أمطار غزيرة ومياه شحيحة: هل يستفيد الأردن من الموسم المطري؟

مشهد للسيول التي تشكّلت بعد الأمطار التي شهدها الأردن في تشرين الثاني عام 2018. تصوير شاكر جرّار.

أمطار غزيرة ومياه شحيحة: هل يستفيد الأردن من الموسم المطري؟

الأربعاء 10 تموز 2019

الأردن ثاني أفقر بلد عالميًا في مصادر المياه. هذا ما يقوله تقريرٌ حول قطاع المياه أصدرته وزارة المياه والري عام 2017. ويدل على هذا الفقر المائي أن نصيب الفرد من المياه في الأردن يقل عن 100 متر مكعب سنويًا، فيما يبلغ خط الفقر المطلق لشح المياه عالميًا 500 متر مكعب سنويًا.

شهد الموسم المطري الفائت هطولًا مطريًا جيدًا كما يظهر بالأرقام التي يعرضها هذا التقرير، لكن مع حلول الصيف، بتنا نسمع عن احتجاجات تشهدها بعض مناطق المملكة اعتراضًا على انقطاعات المياه عنها. مرّة في بلدة زحر في محافظة إربد، ومرّة في بلدة الغوير في محافظة الكرك، وغيرها من مناطق المملكة.

عندما نضع فقر الأردن مائيًا بالحسبان، وننظر إلى غزارة الموسم المطري الفائت، وفي الوقت نفسه انقطاعات المياه الأخيرة، يبرز سؤال: هل يحقق الأردن الاستفادة المثلى من غزارة الأمطار التي شهدها الموسم المطري الفائت؟

هل كان الموسم المطري جيدًا كما نتصوّر؟

في صبيحة الأول من شباط الماضي، بدأت وزارة المياه بتسييل سد الملك طلال بطاقة 150 مترًا مكعبًا في الثانية، باتجاه وادي تلال الذهب إلى الأغوار، وفق بيان للوزارة. وفي أربع مناسبات مختلفة خلال الموسم المطري سيّلت سلطة وادي الأردن، مياه سد الملك طلال بسبب امتلائه. يقول مدير مديرية زراعة الأغوار بكر بركات «أنا رجل خمسيني ولم أرَ السد يفيض بهذا الشكل في حياتي».

ووفقًا لرائد رافد آل خطاب، مدير التنبؤات في دائرة الأرصاد الجوية، فإن المملكة لم تشهد غزارة مشابهة للغزارة التي شهدتها هذا الموسم، منذ الموسم المطري 2002\2003. وقد بلغ حجم الهطول المطري، للموسم المطري الماضي 9.5 مليار متر مكعب.

نتج عن هذه الغزارة تخفيض اعتماد المزارعين في منطقة وادي الأردن على المياه الجوفية، في أشهر شباط وآذار ونيسان، إلى النصف، بحسب ليث الواكد، المزارع في الأغوار، كما أن غزارة المياه أدّت لاستعمال المياه الجوفية فقط لسقاية المحاصيل الموسمية، وإلى زراعة محاصيل لم تكن تزرع خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف، وإلى استخدام أراضٍ كان قد «بوّرها» المزارعون.

لكن وفقًا لعمر سلامة، الناطق الإعلامي لوزارة المياه فإن الأردن يستفيد من المياه الساقطة على 5% من مساحته في السدود، حيث بلغ تخزين السدود الرئيسية، في الموسم المطري الماضي، نحو 191 مليون متر مكعب، فيما جمعت 234 حفيرة وسدًا صحراويًا نحو 115 مليون متر مكعب. أمّا ما يهطل على الـ95% الباقية، فإنه يتبخّر، وهذا الأمر ليس جديدًا. فبحسب بيانات وزارة المياه، تبخر 7.2 مليار متر مكعب في العام 2007 من أصل هطول مطري قدره 7.7 مليار متر مكعب، وازدادت نسبة التبخر عام 2012، الذي شهد هطولا مطريًا، بلغ 5.9 مليار متر مكعب، لتبلغ  5.5 مليار متر مكعب، أما في 2017 فبلغ حجم الهطول المطري نحو 8.2 مليار متر مكعب، تبخر منها نحو 7.6 مليار متر مكعب. ويعزو سلامة الارتفاع في نسبة التبخر، إلى «المساحة الصحراوية الكبيرة في الأردن، واختلاف أماكن توزع الأمطار سنويًا».

رغم نسبة التبخّر العالية هذه إلّا أن سلامة يرى أن الأردن «الذي يجمع نحو 600 مليون متر مكعب من مياه الأمطار سنويًا، في السدود والبرك الزراعية والحفائر الترابية، واحد من أكفأ بلدان العالم في الحصاد المائي»، وهو رأي يكاد يتفق معه الخبير الجيولوجي مروان العقّاد، إذ يمنح كفاءة استغلال مياه الأمطار بالأردن، علامة 80%، «وقد تزداد هذه النسبة، في الظروف المثالية، بعد تحسين المشاكل الإدارية والبيروقراطية في إدارة المياه»، بحسب قوله.

