عن أي مستقبل نتحدث؟ اليوتوبيا وواقع اليوم

الأربعاء 19 تموز 2017

أصبح من الأسهل الآن تخيل نهاية العالم على تخيل نهاية الرأسمالية.
– مجهول.

في اللغة الإنجليزية اليوتوبيا (Utopia) مكان متخيل يحوي مجتمعًا يعيش في ظروف مثالية نتيجة عدالة ومساواة في نظام الحكم والمعيشة الاجتماعية والاقتصاد، ويهدف تخيله إلى وصف مكان أفضل. كان السير توماس مور قد اشتق المصطلح من اللغة اليونانية في كتابه «يوتوبيا» الذي نُشر عام 1516م، عن جزيرة متخيّلة تحوي مجتمعًا مثاليًا، بجمع كلمتين يونانيتين بمعنى «لا/ليس» و«مكان». وفي اليونانية أيضًا، تُشتق (Eutopia) أيضًا من كلمتي «جيّد» و«مكان»، أي أن مصطلح يوتوبيا يعني المكان الجيّد والمكان غير الموجود في الآن ذاته. أما في اللغة العربية المعاصرة، فيعرّف المعجم الوسيط كلمة يوتوبيا بـ«أفكار متعالية تتجاوز نطاقَ الوجود المادّيّ للمكان، وتحتوي على أهداف ونوازع العصر غير المحقَّقة، ويكون لها تأثير تحويليّ على النِّظام الاجتماعيّ القائم».

صوّرت المخيلة الإنسانية أشكالًا مختلفة من اليوتوبيا والديستوبيا[1] في الأدب والفلسفة السياسية. قبل توماس مور، كان أفلاطون أول من وضع تصورًا لليوتوبيا في كتابه «الجمهورية»، وقسّم السكّان إلى فئات اجتماعية واقتصادية مختلفة، وضمّنها بمقترحات للحكّام/الفلاسفة. لاحقًا، استلهم الفارابي جمهورية أفلاطون في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة» الذي حاول فيه الجمع بين نظرية الفيض وأفكار أفلاطون وأرسطو وتصوره للمدينة الفاضلة في إطار إسلامي[2]. بشكل عام، طمحت كل الفلسفات السياسية إلى تصوّر يوتوبيا حسب التفكير والاعتقاد والايديولوجيا، أو كما كتب ليمان سارجنت في كتاب «الطوباوية: مقدمة قصيرة جدًا»: «هناك يوتوبيا اشتراكية وملًكية ديمقراطية وأناركية وإيكولوجية ونسوية وبطريركية ومساواتية وهرمية وعنصرية يمينية…»[3]، أي بمعنى آخر، يمكننا اعتبار الخلافة الإسلامية التي تحلم بها الحركات الإسلامية المتطرفة يوتوبيا، وكذلك أفكار النازية بالنسبة للنازيين، وكنتيجة طبيعية، يمكن اعتبار يوتوبيا البعض هي ديستوبيا البعض الآخر.

تُحاول جماليات الواقعية الرأسمالية اقناعنا أن لا بديل عن الرأسمالية، فأصبح مجرد التفكير بنظامٍ بديلٍ نوعًا من العبث أو اللامنطق عند الكثير من الناس، فانتهى التاريخ ولم يتبق شيء من المستقبل إلا تكرار سيناريوهات الماضي وإعادة قولبتها.

يجادل مفكرون أنه تمت إعاقة التفكير الطوباوي في رأسمالية القرن الحادي والعشرين. يقول كل من فرانكو «بيفو» بيراردي ومارك فيشر أننا علقنا في القرن العشرين. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام الرأسمالية برسم حدود الحياة بأكملها، فلم تخطف السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية فقط، بل خطفت العقل والمخيلة الإنسانية أيضًا، وأنتجت ضبابًا علّق التفكير بالمستقبل، وهو ما يُطلق عليه فيشر «الواقعية الرأسمالية»، أي: «الشعور واسع النطاق بأن الرأسمالية ليست فقط النظام السياسي والإقتصادي الوحيد القابل للاستمرار فحسب، بل إنه من المستحيل الآن تصوّر بديل متماسك آخر»[4]. تُحاول جماليات الواقعية الرأسمالية اقناعنا أن لا بديل عن الرأسمالية، فأصبح مجرد التفكير بنظامٍ بديلٍ نوعًا من العبث أو اللامنطق عند الكثير من الناس، فانتهى التاريخ ولم يتبق شيء من المستقبل إلا تكرار سيناريوهات الماضي وإعادة قولبتها. «هذا أفضل الموجود»، كما يقتبس فيشر آلان باديو ليصف التناقض الذي يروّجه الخطاب النيوليبرالي المسيطر: «صحيح، لسنا نعيش في أفضل حال، ولكننا لسنا في أسوأ حال. الديمقراطية ليست مثالية، لكنها أفضل من الديكتاتوريات. الرأسمالية غير عادلة، لكنها أفضل من مآسي ماو وستالين. نقتل العراقيين الآن بطائراتنا، لكننا لا نقطع رؤوسهم أو حناجرهم كما في رواندا».

