زرايب العبيد؛ هل «تستحق الورق الذي نشرت عليه»؟

الأربعاء 05 نيسان 2017

بقلم نذير الملكاوي

تبدو لي الكتابة، الآن، عن «زرايب العبيد»، رواية الروائية الليبية نجوى بن شتوان الثالثة، مربكة؛ إذ تظل عدسة جائزة البوكر قريبة كأنها تلتصق بوجهي، فلا أستطيع تناول الرّواية دون أخذ سياق الجائزة بعين الاعتبار. لكن قبل ذلك، أشير إلى أنّ هذه الرواية جاءت بعد توقّفٍ طويل عن النشر، قارب السبعة أعوام، لتكمل بها مسيرة مدارها روايتين هما «وبر الأحصنة» (2007)، «مضمون برتقالي» (2008)، وعدد من المجموعات القصصيّة أذكر منها «طفل الواو»، و«الملكة».

تدور «زرايب العبيد»، كما هو بادٍ من عنوانها، حول حياة عبيدٍ وسط زرائبهم نهايات «الاحتلال العثماني» لليبيا، وقبيل دخول الاستعمار الإيطالي. وتحكي الرواية تحديدًا قصّة تأخذ محاور كثيرة، أهمّها قصّة «عتيقه» التي تأخذ من صفات العبيد سمارها، ومن صفات البيض لون عينيها اللوزيتين. فعتيقه هي نتاج علاقة محرّمة بين محمّد «السيّد» الأبيض وتعويضه «الخادمة» السوداء، تتنكّر لها عائلة محمّد لتُرمى عتيقه بعيدًا وسط العبيد في الزرايب.

تستعمل الكاتبة تقنية «الفلاشباك» في بداية الرواية، إذ تُفتتح على مشهد زيارة ابن عمّة عتيقة «الأبيض» علي لها، محاولًا التكفير عن ذنبِ، لا عائلته فحسب، بل ربّما عن ذنب مجتمعٍ بأكمله لم يعترف بها ابنة له، كما استحلّ العبوديّة وإن لبس لبوس الدّين، بالاعتراف بها سليلة شرعيّة لـ «محمّد بن شتوان»؛ أبيها الذي لم يستطع الاعتراف بها في حياته. ثمّ تعود الكاتبة بنا إلى عتيقة في صغرها، إلى خطواتها الأولى في الزرايب، ورغبتها بالنظر في المرآة لتتعرّف فيها على نفسها، «ذات مرّة صارحتُ صديقتي درمه بأنني أريد مرآة، طلبت منها مساعدتي في العثور وإن على شقفة صغيرة. سألتني بالطبع لمَ أريدها، فأخبرتها بأني أريد رؤية وجهي فيها». هذه الرغبة لا تشبه رغبة نرسيس المختالة في النظر إلى صورته، بل هي رغبة وليدة العدم، وليدة تحسّس الغامض المتمثّل في نظرة الآخرين لها «بسرعة بحثتُ عن ذلك الشيء الذي يلفت نظر الناظرين فيَّ، فاستوقفني مثل جميع الذين استوقفهم وكان في عينيّ»؛ إنهما عيناها اللوزيتان، اللتان تعطيانها خصوصيّةً عن أوجه باقي العبيد.

استوقفني أثناء قراءتي لحوارٍ أجرته الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» مع الروائيّة قولها بأنّها لم تستند إلى مادّة تاريخيّة موثّقة في كتابة الرواية، إذ ببساطة لا توجد مادّة تاريخيّة عن حياة العبيد في نهايات القرن التاسع عشر: «لا يوجد معلومات تاريخية أو مادة موثقة يمكنني الانطلاق منها، عدا بعض الصور التي التقطت للزرايب إبان دخول ايطاليا لليبيا واهتمامها بالمسح، عثرتُ على صورة لها عند صديق وبدأت في تأمّلها، محتويات الصورة كانت فقيرة ولا يوجد بها تفاصيل، أتذكر أنني وضعتها أمامي على شاشة كمبيوتري وبدأت أتأمّلها وأفكر في تعبئتها بالأشخاص المناسبين وبحكايتهم».