يختلف مع هذا الرأي، عمّار خماش، المهندس المختص بالتنظيم الحضري، والذي يستغرب «عدم استفادة الأردن من 95% من كميات الأمطار الهاطلة عليه، رغم أنها تكفي 10 أضعاف سكانه للشرب».

جدل حول نجاعة السدود

يعتمد الأردن بشكل أساسي على السدود، لحفظ مياه الأمطار، بعد فيضانها في الأودية، وجمعها عن طريق عبّارات تصريف تحت المدن. وغالبية المياه التي يتم جمعها في السدود تذهب لغايات الري، إذ رغم أن الأردن يمتلك 14 سدًا رئيسيًا، تبلغ سعتها التخزينية 336 مليون متر مكعب، إلّا أن اثنين منها فقط يستخدمان لأغراض الشرب، هما كفرنجة والموجب، وتبلغ سعتهما التخزينية معًا 37.62 مليون متر مكعب.

وقد بلغت كمية مياه الأمطار التي دخلت السدود، حتى نهاية شهر آذار الماضي، نحو 190 مليون متر مكعب، أي ما نسبته 56% من السعة التخزينية لها، أمّا سبب عدم امتلائها بسعتها القصوى، فهذا موضع نقاش بين الخبراء الذي تحدّثنا في حبر إليهم، لكن الآراء تتفق على الربط بين التوسع العمراني وتراجع الاستفادة من مياه الأمطار عن طريق السدود وتغذية المياه الجوفية. يقول سلامة: «الزيادة السكانية في السنوات الأخيرة، والتوسع في الرقعة الخضراء والمناطق الشجرية، حدّتا من الفيضانات وانسياب المياه نحو السدود». وعن مضارّ التوسع العمراني الذي جرى يقول خمّاش: «أغلقنا الكثير من مساحة عمّان في البناء، فأصبح امتصاص الآبار الجوفية لمياه الأمطار أقل».

لكن هذه الآراء تختلف حول أماكن إقامة السدود، فبينما يرى العقاد أن «90% من السدود في الأردن، بُنيت في الأماكن الصحيحة»، يختلف معه خمّاش الذي يرى أنها «بنيت بعقلية ستينات وسبعينات القرن الماضي، بمواقع غريبة، وليست ذكية، بسبب انخفاضها الشديد، عن مناطق تركز الأمطار، التي تندفع في الوديان على شكل سيول، ويتبخر جزء كبير منها، وتزداد ملوحة الجزء المتبقي».

وتسعى وزارة المياه والري لرفع تخزين مياه الأمطار في السدود لتبلغ 400 مليون متر مكعب بحلول عام 2025، عن طريق رفع السعة التخزينية لسدود مقامة حاليًا، أو إنشاء سدود جديدة، حيث يشير سلامة، إلى وجود مشروع لتعلية سد الوالة، ليستوعب 25 مليون متر مكعب بدلا من 8.2 مليون حاليًا، إضافة إلى ثلاثة سدود قيد الإنشاء، في الوقت الراهن، في وادي عربة والطفيلة، وهناك دراسات لإنشاء سدود في مناطق أخرى. يقول سلامة إنه لا توجد منح خارجية لبناء هذه السدود ولذا تحاول الوزارة الاعتماد على الميزانية، والضغط على الجهات المانحة لإقناعها بتمويل بناء سدود.

لا يتفق العقّاد مع هذا التوجه ويرى أن «بناء سد كبير بكلفة باهظة، غير مجدٍ، مقارنة مع إنشاء مئات أو آلاف الحفائر، بكلفة مادية بسيطة، من قبل جهات حكومية أو أهلية مختلفة».

أمّا خمّاش فيشجع على بناء سدود ترابية في الصحراء، ومد أنابيب في أسفلها، لتغذية المياه الجوفية «التي لا يفكر أحد بها»؛ ويضيف «بدل سد الوالة، نستطيع إنشاء 20 سدًا تجميعيًا تحت الشوارع، وعند مثلثات الطرق، بهدف حقن المياه في خزاناتها الطبيعية تحت الأرض».

الموت البطيء للمياه الجوفية

في كانون الثاني الماضي، وزّعت وزارة المياه والري، بيانًا على وسائل الإعلام، حذّرت فيه على لسان وزيرها، رائد أبو السعود، من «كارثة حقيقية إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فاعلة توقف الواقع المؤلم للمياه الجوفية في الأردن، نتيجة استنزاف المياه الجوفية، بشكل يفوق قدرتها الطبيعية وتجددها بحوالي 200%». وينقل الوزير، عن دراسة أجراها المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والمصادر الطبيعية (BGR)، «تحذيراتها من التراجع الحاد في مخزون المياه الجوفية، بسبب الضخ الجائر منها حيث كانت المناطق الشمالية والشمالية الشرقية والوسطى، الأكثر تأثرًا».