فشلت جميع المحاولات السياسية الحديثة للوصول إلى مستقبل لا تحكمه الرأسمالية، وأهمها المحاولة الروسية التي يُحتفل هذا العام بمئويتها الأولى. دخلت الرأسمالية مرحلة جديدة مع بدء عصر النيوليبرالية باستلام مارجريت تاتشر ورونالد ريجان الحكم في بريطانيا والولايات المتحدة، ومنذ ذلك الوقت، وخصوصًا مع إعلان انتصار الرأسمالية بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفييتي، طغت سياسات النيوليبرالية المتمثلة بالخصخصة والتقشف والتجارة الحرة وتخفيض الإنفاق الحكومي، وتم تجاهل جميع التحذيرات من كوارث مرحلة الرأسمالية المتأخرة[5]. وُعدنا بأن السوق الحر كفيل بتنظيم نفسه، وأننا وصلنا إلى نهاية التاريخ[6] بعد انتصار الديمقراطية الليبرالية بقيمها الاجتماعية والاقتصادية، وانتهى صراع الأيديولوجيات.

منذ ذلك الوقت، لم تُبقِ الرأسمالية شيئًا إلا وعاثت فيه فسادًا، وثبت كذب كل وعودها. انهار السوق المالي العالمي عام 2008 مع انهيار بنك ليمان براذرز وانهارت معها جميع أنواع التطمينات. افتُعلت الحروب الكارثية تحت حُججٍ كاذبة لفرض السيطرة السياسية والاقتصادية وفتح أسواق جديدة لتجار الأسلحة وشركات إعادة الإعمار، ولازالت المجاعات منتشرة حول العالم رُغم وفرة الطعام. ازداد الفقر وبدأت الطبقة المتوسطة بالتلاشي حول العالم، ومع تضخم الصناعات تلبيةً لحاجة استهلاك غير ضروري ولا طبيعي، انتشر التلوث البيئي في الأرض والبحر والسماء، وتغير المناخ بشكل ملحوظ في بقاع عديدة من العالم، وازدادت الكوارث الطبيعية، وأصبح النظام البيئي بأكمله عرضة لدمار كامل.

ما العمل؟

علينا أن نختار حبة حمراء[7] ونحاول تخيل المستقبل انطلاقاً من لحظتنا الراهنة. عبر التاريخ، تم اعتبار العمل أساس تعريف الإنسان لذاته ومكانته ومعنى وجوده اجتماعيًا ونفسيًا وسياسيًا. جاءت الثورة الروسية كمحاولة لتخليص الإنسان من عبوديته تحت الرأسمالية للوصول في نهاية المطاف إلى حياة عادلة. مع كل الدمار الذي أحدثته الرأسمالية، إلا أننا نشهد تقدمًا تكنولوجيًا هائلًا سهّل حياة الكثيرين بشكل أو بآخر، إلا أنه أيضًا غيّر مفاهيم العمل والراحة والرفاهية، ومع تطور الأتمتة ودخول الروبوتات أصبح يمثّل تهديدًا حقيقيًا حتى على الكثير من الوظائف البشرية.

