أزمة نقل عام، لكن بلا طوابير

الأحد 16 حزيران 2019
دوار الداخلية في عمّان. المصدر: ويكيميديا.

لا أحد يجادل حول أزمة النقل العام في العاصمة عمان، لكن إذا ذهبت الآن إلى أي من مجمعات النقل أو مواقف سيارات «السرفيس» أو الباصات، لن تجد ازدحامات تذكر. باختصار، لقد اختفت طوابير الركاب من عمان، مع أن أزمة النقل العام تفاقمت!

يمكن التأريخ لبروز ظاهرة تلاشي الطوابير ابتداء من العقد الماضي أو أكثر بقليل. لعب نقل مجمّعَي النقل الكبيرين: مجمع رغدان عام 2003 إلى منطقة المحطة، ومجمع العبدلي عام 2007 إلى منطقة طارق، دورًا في ذلك، لكنه لا يكفي لوحده لتفسير الظاهرة.

لغاية مطلع القرن الحالي، كانت الشكوى من كثرة الطوابير وطول الزمن اللازم للانتظار منتشرة كأبرز تعبير عن الأزمة، وكانت المطالبات بزيادة عدد وسائل النقل أو تحديثها لا تتوقف باعتبارها مدخلًا لحل الأزمة او تخفيفها.

يقول عاملون على خطوط النقل إن عدد السيارات لم يرتفع، وفي بعض الخطوط تقلص، وفي بعض الخطوط بقيت رخصة الخط مع السائق لكنه لا يعمل على الخط المخصص له، ومع ذلك فإن عدد الركاب انخفض إلى حد كبير.

في الواقع، لقد تغير السلوك التنقلي للركاب. أذكر مثلًا أنني عند نقل مجمع العبدلي إلى «مجمع الشمال» على شارع الأردن، لاحظت أن المجمع الجديد ظل فارغًا نسبيًا، لذا حاولت التعرف على البدائل التي اتخذها الركاب، سواء المنتقلين داخل عمان وبين مناطقها أو القادمين من خارجها. لقد تنوعت الإجابات بتنوع طبيعة حركة الأشخاص، لكن الملاحظة أن قطاعًا كبيرًا من الركاب توقف عن ارتياد المجمع، وذهبوا إلى خيارات أخرى؛ منها تشكيلهم نقاط تجمع غير رسمية عند تقاطعات مناسبة، وقد تناغم السائقون مع خيارات زبائنهم، لكن هذا الإجراء كان بالنسبة لكثيرين مؤقتًا بانتظار خيارات أخرى.

في حالة مجمع رغدان الذي انتقل إلى «المحطة»، كانت التغيرات أوضح، لأن خطوط النقل قصيرة نسبيًا وأغلبها داخل العاصمة. فقد توقف كثيرون من سكان مناطق مثل الهاشمي الشمالي والجنوبي والمحطة والجوفة وجبل التاج والنصر عن المرور بالمجمع الجديد، جزئيًا او كليًا. وقد تنوعت البدائل التي لجأ إليها هؤلاء. فبعضهم استفاد من قرب المسافة وتقلصت حاجته للمرور بالمجمع الجديد، وبعضهم تضرر، خاصة الأسر التي لا تحتمل الإنفاق العالي اللازم لقطع مسافة قصيرة لكي تتمكن بعدها من الانتقال إلى منطقة أخرى في العاصمة (مكان عمل أو زيارة)، فاضطرت إلى سلوك طرق أخرى بعيدًا عن مجمعات النقل، ومثلهم القادمون من شرق عمان (ماركا والرصيفة والزرقاء وما حولها) الذين كانوا يستخدمون وسيلة واحدة توصلهم إلى وسط المدينة (رغدان) ومنه ينطلقون إلى مناطق أخرى، بينما أصبح عليهم تحمل نفقات ووقت وجهد إضافي، قادهم أحيانًا بعيدًا المجمع.

نقل عام غير رسمي

من جانب آخر، فقد أصبح التفكير بامتلاك سيارة مطروحًا عند حساب تكلفة النقل على مستوى الأفراد والأسر، وقد ترافق ذلك مع تسهيلات تمويل شراء السيارات التي انتشرت ولا تزال في حملات إعلانية كبرى.

من الملاحظ أن أغلب مساحة مجمع المحطة هي الآن عبارة عن سوق شعبي كبير، بحيث تغيب مظاهر خدمة النقل عن الأبصار إلى حد ما، وهو موضوع يحتاج لمعالجة خاصة باعتباره واحدًا من تجليات مرونة مجتمع الفقراء والعاملين في القطاع غير الرسمي.

كانت دراسة رسمية صادرة عن أمانة عمان عام 2010 قد تحدثت عن تراجع نسبة مستخدمي وسائل النقل العام إلى 9%، ولكن المؤسف أن الجهات ذات الصلة لم تسأل عن خيارات الناس بعد أن غادروا النقل العام الرسمي، وعن مدى جدية التغير في موقفهم من النقل العام.