يقول العقّاد: «إذا النفط متوقع نضوبه من العالم، في السنوات المقبلة، فما بالك بمياهنا الجوفية؟». وبحسب تقرير قطاع المياه، فإن استهلاك المخزون الجوفي في الأردن، لكافة الاستعمالات قد تطوّر، من حوالي 500 مليون متر مكعب عام 2008 إلى 619 مليون متر مكعّب عام 2017. ويزيد من تحذيرات نضوب المياه الجوفية في الأردن، الاستنزاف الكبير للمخازن الطبيعية، يشير التقرير ذاته، إلى أن مستوى المياه الجوفية في طبقات المياه الجوفية الرئيسية، ينخفض بمعدل مترين في السنة، لكن الانخفاض في بعض المناطق المستنزفة يتراوح بين 5-20 مترًا سنويًا. وينقل أبو السعود، عن الدراسة معلومات تفيد بانخفاضٍ في مستوى المياه الجوفية، بلغ 170 مترا في منطقة وادي العرب، شمال الأردن، وبمقدار 100 في أحواض جنوب المملكة.

ويقابل ذلك الاستنزاف ضعف في التغذية الجوفية، ففي عام 2007 الذي شهد هطولًا مطريًا بلغ مقداره، 7.7 مليار متر مكعب، كان نصيب المخازن الجوفية منها، 288 مليون متر مكعب فقط، أمام تغذية جوفية بلغت نحو 362 مليون، من أصل 8.2 مليار متر مكعب، هطلت في 2017. «لكن في هذا العام، قد تتراوح التغذية الجوفية، بين 450-500 مليون متر مكعب، بسبب استمرار الهطول المطري لفترات طويلة، وتوزعه وانتظامه»، يتوقع العقاد. وقد أثّر تراجع تغذية المياه الجوفية، على الينابيع الشهيرة في العاصمة، مثل رأس العين (وسط عمّان)، التي تعتبر «حنفية» الخزانات الطبيعية المُتشكلة تحت الأرض، بحسب خماش.

يقترح خمّاش، إنشاء آبار حقن، في الأحياء السكنية، ترتبط بمزاريب البيوت، وتصرّف مياه الأمطار بها، ويتساءل عن «سبب عدم إنشاء خزانات لتجميع المياه، وحقنها بالطبقات الجوفية، تحت شارع «كوريدور عبدون»، ويعتقد أن ذلك كان ليحول «دون وقوع فيضانات في وسط البلد خلال الموسم الحالي». لا يتفق العقّاد مع فكرة الحقن في عمّان ويقول «تغذية المياه الجوفية في مدينة مثل عمّان ممكنة نظريًا وتقنيًا، لكنّها تصعب من الناحية التطبيقية بسبب اكتظاظ المدينة، واستحالة استحداث بنية تحتية ضخمة جديدة، في ظل البنيان المتواجد حاليًا». وفي المقابل يقترح تحلية مياه العقبة، جنوبي الأردن، ونقلها إلى بقية المدن، «لتكون مياهنا في يدنا، ولا تتحكم بها دولة أخرى، سواء أكانت صديقة أو عدوة». وهو ما يتسق مع مشروع أعلنت الحكومة عنه أخيرًا، يحمل اسم «الناقل الوطني». وهو مشروع  يعتمد على تدشين محطة لتحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، بطاقة 100 مليون متر مكعب، ونقلها بوساطة أنابيب، إلى محافظات الأردن.

رفع كفاءة الحصاد المائي

 يتحدث سلامة، عن دراسات أجرتها وزارة المياه، حول سقف الحصاد المائي في الأردن، «الخبراء يقولون إنه يمكن حصاد كميات مياه في السنوات الماطرة في الأردن، تتراوح بالحد الأقصى بين 400-600 مليون متر مكعب». يؤكد العقاد وجود سقف للحصاد المائي، لكنّه يرى أنه أعلى من هذا، ويقول: «ما زال هناك إمكانية لزيادة الحصاد بمئات المترات المكعبة، عن طريق إنشاء سدود صغيرة، حول السدود الحالية، وسدود صحراوية»، وكذلك يرى أنه من المهم معالجة الفاقد من مياه الشبكة وزيادة كفاءة الري الزراعية المتدنية، وتشجيع الزراعات غير التقليدية، لكنه يرى أن هذه الحلول غير كافية، وأن الحل الرئيس هو التحلية، وأنه حتى لو تم رفع الحصاد المائي إلى 500 مليون متر مكعّب، فإن هذا غير كافٍ.

«لنعيش مرتاحين في الأردن، خلال السنوات الخمس القادمة نحتاج إلى كميات مياه إضافية تتراوح بين 400-500 من مصادر جديدة بعيدة عن المياه الجوفية»، يقول العقّاد.