حرائق أرض زراعية الأردن أم قيس

الجائحة ترفع خطر حرائق الغابات والمزارع

أحمد الحواتمة، يشير إلى أرض محروقة كانت مزروعة بالقمح، غرب أم قيس قرب الحدود الأردنية-الفلسطينية-السورية، وتظهر في الأفق بحيرة طبريا وهضبة الجولان. تصوير يزن ملحم.

الجائحة ترفع خطر حرائق الغابات والمزارع

السبت 27 حزيران 2020

صباح الثاني من حزيران الحالي، ورد اتصال لأحمد الحواتمة (52 عامًا)، من عامل في إحدى المزارع قرب أم قيس، ليخبره أن حريقًا شب في الوادي المحاذي لمزرعته، الواقعة بين منطقتي عين الطبق وأم بطمة، في منطقة أم قيس، على بعد كيلومترات قليلة من نهر اليرموك. 

بدأ الحريق من الأراضي الحرجية المجاورة للمزرعة، وتمدّد مع اشتعال الأعشاب الجافة المنتشرة في المنطقة. اتصل الحواتمة بالشرطة التي حوّلته إلى الدفاع المدني، وأبلغهم أن الحريق سيكون خطيرًا إن لم تتمّ السيطرة عليه سريعًا.

حاول الحواتمة وعمّال من المنطقة إطفاء النار إلّا أنها كانت أقوى من قدرتهم على السيطرة عليها، وعند إحساسهم بالفشل صعدوا إلى مكان مرتفع في المنطقة ليجدوا الدفاع المدني وأهل المنطقة قد بدأوا بمحاولة إخماد الحريق. 

في كلّ عام، تضع وزارة الزراعة خطّة للتعامل مع الحرائق التي تنشب في الأراضي الزراعية والحرجية، ويتمّ تفعيل هذه الخطّة مطلع شهر حزيران، من خلال غرفة طوارئ في وزارة الزراعة. لكن، وبحسب من قابلناهم، كانت هذه السنة مختلفة عن الأعوام الماضية، إذ بدأت الحرائق في وقت مبكر من العام، إذ شب أول حريق، في شهر نيسان، بينما احترق ما يقارب 3000 دونم من الأراضي الحرجية والغابات حتى نهاية أيّار، أي قبل بدء الموسم المعتاد للحرائق، في الوقت الذي شهدت فيه السنة الماضية بأكملها احتراق 4000 دونم. وبحسب منشور للدفاع المدني، فقد تعامل الدفاع المدني خلال 15 يومًا، في شهر أيّار الماضي، مع حوالي أربعة آلاف حريق، من دون توضيح لطبيعة وحجم هذه الحرائق ولا أماكن حصولها. 

حريق في السهل 

يزرع الحواتمة هذه المساحة من سهل أم قيس بالقمح وبعض الشعير، بعد أن يتضمنها من مالكها. ويُشَغِّل فيها تبعا عددًا من العمّال الوافدين، إضافة إلى عدد من أبناء المنطقة، ذكورًا وإناثًا، يحرثون ويسمّدون ويبذرون ويحصدون. 

بدأ الحريق في الأراضي الحرجية، أسفل السهل في منطقة عيون الطبق، وبدأ في التمدد ليصل للأراضي المزروعة بالقمح. بحسب الحواتمة، استجاب دفاع مدني شرق إربد، للاتصال الأول بسرعة كبيرة، حيث وصل مكان الحريق خلال فترة لا تتجاوز الخمس عشرة دقيقة، نظرًا لقرب مركزه للمنطقة. لكن مياه آلية الدفاع المدني نفدت بعد أقل من ساعة، ليتواصل مزارعو المنطقة مع النجدة والدفاع المدني مرّة أخرى، لكن هذه المرّة، وبحسب ما أخبرنا به المزارعون لم تأت آليات الدفاع المدني إلّا بعد حوالي ثلاث ساعات، ويقول الحواتمة أنها تأخرت بسبب بعد المسافة التي انطلقت منها، إذ جاءت من منطقة قفقفا في محافظة جرش.

أتى الحريق على أراضي عدد من المزارعين، كانت في غالبها مزروعة بالقمح وبعض أشجار الزيتون، بينها 130 دونمًا كان الحواتمة يتضمّنها، احترقت بالكامل. 

