رأي

بالنسبة لبكرا.. شو؟ أرشيف معاش منذ 34 سنة

الخميس 18 شباط 2016
بالنسبة لبكرا شو زياد الرحباني

ما زالت ثريا ترقص في بار «الساندي سناك» منذ عام 1978. أما رامز صاحب الصوت الجميل فلم يتوقف عن الغناء للخسّة التي زاد سعرها بمجرد نقلها من سيارته إلى داخل مطبخ البار. ومطعم الشيخ الخليجي لم يتوقف عن الدوران أيضًا، «يبرم» بكل من فيه من أفضل وأكفأ شباب البلد الذين تغربوا في الخليج بعد بحث فاشل عن فرصة «عمل السبعة وذمتها» داخل البلد رفضًا الذهاب إلى الخليج.

مسرحية زياد الرحباني السبعينية الشهيرة «بالنسبة لبكرا.. شو؟» بدأت عرضها من الشهر الماضي في عرض سينمائي يعتمد بالأساس على مواد أرشيفية صوّرت بكاميرا المصورة ليال الرحباني خلال عروض المسرحية أو أثناء البروفات. ليال الرحباني التي قررت بنفسها أن ترحل عن هذه الدنيا في عام 1988، قررت أيضًا أن تترك لنا مقاطع الفيديو هذه، والتي كونّت أساس العرض السينمائي للمسرحية.

حين حضرت تسجيل المسرحية في دبي قبل أسبوع، لم أكترث برداءة الصوت أو الصورة في مقاطع معينة من العرض. بل ما دعاني للإعجاب بالعرض حقًا هو البعد الآخر للمادة المصورة الناتج عن اختلاف زوايا الكاميرا بين لقطة وأخرى. هذه المشاهد الممنتجة تركت لي مساحة للتفكير خلافًا لأعمال أخرى قد تنحصر بصريًا حسب قرار من المخرج. حتى المشاهد التي سلطت الضوء على بعض الممثلين أو التفاصيل، لم تعتدي على حقنا كجمهور في تخيّل ما يحدث خارج ذلك الصورة.

عرضت المسرحية في السنوات الأولى الحرب الأهلية التي أثّرت في الهوية اللبنانية وفي جغرافية بيروت وديموغرافيتها. كان الفنانون والجمهور مزيجًا من سكّان المدينة التي بدأت تدرك بأن هذه الحرب ستقسمها لمناطق متنازعة. فظهرت المشاكل الاجتماعية الناتجة عن تحوّل المجتمع إلى النمط الاستهلاكي بعد العصر الذهبي الذي عاشته بيروت وقلبها الممثل بشارع الحمرا ذي الهوية المختلطة. وثّق العرض تلك المرحلة وتبعاتها التي دفعت وما تزال تدفع الشباب لترك البلد والسعي لتغيير معطيات «بكرا»، أملًا في تحقيق الخلاص الفردي وبحثًا عن كرامة أهدرتها الحرب والفقر.

تلك الهوية الأرشيفية للعرض شكّلت في تصوّري مشهدًا سورياليًا بانعكاسات على واقع أعيشه أنا ومن ينتمون لجيلي الذي عاش في مرحلة كسر القوالب وتحطيم الرموز. برع زياد في الحديث عن الثورة والكرامة الإنسانية وحق العيش بصورة ساخرة. فزكريا (زياد الرحباني) ثار على ثريا (نبيلة زيتونة) عندما طلبت منه أن يذهب للخليج للعمل في المطعم الموعود، لأنه سيكون «آكل، شارب، نايم ما بيتعرف ع شي». لكنه كذلك نقل لها طلب الخواجا عدنان صاحب المحل بأن ترقص للشيخ الخليجي لترطب الجو، وهو أيضًا من رقص على صوت رامز (جوزيف صقر) الذي شدا مغنيًا «نحن كنا طالعين، طالعين ومش دافعين». رقص زكريا ورقصت ثريا، فجاء ذلك المشهد يشبهنا نحن من نفرح بعقد عمل يتيح لنا فرصة لعيشة من الصعب أن تحدد إن كانت كريمة أم لا، ولكن ما نعرفه أن «الفقر بيفزّع».

برر زكريا لنجيب لما تقوم به ثريا بعد أوقات الدوام مع زبائن المحل الأجانب. هنا، قرأت وجوه الحاضرين في وجه زكريا، هم من جاؤوا إلى دبي، ربما «لما يتعرفوا ع شي» في بلادهم أو هربًا من انعدام «المواد الأولية». كان حضور المسرحية أشبه مشاهدة نشرة حياتنا اليومية، ولكن بلا شريط أخبار عن انخفاض أسعار النفط وعدد القتلى في انفجارات روتينية. كنا نشاهد أنفسنا على مادة أرشيفية رديئة الصورة.

تحدى رامز جودة الصورة والصوت في هذا العرض، فهذا الشاب البسيط جاء من الجبل ليعطي المسرحية عفويتها. حين استمعت لمسرحيات زياد التي كان جوزيف صقر عنصرًا رئيسيًا فيها، لم أرَ كيف كان تمثيله على المسرح. لكن الآن بعد مشاهدتي للعرض السينمائي يمكنني أن أذكر ملامح وجهه الذي يشبه وجهي يحين أحاول فهم قصيدة معقدة أو جملة من فنان أو كاتب في جلسة حوارية أو مقال. أستطيع اليوم ربط الكلام بالحركة، وتفسير ضحك الجمهور في مواقف معينة لم أدركها في التسجيلات الصوتية. لقد أثريت ذاكرتي كما الذاكرة الجمعية أيضًا، وهنا تكمن قيمة توثيق هذا العمل.

تلك اللحظات البيروتية التي طالما سمعت عنها من أقارب كانوا جزءًا منها، أو رأيتها في فيديوهات مصورة للمدينة وجدتها في أرشيفهم الخاص، أو شاهدتها في أفلام وثائقية مختلفة، لم تتركني بنفس الحالة التي عشت فيها حين قارب العرض على الانتهاء. شعرت لوهلة أنني في بيروت، وأنني سأخرج لأكمل السهرة في بار بيروتي أو سأعود لبيتي في آخر الشارع. لتأتي اللقطات الأخيرة التي عرضت بعد انتهاء المسرحية كملحق للعرض، لمدينة بيروت في السبعينيات، بمحلاتها وشوارعها ومبانيها الحديثة وناسها الجائلين في المدينة، الذين ربما كانوا يتساءلون مثلي أنا اليوم من شاهد العرض في دبي وترك قلبه في بيروت تلك: بالنسبة لبكرا شو؟