أين هو أرشيف وحدة أفلام فلسطين؟

السبت 18 آب 2018

التأسيس في الأردن (1967-1971)

تخرّجت الفلسطينية سلافة جادالله (1941 – 2002) من المعهد العالي للسينما في القاهرة سنة 1964، لتكون من أوائل المصورات السينمائيات العربيات. صوّرت سلافة الشهداء بكاميرتها الخاصة لصالح حركة فتح، واضعةً بهذا العمل أوّل بذرة في بناء أوّل قسم تصوير في الثورة الفلسطينيّة. وبعدها تابعت جهدها مع هاني جوهرية ومصطفى أبو علي المتخرجيْن حديثًا لبناء قسم تصوير في حركة فتح.

تروي زوجة مصطفى أبو علي، المخرجة خديجة الحباشنة تفاصيل البدايات: «[سلافة] أقدم منهم، شكّلوا فريق، وقالوا خلينا نتعاون مع الفدائيّة، نعمللهم قسم تصوير».

أنشئ قسم التصوير في الجزء الثاني من سنة 1967، وكان مقرّه الأوّل في جبل اللويبدة في العاصمة عمّان. بعد معركة الكرامة بدت الحاجة مُلحّة لزيادة عدد العاملين في القسم فالتحقت مجموعة أخرى من بين المقاتلين للعمل بالتصوير.

قرّر القسم البدءَ بعمل أفلامٍ عن الثورة سنة 1968. في البداية صوّروا بكاميرا لصديقٍ هاني جوهريّة، وتم إرسال الأفلام للتحميض في بيروت. قبل أن تتطوّر إمكانيّات القسم لاحقًا.

لم يمضِ الكثير من الوقت وصار لحركة فتح قسم للسينما باسم «وحدة أفلام فلسطين». وما إن بدأ العمل حتّى فقدت الوحدة أبرز أركانها؛ سلافة جادالله، إذ أُصيبت بطلقة في الرأس عن طريق الخطأ في مقرّ القسم، وانتهت مسيرة المؤسّسِة الأولى.

كان أول فيلم عملت عليه الوحدة عن المسيرات التي جرت في الأردن سنة 1969 رفضًا لمشروع روجرز وبعنوان ««لا.. للحل السلمي» (الحل الاستسلامي)»، لكن المجموعة اعتبرته فيلمًا تجريبيًّا، واعتبر فيلم «بالروح بالدم» أوَّل فيلمٍ للمجموعة، ويتحدث عن أيلول الأسود، واستغرق العمل عليه حتى أواخر 1971.

بعد أيلول خرجت الثورة الفلسطينيّة من الأردنّ، وتم نقل معظم محتويات وحدة أفلام فلسطين إلى لبنان.

في لبنان (1971-1985)

كانت المرحلة القادمة واضحة بالنسبة للمخرج مصطفى أبو علي. وهي العمل على تطوير وحدة أفلام فلسطين، وأعلن خلال مهرجان دمشق السينمائي الأوّل”أنَّ « اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قرّرت تأسيس مؤسسة سينمائيّة فلسطينية موحدة».

يقول السينمائي الأردنيّ عدنان مدانات: «كُلّفت بالتعاون مع [المخرج] جان شمعون (..) لوضع نظام داخلي لمؤسسة السينما الفلسطينية المحترفة، وحتى برواتب للعاملين إلي كانوا يفترض يكونوا أكاديميين ومحترفين، والانتقال من شغل الهواية لشغل المحترفين، وتم طويه (…). القيادة السياسية لم تكن على استعداد لصرف أموال على السينما».

حاول مصطفى أبو علي العمل على الأفلام الروائيّة الطويلة، مثل رواية (أيام الحب والموت) لرشاد أبو شاور، والمتشائل لإيميل حبيبي، لكن المشروع بالمجمل لم ينجح. يقول مدانات: «من الناحية الماليّة، القيادة السياسية لم تكن على استعداد لصرف مبلغ لإنتاج فيلم روائي فلسطيني طويل، وهو مبلغ كان ضخم جدًا».