بحسب هلا مراد، رئيسة جمعية دبين للتنمية البيئية، فإن تصنيف درجة الحريق، بين صغير يمكن السيطرة عليه، وكبير يستلزم طلب المساندة من جهات أخرى مثل الجيش والبلديات القريبة، يعتمد على المساحة التي يغطيها الحريق، بحيث يتم تصنيف الحريق كبيرًأ إذا زادت المساحة التي أتى عليها عن عشرة دونمات. ويتحدد كذلك بناء على طبيعة الأرض التي تتعرّض للحريق، من حيث كونها سهلة أم وعرة، وقدرة الآليات على الحركة فيها، وطبيعة الجهة التي سيتم طلب مساندتها. إذ يحصل أن يمد الجيش والبلديات الدفاع المدني بكوادر بشرية وبآليات، كما يحصل أحيانًا أن تتم الاستعانة بطائرات إطفاء. 

يعتقد عمر الطرزي، وهو أحد مزارعي المنطقة، أنه كان من المفروض إرسال طائرات إطفاء للمساندة، نظرًا لأن «تضاريس الأرض صعبة، وكان يتطلب الموضوع طيارة حكينا ثلاث مرات، قالوا صعب تطلع طائرة».

أحمد الحواتمة قرب أرضه، وحقول القمح المحروقة والباقية في منطقة أم قيس.

تأخر التعشيب وتوقف النشاط الرعوي

يعمل عمر الطرزي (54 عامًا)، في الزراعة منذ 15 عامًا، بدأ عمله بتضمن أراضٍ بمساحات صغيرة، وعامًا بعد عام، توسع عمله. ويصف الطرزي مشروعه بالتشغيلي، أي أنه لا يهدف إلى الربح، وإنما إلى زيادة المساحة المزروعة، وبالتالي، زيادة عدد المشتغلين في المشروع من أبناء المنطقة. 

يقول الطرزي إن عام 2020 هي أسوأ سنة تمرّ عليه في أي عمل سبق له أن عمل به، بحيث تتالت الكوارث؛ من تقلّبات جوية أضرّت بالمزروعات، وفترة الحظر التي أخّرت عمليات التعشيب والقطاف والحصاد، وانتهاءً بالحريق الذي خسر فيه 25 دونمًا مزروعة بالقمح.

مع بداية فصل الربيع من كل عام، يبدأ النشاط الرعوي. فيأخذ رعاة الأغنام قطعانهم إلى المناطق التي تكثر فيها الأعشاب، ويقيمون فيها خيمًا، وخزانات مياه محمولة على سيارات نصف نقل، إلى أن تنفد الأعشاب من المنطقة التي أقاموا فيها، فيتركونها إلى منطقة أخرى، وبالاتفاق مع المزارعين، ترعى ماشيتهم في المناطق المحيطة بالمزارع لتخليصها من الأعشاب، وبذا تكون الأراضي الحرجية المحيطة بالأراضي الزراعية خالية من الأعشاب مع مجيء فصل الصيف، مما يقلل من خطر الحرائق.

يقول الطرزي إن هذه الطريقة كانت واحدة من طرق اتقاء حصول الحرائق أو على الأقل إحدى طرق تقليل احتمالات وصول الحرائق إلى الأراضي الزراعية.

ما حصل هذه السنة هو أن رعاة الأغنام لم يتمكنوا من الرعي بأغنامهم في مناطق بعيدة من أماكن سكناهم، وبذا بقيت الكثير من الأعشاب، سريعة الاشتعال، قريبة من الأراضي الزراعية، ومن الأراضي الحرجية، ممّا سهّل حصول الحرائق. ويرى الطرزي أن وجود الأعشاب الجافة هذه الفترة كان عاملًا في انتشار الحريق بسرعة من الأراضي الحرجية، حتى وصل إلى بساتين القمح، الذي يعد بدوره مادة قابلة للاشتعال بسرعة، أما سبب الحريق فتم إحالته للإهمال.

