد ترامب، والذي يصنف ضمن ما بات يعرف بموجة «صعود اليمين الشعبوي»، إلا أن الكتاب يقدم للقارئ تحليلًا عميقًا للتطورات التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وأدت إلى صعود هذا اليمين.

يركز تشومسكي في تحليله على المتغيرات الاقتصادية التي شهدتها هذه الدول، مستعيدًا في أكثر من مرة فكرة الاقتصادي الكلاسيكي آدم سميث عن «أسياد البشرية». يرى تشومسكي أن من يحكم العالم الآن هي الشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات المالية الضخمة، وليس الدول والعلاقات بينها. ولسان حال هذه المؤسسات والشركات يقول ما قاله سميث: «كل شيء لنا، ولا شيء للآخرين».

سيطرة السياسات النيوليبرالية تدفع إلى تهميش الغالبية الكبرى من السكان وتركيز الثروة والسلطة بأيدي حفنة قليلة من الأثرياء. وتخسر الأحزاب اليسارية والتقليدية شعبيتها لصالح يمين صاعد بسبب حالة الغضب «العاجز» نتيجة تركز هذه القوة في أيدي حفنة أقل فأقل.

يرى تشومسكي أن هذه التطورات أدت إلى صعود شعبية اليمين بين جمهور غاضب وعاجز، وغير قادر على فهم ما يجري، ولا تقدم له الأجوبة الشافية؛ جمهور خائف من مستقبل مجهول أمام تردي الأوضاع الاقتصادية ومكانة الولايات المتحدة، التي يصف بنيتها التحتية ببنية مشابه لدول العالم الثالث. جمهور يشعر بأنه تحت سيطرة قوى مجهولة وعاجز عن الفعل، بعيد عن فهم السياسة الخارجية، وأكثر من ذلك تأثير هذه السياسة على الأوضاع الداخلية. ويقترب تشومسكي من حد تشبيه الظروف التي نعيشها، أو الظروف التي رافقت صعود هذا اليمين، بالظروف التي سبقت صعود النازية في ألمانيا.

على كل، لا يهدف كتاب تشومسكي إلى تحليل ظاهرة صعود اليمين بحد ذاتها، لكنه في المجمل يعطي فرصة للقارئ لفهم التحولات العميقة التي جرت في الولايات المتحدة الاميركية وسياستها الخارجية خاصة تجاه منطقتنا، ناهيك عن تحليله للثورات العربية والموقف الأميركي من «الحرب على الإرهاب» التي يعتبرها «حربًا ضد استقلال الدول» وليست حربًا ضد التطرف.

يزن الأشقر
«كتاب المعانقات»، إدواردو غاليانو، ترجمة أسامة إسبر.

يربط الكاتب الراحل إدواردو غاليانو في «كتاب المعانقات» التاريخ المعاصر مع السياسة والأدب والفن ويقدم صورة للعالم في نصوص قصيرة من الحكايات والأحلام واليوميات والملاحظات الذكية، ليحتفي بالإنسان وتناقضاته.

عند وضع الظلم والحب والأمل وكل ما يمكن أن ينتج عن الحالة الإنسانية المعاصرة من ثيمات في نصوص كهذه، تبدو العبرة مباشرة سهلة الالتقاط، لكن ما يجعل قراءة نصوص غاليانو مدهشة دائمًا هو براعته في ربط الأشياء وإن بدت بديهية، أو حتى لو صنفها بعض القرّاء ككليشيه. برأيي، هذا ما نحتاجه في هذا الوقت بالذات، مع كل ما يحدث في العالم من انعزالية وتزييف وقهر للبيئة والإنسان. يكتب غاليانو في أحد نصوص الكتاب: «يُفرغ النظام ذاكرتنا أو يملؤها بالقمامة، وهكذا يعلّمنا أن نكرر التاريخ بدلًا من أن نصنعه». عندما يُفرض عليك العيش تحت نظام عالمي يحاول إقناعك بطبيعيّته في وقت أصبح كل يُنتجه مبهمًا بقدر ما هو قاسٍ، أُفضّل شخصيًا تذكير نفسي بهذه البديهيات من حين إلى آخر.