ظلّت المحاولات قائمة لأجل العمل على أفلام روائية طويلة، وبدت نوايا التطوير واضحة فيها، إذ تلّقى أفراد الوحدة دورات تدريبيّة في القاهرة وبغداد، وارتفع عدد المصورين السينمائيين إلى 7 أو 8 مصورين.

هكذا، تراكمت المواد المصوّرة. تقول خديجة الحباشنة: «لم يكن هناك اشتراطات من قبل القيادة، لكن، كان هناك اختلافات على دور الفيلم. القيادة السياسيّة كانت تفكرها زي الجريدة، يعني مجرد آلة بتعبّر عنهم سياسيًا».

التحقت الحباشنة بدورة لتوثيق المعلومات، وفي سنة 1976 وُجد لأوّل مرّة أرشيف لكل المواد المصوّرة في الوحدة تقول: «في 76 (…) عملت أرشيف للمواد وصار الواحد بيقدر يطلبه على اسم شخص، أو عن طرق مختلفة، (…) وأنا كنت مسؤولته، بعدين صرت بحاجة لمُساعدة، وصار معي بنات يساعدوني».

في تموز 1981 قصفت إسرائيل منطقة الفكهاني في بيروت، حيث كان مقر قيادة منظمة التحرير، وحيث كان مقرّ مؤسسة السينما الفلسطينية، تقول الحباشنة: «خفنا على الإرشيف ونقلناه». وبالفعل جرى نقل الأرشيف إلى «مكان سرّي» في منطقة الحمرا. جمعت هذه القاعة كل ما جرى تصويره بين 1968 و1981.

وبعد اجتياح لبنان 1982، كانت الثورة الفلسطينية تستعد للخروج من لبنان، فخاطبت خديجة الحباشنة القيادة: «شو بدكم تعلموا بالأرشيف؟ وكيف نطلعه؟. قالولنا: ولا حدا فينا بيقدر يطلعه».

اتفقت بعض القيادات الفلسطينية على أن يضع الفرنسيّون إشارة على المبنى الذي يحوي المستودع السريّ تشير إلى أنَّ هذا المبنى تابع لممتلكات السفارة الفرنسيّة، بحسب الحباشنة.

بدأ حصار المخيّمات عام 1985، وأغلقت السفارة الفرنسية في بيروت، وطلبت نقل المواد في المخزن بسبب أنها غير قادرة على حمايته، فقام «رجل أعمال لبناني من بيت الحلّاق بتأمين الأرشيف في مخزن عنده في منطقة بير حسن» جنوب بيروت، وفقًا للحباشنة.

تستبعد الحباشنة أن يكون الأرشيف دُفن أو حُرق في القصف، وتُرجّح أن يكون قد أخفي في مكان ما أو أنه مسروق: «هو مفقود إمّا عند إحدى الجهات اللبنانية أو السورية أو عند الجيش الإسرائيلي».

عند الحديث عن مصير الأرشيف، تتعدّد التخمينات والاتهامات. وتظل الرواية الأكثر شيوعًا هي رواية بيعه أو بيع أجزاء منه. يقول المصوّر الفلسطيني يوسف قطب: «في حرب 82، كان مصورين يبيعوا الأفلام خام، كل فيلم 100 دولار». وخلال اللقاءات العديدة لإنجاز هذا التقرير، كانت اتهامات بيع بعض الأرشيفات تتجه لبعض الأسماء، لكن لم يكن من بين المتهمين من بقي حيًّا ليرد على هذه الاتهامات.

يُرجح آخرون أنَّ الأرشيف قد نُهب من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهي الرواية التي ترجحها الحباشنة: «إذا تمكنوا من الوصول إلى المكتب (منظمة التحرير) بيكونوا وصلو للأرشيف».بينما يرى قائد الكتيبة الطلابية في فتح معين الطاهر: «أظن أنه عند الأمن السوريّ» وعند سؤاله عمّا يدفعه لهذا الاعتقاد قال: «اعتقال أصحاب المستودع [من قبل السوريين]».