بحسب تقرير للدفاع المدني، بلغت مساحة الأرض التي أتى عليها الحريق، والذي استمر للسادسة مساءً، حوالي ألفًا ومئتي دونم، فيها 500 شجرة زيتون، و500 شجرة حرجية، و250 دونم مزروعة قمحًا، تبعًا لتقرير الدفاع المدني. وقد توقف الحريق عند شارع ترابي يمر بين البساتين. يقول الحواتمة «كلنا شاركنا بالتطفاية كل واحد وعقله، ناس تطفي بمي وناس بتراب وناس بأغصان شجر، وبالآخر هو وصل للشارع وطفى لحاله. كان لازم تجي طيارات. كنا خايفين يقطع الشارع، لو قطع الشارع كان حرق الـ4000 دونم الباقيات».

الحريق توقف عند وصوله الشارع، وأذاب بعض أسلاك الكهرباء.

«قاعدين بننام ع رموش عيوننا»، يقول الطرزي، معبرًا عن خشيته من حصول أي حريق آخر، طالما القمح لم يحصد. ويقول إنه يتمنى لو كانت هناك مراكز إطفاء صغيرة مجهزة بمعدات بسيطة، على الأقل حتى انتهاء موسم الحصاد، الذي يبدأ مطلع شهر حزيران ويستمر من شهر إلى شهرين، بحيث يعملون على توزيع هذه المعدات على أراضي المزارعين التي تُقدّر مساحتها بحوالي 4000 دونم قمح، لم يصلها الحريق، له من منها 800 دونم. «هسا أنا كمان مهدد بأي شرارة طايشة بأي طشة كبريتة ينحرقلي كمان 800 دونم قمح».

من الطرق الأخرى التي يقاوم بها المزارعون احتمالات حصول الحرائق استخدام المبيدات العشبية وحراثة الأرض. لكن في هذا العام، وكما كان الوضع مع الرعي، لم يتمكنوا من القيام بأي إجراء بسبب الحظر حتى بداية فصل الصيف، وبدء موسم الحصاد، الذي اضطرهم للعمل في الحصاد، قبل تلف المحاصيل بدل التخلص من العشب. يقول الطرزي «بفترة الحظر أنا الوحيد اللي كان معي تصريح، وبقدر أتنقل، وكنت أخدم السكان أوصل دوا وخبز وأتطمن ع الختايرة». 

بحسب المزارعين، لم تتمّ عملية إحصاء الخسائر بعد، لكن الحواتمة والطرزي والمزارعين المتضررين أعدّوا كتابًا أوصلوه للجنة اللامركزية لمنطقة أم قيس، لإيصاله للجنة المالية في مجلس النواب، ولا يعرفون ما الذي سيحصل بعد ذلك. لكن الحواتمة يأمل بتعويض تبعًا لقانون الكوارث الطبيعية في وزارة الزراعة، «يعني إذا بعوّضوني 30% من الخسائر كويس، عالأقل بقدر أبلّش إشي للسنة الجاية».

عمر الطرزي قرب أرضه.

وشهدت منطقة الأغوار حرائق مماثلة للتي شهدتها منطقة أم قيس. يقول وليد الفقير، رئيس إحدى جمعيات المياه في وادي الريان، إن منطقتهم شهدت حريقًا، أواسط أيّار الفائت، أتى على 200 دونم من القمح. وقتها كان للدفاع المدني الدور الأكبر في إطفاء الحريق، إضافة إلى مساعدة أهالي المنطقة. وقد استعانت آليات الدفاع المدني بمياه الوادي لإطفاء الحريق. 

نمو الأعشاب يعتبر خطرًا أكبر في منطقة الأغوار كما يقول الفقير، وذلك بسبب ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، حتى تقارب الخمسين درجة مئوية أحيانًا. 

كغيرهم، لم يستطع مزارعو الأغوار القيام بعملية التعشيب بشكل تام، بسبب فترة الحظر الشامل أول أسبوعين، ثم تتالي فترات الحظر الشامل لأوقات محددة، ثم الحظر الشامل أيام العيد، لكن ما ساعدهم على ضبط الأمور هو وجود العمالة الوافدة التي تسكن الأراضي الزراعية نفسها.

إجراءات للتخفيف من حدّة الحرائق وعددها

بحسب مراد، تعرضت الغابات والأراضي الحرجية، منذ بداية العام حتى نهاية شهر أيار، لحوالي 150 حريقًا، من ضمنها خمسة حرائق تقريبًا سجلت مجهولة السبب، بينما سجل حريقان بسبب ارتفاع درجات الحرارة، والباقي توزع بين الإهمال، أو الافتعال.