لا أفهم هذه الرغبة الغريبة التي فرضتها الكاتبة على شخصيّاتها بالاتّساق مع صورة واحدة، وكأنّ هذه الشخصيّات تُلقّن من هي ابتداء، وما عليها أن تكون

قراءة كلامها هذا، وإعادة قراءته بعد الانتهاء من الرواية، وضعني أمام فكرتين. الأولى هي مدى صعوبة تخيّل عالمٍ لم تعشه أو تعرف أحدًا سبق أن عاشه، خاصّة إن كان عالمًا قاسيًا كالموصوف في الرّواية. الثانية، هي محدوديّة خيال الكاتبة. تخيّل نفسكَ تتنقّل بين أرفف مكتبة ووقعت عيناك على عنوان «زرايب العبيد». أراهن إنّ ما سيخطر ببالك هو ذاته المكتوب في الرّواية: عالمٌ قاسٍ، جنسٌ مجانيٌّ يروح العبيد ضحايا له، موتٌ بالجملة، كوارث طبيعيّة، مسرّات صغيرة تنبت بين تفاصيل الخراب، وهلمّ جرّا. لا شيء جديد في الرّواية، فيصير التطويل فيها (الرواية من 350 صفحة) حشوًا، بإمكان أيّ قارئ أن يفتح الرواية من أيّ فصلٍ شاء، وسيفهم القصّة دون عناء.

تقول سحر خليفة، رئيسة لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» على صفحتها على الفيسبوك: «الكثير من الروايات [المقدّمة للجائزة]، أغلبها، من وجهة نظرنا، لا يستحق حتى الورق الذي نشرت عليه. وفي هذه الحالة، أنا ألوم الناشرين الذين يتخذون من النشر عملية تجارية ولا يولون أي اهتمام للمستوى الفني والإنساني، ولا يولون أيضًا أي اهتمام للفائدة التي يجنيها القارئ ولا خسارته المادية حين يشتري رواية لا يستطيع إكمال قراءتها لركاكتها وفجاجتها وسطحيتها». وأنا حقيقة لا أفهم ما تقصده بالركاكة والفجاجة والسطحيّة. فنجوى بن شتوان تفاجئنا كثيرًا بقدراتها في الصرف مثلًا، حين تقول في كذا موقعٍ من الرواية، نذكر منها: «أعطيني نظارتي»، «أعطيه وأعطي نفسك الفرصة»، «أريني المكان الذي كانت فيه». أو مثلًا، في انتقائها لألفاظها، فمثلًا تقول «وضحكا كما يضحكان في كل وقتٍ يمضيانه معًا، ثم صمتا وظلّا يحدقان في النجوم ولا يتكلّمان. بعد لأي قال لها (..)»، واللأي يكون في المشقّة، ولا يظهر من سياق الكلام أيّ مشقّة بين المتحاورين (عتيقه وزوجها يوسف جوسيبي)، فما الدّاعي لاستخدام الكلمة هنا؟

هذا على مستوى الألفاظ، أمّا على مستوى المعاني، فإنّ نجوى بن شتوان تحاول في روايتها هذه تفكيك النظام الاجتماعيّ القائم على ثنائيّة اللونين: الأبيض والأسود، معرّضة بمثالبه. لكنّها للمفارقة تنزلق في ذات الثنائيّة، حين تقدّم لنا شخصيّات إمّا خيّرة أو شريرة على الإطلاق (بيضاء أو سوداء بالمحصّلة). العبيد أخيارٌ أبدًا، بل أخيار حدّ السذاجة، والأحرار بالمقابل أشرارٌ بالفطرة! عتيقه مثلًا تعلّق على تقديم البيض على العبيد في صفّ الانتظار بالتالي «لم يعِ عقلي سوى أنّ الأحرار هم ذوو البشرة البيضاء؛ أناس ليسوا مثلنا في كلّ شيء، لا يشبهوننا حتى وهم يشبهوننا. إنني لا أحقد على تميّزهم عنا في اللون والمأكل والملبس والمسكن والرزق وكل حظوظ الدنيا، بل إن إعجابي بنظافة ثيابهم ودورهم وصدقاتهم التي يمنحوننا إياها يجعلني أفرغ نفسي للإعجاب والامتثال بهم واتّباع سننهم في العيش».