استعادة الأرشيف

شهدت السنوات الأخيرة جهدًا من باحثين إسرائيليين لكشف مصير الأراشيف المفقودة، من هذه الجهود، ما قامت به سنة 2017 الباحثة في التاريخ البصري رونا سيلا في فيلمها (Looted and Hidden).

يكشف الفيلم الكثير عن الأرشيفات الفلسطينية التي نهبها الجيش الإسرائيليّ، لكن ليس من بينها أرشيف وحدة أفلام فلسطين/ مؤسسة السينما الفلسطينيّة.

تتحدث سيلا عن استحالة الحصول على أيّ معلومة عن الأرشيفات الفلسطينية المنهوبة من قبل الجيش الإسرائيليّ في لبنان مثل نهب أرشيف دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها تعرض صوراً لبعض عمليات النهب، وهنا يحضر السؤال: كيف حصلت سيلا على مقاطع فيلمها من الأرشيف الإسرائيليّ الذي يستحيل الحصول على مواد منه؟

يُجيب الباحث الفلسطيني فادي عاصلة على السؤال: «المؤسسة الإسرائيلية (…) بتتعامل مع الفلسطينينن كموضوع بحث وتأمل، من منطلق إدارة المعرفة، وتقنينها ضمن المؤسسة الإسرائيلية وشبكة مؤسساتها، بما يشبه آلية عمل المنظومات الاستشراقية».

محاولات الوصول للأرشيف

المخرجة الألمانية مونيكا ماروير التي عملت مع وحدة أفلام فلسطين بين (1978-1982) في بيروت، احتفظت – كما تقول – باللقطات التي أخذتها بهدف عمل أفلام مع الوحدة، والتي تبلغ 90 ساعة تصوير، بهدف الحفاظ عليها ومنحها للأرشيف الوطني الفلسطيني.

تقول أيضًا: «ما في حوزتي هي الأفلام التي أخرجتها بنفسي، كذلك في حوزتي أفلام مصورة بطريقة الفيديو خلال مرحلة الاجتياح، وهي وصلتني برفقة الجرحى الذين غادروا بيروت للعلاج في اليونان، وقد زرتهم في المستشفيات وجمعت ما بحوزتهم».

قامت خديجة الحباشنة في العام 2009 بعمل بحث عن الأفلام التي أنتجتها الوحدة، وبعد جهد استطاعت، كما تقول، الحصول على 80% من هذه الأفلام، وبقي مكان المواد التسجيليّة لغزاً.

في حزيران 2016، أُعلن في العاصمة التركية اسطنبول من قبل القائمين على منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال عن تأسيس «مركز الفيلم الفلسطيني».

يقول أحد القائمين على المشروع، المخرج الفلسطيني بشّار حمدان أن المشروع يهدف إلى «جمع الأرشيف المرئي بشكل عام، ولكن التركيز بشكل أساسي على الأفلام».

بالإضافة إلى ذلك أنجز بعض المخرجين أفلامًا تتناول الأرشيف، من بينها فيلم ملوك وكومبارس لعزة الحسن، وفيلم «خارج الإطار ثورة حتى النصر» لمهند اليعقوبيّ، وعمل فنيٌّ آخر لهَناء سليمان وأحمد باركلي، حمل عنوان «بحر من حكايات؛ أسفار الأرشيف الفلسطينيّ».

أخيراً

أنتجت وحدة أفلام فلسطين نحو 30 فيلمًا سينمائيًا تسجيليًّا، وثقت خديجة قائمة الأفلام، وحصلت على نسخ من معظمها، بعد جهد طويل، وبقيت المواد التسجيلية مفقودة.

لكن، كان كل هذا الكلام فقط عن أرشيفٍ واحدٍ، هو أرشيف وحدة أفلام فلسطين/مؤسسة السينما الفلسطينيّة في حين أنَّ وحدات السينما الرئيسية في الثورة الفلسطينية تبلغ نحو 7 مؤسسات، وفقاً لما وثقه الكاتب السوري جان ألكسان. وفقدت بعض هذه المؤسسات أرشيفاتها.