تخبرنا مراد أن الأعشاب هذا العام تطاولت لتصبح عملاقة بسبب كثرة الأمطار، واستمرارها لفترة أطول، مما جعل الربيع يتجدد أكثر من مرة، والأعشاب تنمو لتصبح أطوالها أكثر من متر، ثم تجف بحيث تصبح عملية إزالتها أصعب. ورغم أن الحرائق تحدث كل عام، لكنها ترجح أن هناك علاقة بين الحظر وبين زيادة عدد الحرائق، وحصولها بوقت مبكر عن الأعوام السابقة، وتفسر ذلك بكثافة العشب وأطواله وبقائه دون تعشيب مما جعله قابل للاشتعال بشكل أسرع بعد أن جف.

كما تشير إلى سبب آخر وهو أن أصحاب الأراضي الذين يقطنون بعيدًا عن أراضيهم، لم يستطيعوا الوصول إليها، خلال الحظر، للقيام بعمليات التعشيب، وعندما استطاعوا المجيء، كانوا ملزمين بوقت للعودة وبالتالي فضلوا عملية حرق العشب بدل التعشيب عن طريق الحراثة، ما أدى لنشوب أكثر من حريق امتد إلى الأراضي الحرجية، والغابات.

صورتان تظهران الحد الذي توقف عنده الحريق في منطقة أم قيس.

كما تردّ مراد الحرائق إلى سبب آخر وهو التنزه بأعداد كبيرة في المنتزهات العامة، مثلما حصل في مدينة الزرقاء حيث تعاملت كوادر الدفاع المدني مع خمسة وثلاثون حريق ناتج عن الإهمال بعد التنزه، يوم الجمعة 12 حزيران الحالي. 

بالنسبة لمراد فإن حرائق الغابات كثيرة بالأصل قبل هذا العام، ورغم أن الحظر بنظرها أثر على نسبتها ووقت نشوبها، إلا أن عدم الالتزام بإجراءات المراقبة والوقاية من قبل المؤسسات الرسمية هو السبب الرئيسي فيها في رأيها. وتعتبر مراد أن أهم إجراء لحماية الغابات والأراضي الحرجية من خطر الحريق هو المراقبة الشديدة عليها، بواسطة الطائرات المسيّرة (الدرونز)، والأبراج، وضمها للمحميات بشكل كامل بدل ضم أجزاء منها.

ومن بين الإجراءات التي تنصح بها جمعية دبين للتنمية البيئية، بحسب مراد، حراثة الأرض في الغابات بشكل متقطع، بحيث يتم حراثة خطوط متوازية، بعيدة بعض الشيء عن بعضها، وتشكّل هذه الخطوط فواصل بين الأعشاب، وبذا تمنع انتقال النيران في حال حصول أي حريق وتسمى خطوط النار. وتنصح كذلك بإنشاء خزانات حصاد مائي داخل الأراضي الحرجية والغابات تُجمّع مياه الأمطار، لتسهيل عمليات الإطفاء، وبزيادة عدد الطوافين (حراس الغابات) الذين بلغ عددهم 300 طواف حتى نهاية العام الماضي، على مستوى الأردن.

أمّا عن الحرائق المفتعلة، فتقول مراد إنها تنقسم لقسمين؛ حرائق بسبب الإهمال، وحرائق قصدية بهدف التحطيب، وتقول أن أغلب الحرائق المفتعلة قصدية. وتصف هذا الأمر بأنه بات تجارة موسمية لبعض الأفراد، وبالتالي فإنه شيء يتكرر كل عام، بحيث يقوم شخص ما بافتعال حريق بأكثر من نقطة في منطقة حرجية، أو غابة، مما يجعل الضرر أكبر، وهذا يجعل مكان الحريق مراقبًا بشكل أقل، وأشجاره أكثر هشاشة، وأقل مقاومة للقطع، وبالتالي، يتحول مكان الحريق لمكان لجمع الحطب، ونقله، ثم بيعه. وتعتقد بضرورة الإعلان عن طريقة محاسبة هؤلاء الأشخاص، بعد القبض عليهم، وكما تقول فإن الرأي العام لا يعلم إلا أنه تم القبض على مفتعل الحريق.