لماذا توقفت عن القراءة لمحمود درويش؟

الأحد 09 آب 2015
محمود درويش

أذكر أنني في مرحلة بائسة من حياتي لم أكن أعرف من الثقافة والأدب إلّا محمود درويش. قبله قرأت ما تيسر لي من الروايات السخيفة، وقرأت شعر نزار قباني وأعجبت به، ومن ثم شعر أحمد مطر وأعجبت به، وكنت أظن هذه الكتب هي أهم ما يمكن للمرء أن يقرأه في حياته، وأن بها كفايته. ثم جاءت مرحلة محمود درويش وهي المرحلة التي أظن أنني اكتشفت بها جزءًا مهمًا من هويتي، وهو الجزء الذي سيسيّر حياتي لسنوات.

بالطبع، استمعت عشرات المرات لقصائده، وأحببت نثره أكثر من شعره على اعتبار أن نثره لا يحتاج منك في معظم الوقت معجمًا ومنقلة لفهمه. لكنني بقيت اقرأ درويش لمدة لا بأس بها، وظل كاتبي المفضل حتى تلك الفترة التي وجدت فيها نفسي محاطًا بأصدقاء ذوي باع جيّد في الثقافة، ساهموا وما زالوا في تحطيم الأصنام التي ما كنت أكف عن خلقها وعبادتها. وبهذه المرحلة بدأت القطيعة مع محمود درويش، وهي القطيعة التي ستستمر لسنوات، حتى وصلت في نهاية الأمر إلى مصالحة ما، مصالحة قضت بالاكتفاء عن شيطنة الرجل وعن تأليهه في ذات الوقت، وهو ما أجده اليوم الحال الأمثل.

لكن بما أن الحديث هنا هو عن فترة القطيعة تلك بالتحديد، فيمكن تلخيص الأسباب التي دفعتني للتوقف عن القراءة لمحمود درويش فيمكن تلخيصها بالآتي.

الابتذال والأغلبية

يقول الحكيم الذي لا أذكر اسمه أن عليك الاستدارة للخلف عندما تجد نفسك في صف الأغلبية. هناك فارق هائل بين من يشجع برشلونة اليوم، وقد نصب نفسه زعيمًا للكرة العالمية، وبين من يشجعه مذ كان في المركز السابع عشر في الدوري، وفي كلِ خير. ما أعنيه هنا هو أن محمود درويش قد تحوّل إلى أيقونة وطنية فلسطينية وقومية عربية، فلا يخلو منهاج مدرسي من قصيدة من قصائده، ولا تجد طفلًا في الشارع إلّا ويعرفه أو قد سمع عنه، ولا تجد شابًا لم يتعرف إلى الفتاة التي ستكون مسؤولة عن تعاسته إلّا وقد استمع إلى قصيدته الشهيرة: انتظرها.

وعيب انتشار درويش أنه ساهم في «ابتذاله» كما قال بعض الأصدقاء، ولذا كانت ردة الفعل تجاهه إمّا المقاطعة التامة، أو البحث في أرشيفه عن قصائد لم تجد طريقها لأغاني مرسيل خليفة وحفلات الأخوة جبران، قصائد فيها من الرمزية ما يجعلها عسيرة على الانتشار بين «العامة»، وأظن أن هذا السبب كان حقيقيًّا في حالتي. ولربما تستحق «ظاهرة» رغبة المثقف في الاستعراض والتعالي الكثير من الكلام ممن يجيد البحث في دواخل النفوس وأسرارها.

صنم من كلمات

يهوى المثقفون، ولربما الشباب منهم خاصة، تكسير الأصنام واقتلاعها من أرضها، وخاصة الأصنام الثقافية. فقد بات سلوكًا يمكن ملاحظته بشيء من التدقيق، بحث الأصدقاء المثقفين على عثرات المثقفين الذين كنت وأنت تحبو في عالم الثقافة تعتبرهم رموزًا عالمية، ولذا فقد كثر الحديث حول درويش، حول دعوته نحو الحوار مع اليسار الصهيوني، حول علاقته بالقيادة الفلسطينية، بل ووصل الأمر إلى درجة الادعاء الأحمق بوقوفه خلف اغتيال الشهيد ناجي العلي، وبالطبع كان بعض هذه الاكتشافات المريعة أكثر من كافٍ للتخلص من درويش مرّة واحدة، وللأبد، أو هكذا كان يظن المرء.

بين السلطة والمقاومة

يعلم المطلعون على المشهد العام في فلسطين، أنه قد تم استعمال محمود درويش -وهو المعارض لأوسلو، ولو جزئيًا- ضمن مشروع أوسلو، بكل ما فيه من سيئات. استعمل اسم محمود درويش وشعره وشهرته ضمن مشروع أرى أنه يتناقض مع رؤيتي للوطن وللعالم، ولمشروع التحرر الوطني والقومي، واستعملت السلطة درويش وشعره للحث على الخمول، لحب الحياة المرَضيّ، للحديث عن الجمال في وقت القبح. لذا، كان من الطبيعي أن تكون ردة الفعل تجاه هذا الرمز هي لفظه، والبحث عن نماذج أكثر ثورية ووفاء للمشاريع التي تتناقض مع المشروع الحالي.

جلباب أبي

صحيح أن شعر محمود درويش قد أسهم بجلاء في تكوين شخصية المرء، إلّا أن شابًا عشيرينيّا كان من الواجب عليه ألّا يعيش في جلباب درويش إلى الأبد، خاصة مع عجز شعره وقد انتقل في سنواته العشرين الأخيرة من المحلّية إلى الكونية -كما يحلو للبعض الوصف- عن الإجابة على الأسئلة الآنيّة المؤرقة. لذا كان من المنطقي وربما من المناسب البحث عن شعراء وأدباء آخرين يطرحون أسئلة لا يطرحها محمود درويش، وتبحث معهم عن إجابات تتعلق بأسئلة الراهن واليومي.

أخيرًا، ساهم محمود درويش، بشعره ونثره، وحياته، وشهرته بتكوين هويتنا الجمعية كشعب فلسطيني، ومن العسير حقيقة تجاوز هذا المكون أو تجاهله فضلًا عن قتله. ولذا كان الحل، بعد قليل من النضج، أن يصار إلى تسوية معه، تسوية ترضينا وترضيه، تسوية بندها الأول عدم السماح للسلطة باختطافه منا عبر ابتذاله في المحافل كلها، أو عبر استعمال جزء من شعره وإخفاء جزء آخر، عبر استعمال «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» كنقيض لـ«اضرب عدوّك بي» أو في مواجهة «أنا أحمد العربي، فليأت الحصار». وبندها الثاني في التعامل مع درويش كما يليق به، شاعرًا لا إلهًا، ووطنيًّا أصاب وأخطأ.