وفي حوارٍ آخر، تقول عيده (إحدى خدم محمد بن شتوان) لتعويضه ناصحة إياها: «قد يكون في قرارة قلبه يحبّك لكنه لن يضحي بزوجته -ابنة خاله- وأم بناته من أجل خادمة. (…). أعتقد أنّهم أقنعوه بأن ما يجذبه إليكِ ليس حبًا كما يتوهّم، بل هو تأثير السحر الذي عملتِه له» . يُختزل العبيد والأحرار هنا في هُويّة واحدة، لا يحيد عنها أحد؛ فعتيقه في المثال الأوّل طيّبة حدّ الإعجاب بمن سبّبوا بؤسها، ومحمد في المثال الثاني شرّير بالتبعيّة، إذ هو أصاخ السمع ورضخ. لا أفهم هذه الرغبة الغريبة التي فرضتها الكاتبة على شخصيّاتها بالاتّساق مع صورة واحدة، وكأنّ هذه الشخصيّات تُلقّن من هي ابتداء، وما عليها أن تكون، وتأخذ تتصرّف على هذا النحو لا العكس. وهمٌ يصل حدّ تجريد طفلٍ صغيرٍ يعيش في الزرايب من إمكان الشكّ بقصّة أهله الضائعين، فيصدّق أنّهم قضوا في فيضان كبير «فيرفع كفّيه المتعبتين من تكسير الملح إلى السماء وهو مستلقٍ على ظهره ويردّد بقلبٍ خاشع: يا رب ارحمهم واجعل الجنّة مكانهم»، مكتفيًا بالسذاجة دليلًا على الطفولة، أو على وجوده بأسره حتّى.

ثمّة حوارٌ يجري قرب نهاية الرّواية، حوارٌ ميلودراميّ، يذكّر أكثر ما يذكّر بالمشهد الختاميّ من فيلم «حسن ومرقص»، إذ يسير المسيحيّ بجانب المسلم (العبد بجانب الحرّ هنا)، ويخطوان بثقة قطّة عمياء صوب مستقبلٍ ملؤه الأمل والتفاؤل غير معروفي المصدر «بنغازي محمّد وتعويضه الأزليّان، وأنا بذرة الحبّ الأكيدة بينهما. بنغازي مفتاح التائه الصغير بين الدروب وعتبات المساجد، الممسك مثلي بطرف رداء أمنا تعويضه. كلانا كان للآخر ضوء منارة لسفينة في حالة ضياع. كلانا لا يختلف عن منارة اخريبيش، لكي تضيء، لا بدّ أن يحيطها الظلام» . ويعتريني سؤالٌ الآن: هل كان بالإمكان التوفيق بين كلّ هذا التنافر بين الخير والشّر بطريقة أخرى؟

إن كانت «زرايب العبيد» رواية عن الهُويّة، فلا شكّ أنّها أقلّ من «ساق البامبو»، وأورد ذكر ساق البامبو لتشابه تفصيلة الهُويّة الملتبسة لدى بطليها، فكلا عتيقه وعيسى -بطل ساق البامبو- مختلطي الأنساب، ويعانيان من عدم اعتراف جهة الأب بهما. وإن كانت رواية عن المكان، فالمكان فيها أقرب لصور مشتّتة منه إلى صورٍ متحقّقة. وإن كانت عن الوضع البشريّ الحزين لجماعة من النّاس في فترة معيّنة، فإنّها رواية بليدة، بلادتها «ستكون لهم مثل ريح الزرايب مدمّرة، حتّى وإن أبقت على بعض الممتلكات، لا أحد يحبّها رغم ما فيها من خير خفيّ».

لن أنفي الرغبة في تصيّد الأخطاء، فنحن أولًا نتعامل مع رواية تصل إلى القائمة القصيرة لما سُكتَ عن كونها أفضل جائزة عربيّة. وثانيًا، جاءت الرغبة في البحث عن الأخطاء كردِّ فعلٍ على فوقيّة خطاب رئيسة لجنة تحكيم الجائزة، التي ترمي به 170 رواية (مجموع الروايات غير الواصلة إلى أيٍّ من قوائم الجائزة الطويلة أم القصيرة) عرض الحائط، لذات الأسباب التي تبدو متوافرة في روايتنا هذه.

لطالما سارع الأمين العامّ لجائزة البوكر، ياسر سليمان، إلى نفي تهمة المحاصصة الجغرافيّة للجائزة. متّكئًا، سنة وراء سنة، على منح النسختين الأوليين إلى مصريّين تباعًا. من بين ستّة مرشّحين لنيل الجائزة هذا العام، نجوى بن شتوان هي الوحيدة القادمة من بلدٍ لم يسبق أن حصل كاتبٌ/كاتبة منه على الجائزة. لذا قد يكون شائقًا أن ننتظر ونرى، هل ستكذب الجائزة حتّى إشعارٍ آخر، أم تحفظ لجنة التحكيم ماء وجه القائمين عليها، وتنتصر لذائقتها على حساب الجغرافيا؟

  • Haitham AL-Sheeshany

    لا أظنني سأقرؤها!

    شكرًا للمراجعة