تعدنا الأتمتة بحياة أفضل. أصبح ما تخيلناه في الماضي يتحقق تدريجيًا وبسرعة. بإمكان روبوت على شكل مكنسة أن ينظّف منزلك، وبإمكان السيارة أن تقود نفسها، وبإمكانك تشغيل كل آليات بيتك وبرمجتها في الوقت الذي تريده بشكل أوتوماتيكي. هذه بعض الأمثلة الجيدة. لكن على الصعيد الآخر، من الذي سيتضرر جراء هذه الأتمتة؟ العمّال الذين يؤدون الوظائف الأخرى. ستستبدل الروبوتات عمّال المخازن، ويستبدل موظفو الاستقبال بروبوتات على هيئة بشرية لخدمتك، وقد يُستبدل المدققون القانونيين ببرامج تراجع الوثائق بشكل أدق من الموظف البشري، وقد يستبدل أيضًا المزارعون بآلات تزرع وتحصد، وقد تحل الطابعات الثلاثية الأبعاد محل العمّال والمصانع أيضًا. تفيد إحصائية أن 55% من الوظائف في مدن أميركا الكبرى قد تستبدل بروبوتات[8]. هناك قلق حقيقي من احتمال تخفيض الحاجة إلى اليد البشرية بشكل كبير، لكن ما الذي سيحصل للعمال الذين خسروا وظائفهم؟ تدور نقاشات الآن حول الدخل الأساسي العالمي، أي توفير راتب أساسي شهري لكل فرد على الأرض سواء عمل أم لم يعمل يضمن له الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، لكن تحقيق هذا يبدو ضربًا من المستحيل في ظل الواقع الشرس الذي نعيشه، وتم بالفعل تقديم قوانين جرى التصويت عليها في عدد من البلدان وفشلت.

يقول بيتر فرايز في كتابه «أربع احتمالات مستقبلية: الحياة بعد الرأسمالية» أن هذا التطور التكنولوجي يُمثّل دينامية رأسمالية متطورة. فعندما تزداد قوة العمّال التنظيمية ومطالبهم بزيادة الأجور، يزداد الضغط على الرأسماليين لاستبدالهم بروبوتات[9].كان هذا مُكلفًا في السابق، لكن إنتاج الروبوتات الآن أصبح أسهل وأرخص.

على صعيد التغير المناخي، جاء انسحاب ترامب مؤخرًا من اتفاقية باريس كارثيًا، ليس فقط للناشطين المناخيين بل حتى للدول الصناعية الضخمة التي انضوت تحت هذه الاتفاقية. بحسب العلماء، لن يكون أمامنا الكثير من الوقت إذا لم نحدّ من انبعاث ثاني أكسيد الكربون عام 2050 وسنصل نقطة لا عودة منها[10]. الكوارث متعددة: تقلب مناخي، معّدلات غير مسبوقة للكوارث الطبيعية، ذوبان الجليد في القطب الجنوبي، والنفايات وقتل الحياة البحرية ونفاد الموارد الطبيعية. هل يمكن إيقاف كل ذلك؟

تُصوّر الواقعية الرأسمالية الأتمتة وكأنها يوتوبيا تكنولوجية محضة، بينما أصبح التغير المناخي ديستوبيا قادمة، ولا علينا سوى الاستسلام أو تجاهل التفكير بالأمر، أو أن نحلم بالنيزك القادم ليرتطم بالأرض وينهي كل شئ لنرتاح من الأسئلة. لكن هناك أسئلة هامة فعلاً: من سيتمتع بفوائد الأتمتة ومن سيعاني؟ من سينجو من تغير المناخ إذا كانت آثاره كارثية؟ بالتأكيد ليس الجميع. يشير فرايز إلى أن معظم النقاشات والجدالات عن الأتمتة والتغير المناخي تخلو من الواقع السياسي، ويتم تجاهل السمة الأساسية للمجتمع الذي نعيش فيه، أي التقسيم الطبقي وعلاقات المُلكية، أي من المستحيل فهم الكارثة البيئية وتطور الأتمتة دون فهم أزمة الاقتصاد الرأسمالي[11].

يقول فرايز أن العوائق الحقيقية أمام سوق العمل هي سياسية وليست تكنولوجية، ويصرف التحاليل التقليدية التي تحدد العملية وكأنها تكنولوجية محضة، بل هي في الواقع خيارات سياسية واجتماعية، فقلة الوظائف الآن ليست نتيجة التطور التكنولوجي، بل سببها فشل حكومي في معالجة المسألة.