يتحدث سائقون ممن صمدوا في الصنعة عن عوامل كثيرة جديدة تركت أثرًا على قطاعهم، منها دخول سيارات النقل الخاصة لنقل الركاب، حيث يمكنها أن تؤدي غرض النقل بمرونة أكبر وفاعلية مع إمكانية تبديل المسارات. واليوم، فإن سائقي النقل العام يمضون وقتًا صعبًا في عملهم بانتظار الركاب أو أثناء التعامل معهم، ولهذا فإن التقدم في السن يغلب على المواظبين على صنعة سائق وسيلة نقل عام، بمعنى إنهم من الذين يفتقدون إلى بدائل عمل أخرى في القطاع نفسه أو خارجه.

صور أرشيفية لطوابير الركاب في عمان. من أرشيف الكاتب.

سيرة الطوابير

لطوابير النقل قصة أو قصص طريفة شكلت جزء من التاريخ الثقافي للمدينة ولسكانها، ويحمل الأرشيف الكثير من الإشارات والأحداث ذات الصلة.

واقع الأمر أن النقاش حول أزمة السير في عمان قديم، ومن أطرف ما يحمله الأرشيف ملاحظة صرح بها مندوب الأمم المتحدة الشهير الكوت برنادوت الذي كلف بمتابعة الصراع في فلسطين في نهاية الأربعينات (وقد اغتالته عصابات صهيونية عام 1947)، فقد وصف عمان حينها بأنها كراج الشرق الأوسط لكثرة  السيارات في شوارعها!

لكن نقاش الأزمة أصبح علنيًا منذ نهاية ستينات القرن العشرين، ثم ارتفع هذا النقاش وبدأ طرح الحلول منذ مطلع السبعينات.

لم يكن ركاب النقل العام قد اعتمدوا فكرة الطابور، وكان الحصول على مقعد يعتمد على الشطارة والتراكض والتزاحم على أبواب السيارة أو الباص. لكن عام 1971، وهو العام الذي شهد تركيب أول إشارة ضوئية، وشهد تخطيط مسارات خاصة بالمشاة لقطع الشوارع الرئيسية، هو ذاته العام الذي يؤرخ لظاهرة الطوابير، وذلك وفق مواد يوفرها أرشيف الصحف، وقد احتاج الأمر لحملات تثقيفية ورقابية بهدف ضبط الأمور.

مقال أرشيفي حول أزمة السير في عمان. من أرشيف الكاتب.

أعلنت أمانة عمان عن تنظيم مواقف النقل لخطوط السرفيس عام 1971 ونشرت ذلك في الصحف، ثم أنشئ مجمع العبدلي عام 1974، وفي منتصف السبعينات دخلت إلى الخدمة باصات مؤسسة النقل العام التي اشتهرت بلونها الأحمر، وكانت فكرة جديدة وقدمت حينها حلًا معقولًا. لكنها عندما تقادمت وهرمت، أخضعها الجمهور لتهكم عام وسخرية جماعية فأطلقوا على تلك الباصات تسمية «جحش الحكومة». في الواقع، يحمل الأرشيف قرارات صدرت في الجريدة الرسمية تحدد أجور النقل على الدواب ومنها الحمير، التي شكلت وسيلة نقل رئيسية داخل العاصمة حتى أربعينات القرن العشرين (وفق ما ذكره عبد الرحمن منيف في كتابة سيرة مدينة عن عمان في الأربعينات)، والملاحظ أن حمير النقل والتنقل تلك كانت قطاعًا خاصًا، ولهذا استحق الباص الهَرِم، بصفته قطاعًا عامًا، لقب «جحش الحكومة».

لقد استمرت تلك الباصات في الخدمة على تقادمها، وإلى حوالي 15 سنة مرت، كانت مشهدها مثيرًا وهي تتهادى في الشوارع صعودًا وهبوطًا، وهي تحمل عددًا كبيرًا من الركاب. فقد أعفيت من مخالفة عدد الركاب، وكان بمقدور الباص أن يحمل حتى 80 راكبًا وراكبة، ولكن «مجتمع الباص» ذاك الذي كان يستمر لزمن قد يصل إلى حوالي ساعتين في بعض الخطوط، كان مجتمعًا محتملًا وله أخلاقياته الخاصة.

لقد نمت قصة النقل العام بالتناغم مع نمو المدينة، ونظرًا لشمولها لقطاع كبير من السكان، فقد أُنشئت حولها مصالح وعلاقات اجتماعية واقتصادية مختلفة. ولكن تسارع قرارات الخصخصة التي تعاملت مع الأمر باعتباره إجراءً إداريًا أو ماليًا أو اتخذت شكل قرارًا استثماريًا معزولًا عن بيئته، أسست لمرحلة جديدة من الارتباك، وقد أغمض صاحب القرار عيونه عن يوميات وتداعيات تلك القرارات، إلى أن تفاقمت الأزمة كثيرًا، وأصبحت الآن تناقش بصفتها مشكلة اقتصادية تتصل بقضايا العمل والأجور والفقر والحماية الاجتماعية.

اليوم هناك مشروعان كبيران لمعالجة النقل العام، أشهرهما الباص السريع، والثاني القطار السريع. وهناك وعود بأنهما سيساهمان في إيجاد حلول للأزمة، فهل نتجاوز تجربة «حجش الحكومة» نحو «حصانها»؟