من هذه الأشباح التي تخيّم على كوكب الأرض، ينطلق فرايز من لحظتنا الحرجة ليحاول استقراء القادم بعد الرأسمالية. ينطلق فرايز من واقع الأتمتة في أن كل الحاجة للعمل البشري للإنتاج يمكن الاستغناء عنها ويمكن أن نعيش حياة رفاهية بينما تقوم الروبوتات بالعمل، وبإضافة نتيجة المتغيرات الباقية (تغير مناخي: كارثي أو يتم استيعابه) و الصراع الطبقي (مجتمع هرمي أو مجتمع غير طبقي) ويطرح أربع سيناريوهات للمستقبل: اثنين طوباويين (شيوعي أو اشتراكي) واثنين ديستوبيين (إيجاري أو إبادي).

لكن السيناريو الكابوسي هو ما يطلق عليه فرايز «الإبادية»، فماذا سيحصل لو أمست المصادر الطبيعية نادرة واكتفت النخبة الحاكمة بالاعتماد على الروبوتات (التي يتحكمون بها) لإنتاج ما يحتاجونه من سلع وخدمات؟

فإذا تم احتواء تغير المناخ وتحققت وفرة في المصادر الطبيعية وانتهت الطبقية (شيوعية)، لندع الروبوتات تقوم بكل الأعمال غير الضرورية. لكن كيف نُعطي معنى للحياة عندما لا تكون مرتكزة على العمل بالأجر؟ وما هي المشاكل التي قد تنتج عن هذه اليوتوبيا؟ من الضروري أن نتخيل معنى للعيش في عالم لا نقوم فيه التعريف عن أنفسنا من خلال العمل بالأجر. لن يكون العمل عملًا بالمفهوم الذي نعرفه، مرتبطًا بأجر ضروري للحياة، بل هو حرية لكل فرد ليفعل ما يحب دون القلق على قوته اليومي. أما في حالة مستقبل جاءت فيه نتيجة التغير المناخي كارثية، أي ندرة في المصادر مع تحقق مساواة طبقية (اشتراكية)، ستبقى الحاجة للعمل لتأمين احتياجات البشرية ضمن حدود المتوفر من المصادر. الافتراض هنا أنه من الصعب تجنب الكارثة البيئية القادمة، لذا على البشر العمل سويًا ضمن حدود الموجود، من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته.

في حال لم تتحقق المساواة وكان المجتمع طبقيًا قاسيًا، مع وجود وفرة في المصادر، يتخيل فرايز مستقبلًا ديستوبيًا «إيجاريًا»، تتحكم فيه الطبقة الحاكمة الجديدة بحقوق الملكية الفكرية والتكنولوجيا القادرة على تحقيق الوفرة، وعلى باقي البشر دفع إيجار لاستخدام كل شيء. هناك العديد من الأمثلة الحالية: قضية مونسانتو التي رفعتها وربحتها على مزارع أعاد زرع بذرة معدّلة من بذورها، ومنع شركة آبل مالكي أجهزة الآيفون من اختراق وتعديل أجهزتهم. الفكرة هي أن يتم التحكم بكل شيء بشكل أوسع وأكبر لمنع خسارة الشركة المسيطرة لأرباح مستقبلية. ستزداد قائمة الأشياء التي على الناس دفع ثمن مقابل استخدامها، ولن يقدروا على اللحاق بالتكلفة.

لكن السيناريو الكابوسي هو ما يطلق عليه فرايز «الإبادية»، فماذا سيحصل لو أمست المصادر الطبيعية نادرة واكتفت النخبة الحاكمة بالاعتماد على الروبوتات (التي يتحكمون بها) لإنتاج ما يحتاجونه من سلع وخدمات؟ لا حاجة للطبقة العاملة إذًا، هم فائض بشري ووجودهم خطر على المصادر الطبيعية المتبقية. حصل هذا  للأحصنة بالفعل في بداية القرن العشرين مع دخول الجرارات الزراعية للعمل في الحقول بدل الأحصنة، والنتيجة انخفاض أعدادها في أميركا الشمالية من حوالي 61 مليون حصان في بداية القرن إلى حوالي الـ3 ملايين حصان فقط بحلول عام 1960. يمكن الجدال بسهولة بأن هذا قد بدأ بالفعل، فما قتلى الحروب الأبرياء (الأضرار الجانبية كما يطلق عليهم في العمليات العسكرية، وهم في الغالب من الفقراء) إلا فائضًا يسهل التخلص منه؟ يشير فرايز إلى تصريح صاحب شركة كارتييه يوهان روبرت في مؤتمر للفايننشيال تايمز عام 2015: «احتمال اندلاع ثورة بين الفقراء هو ما يبقيني مستيقظًا ليلًا». بدأ الأثرياء بالخطوة الأولى بالفعل: الاختباء والهرب من الفقراء ببناء مدن وتجمعات سكنية مغلقة حول العالم. يتحرك الأثرياء بحرية بينما لا يستطيع الفقراء تحمل التكلفة، ومن السذاجة أيضًا الظن أن جميع سكّان الأرض سيقومون بالسفر على متن مركبات إلون ماسك الفضائية إلى المريخ هربًا من دمار الأرض، وقد تقوم الروبوتات أيضًا بالقتل بالنيابة، كما يحصل الآن مع استخدام الدرونز.

تبين أمثلة فرايز وسيناريوهاته المستقبلية أن لحظتنا حاسمة، وأن إعادة التفكير باليوتوبيا أكثر حرجًا وأهميةً من أي وقت مضى، رغم محاولة الواقعية الرأسمالية تعليق هذا التفكير. من واقعنا الحالي، يأتي الإصرار على أن المكان الذي سننتهي فيه لن يأتي إلا نتيجة صراع سياسي بالدرجة الأولى. مع فشل الكثير من المحاولات السياسية، ومع فقدان الأمل العام بقوى اليسار التقليدي العالق أيضًا في الماضي، ومع الشعور العام بأن لا شيء يمكنه إيقاف هذا التوحش وأننا وصلنا إلى النهاية ولا سبيل للخلاص إلا بنيزك يدمر الأرض ومن عليها، من الضروري التفكير بطرق جديدة نستطيع فيها اختراق هذا الضباب.

في إحدى محاضراته، قال سلافوي جيجيك أن المهمّة الرئيسية اليوم هي إعادة اختراع اليوتوبيا بطريقة جديدة. لا يقصد اليوتوبيا التقليدية التي تتخيل عوالمًا خيالية لا سبيل إلى تحقيقها، ولا اليوتوبيا الرأسمالية التي نعيشها الآن والمعنية بالسعي اللامتناهي وراء الرغبات، بل يوتوبيا راديكالية تقدم الجديد الآن، وهي أيضًا ممارسة يومية فعلية وليست نهاية بحد ذاتها. لا يمكننا البقاء في لحظتنا المعلّقة هذه، وليس هناك من ماضي نعود إليه كما تفعل بعض الإيديولوجيات القومية والدينية الواهمة وتصوراتها الطوباوية المحليّة، الرأسمالية نظام معقّد يسيطر على العالم بأكمله. على حد تعبير إرنست بلوخ، «علينا الإيمان بمبدأ الأمل».

*هذه المقالة مقتبسة من محاضرة للكاتب بعنوان «ضد الإلغاء البطئ للمستقبل» ألقيت ضمن الفعاليات العامة لبرنامج جلسات الربيع 2017.

ملاحظات ومراجع

[1] الديستوبيا هي عكس اليوتوبيا، وتعني مكانًا أو مجتمعًا مرعبًا وغير مرغوب

[2] ابراهيم العريس، «آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي: خيال المبدع والأوطان السعيد»، الحياة، 25 ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٣

[3] Utopianism: A Very Short Introduction, OUP Oxford, 2010, p. 21

[4] Capitalist Realism: Is there no alternative?, Zero Books,  2009, p. 2

[5] الرأسمالية المتأخرة مصطلح ماركسي يشير إلى فترة الرأسمالية منذ عام 1945 وإلى الآن

[6]فرانسيس فوكوياما، «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، 1989

[7] الحبة الحمراء والحبة الزرقاء رمز ثقافي معاصر مقتبس من فيلم The Matrix يعني الاختيار بين الحرية والمعرفة والواقع (الحمراء) وبين الأمان والباطل ونعمة الجهل (الزرقاء)

[8] Alana Semuels, “The Parts of America Most Susceptible to Automation,” The Nation, May 2017

[9] Peter Frase, Four Futures: Life After Capitalism, Verso Books, 2016

[10] بنود اتفاقية مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، 2015

[11] Peter Frase, Four Futures: Life After Capitalism, Verso Books, 2016