الفاقد المائي: أين تختفي ملايين الأمتار المكعبة من المياه؟

عداد مياه في أحد بيوت عمان. تصوير مؤمن ملكاوي.

الفاقد المائي: أين تختفي ملايين الأمتار المكعبة من المياه؟

الأحد 11 تموز 2021

هذا التقرير جزء من ملف خاص أنتجته حبر حول أزمة المياه في الأردن. لقراءة بقية مواد الملف اضغط/ي هنا.

ملايينٌ من أمتار المياه الصالحة للشرب يفقدها الأردن سنويًا بسبب مشاكل في شبكات التوصيل، حتى بلغت هذه الكمّيات المفقودة عام 2019 أكثر من ثلث المياه الجوفيّة المستخرجة.[1] ولعقود، استهدفت أكثر من خطّة واستراتيجية تقليل الفاقد المائي في الأردن، وصُرفت عشرات ملايين الدنانير على مشاريع لهذه الغاية، غير أنَّ النسب ما زالت مرتفعة، وتتراوح منذ عشرين سنة حول نصف المياه المخصصة للمنازل، فيما تقول مصادر حكوميّة لحبر إنَّ نسب الفاقد على أرض الواقع أكبر من النسب المعلنة.

يعرّف الفاقد المائي بأنَّه الفرق بين كميّات المياه التي تُنتج وقيمة الفواتير التي تُحصّل ثمنًا لهذه الكميات.[2] ويحدث بسبب عاملين رئيسيين: عامل فني تتسرّب المياه فيه من شبكة التوصيل إلى الأرض بسبب سوء التشغيل أو اهتراء جزء من الشبكة والتأخر في إصلاحها. وآخر إداري يحدث بسبب عدم دقّة حساب كميات المياه المنتجة من مصادر المياه أو الكميات الواصلة إلى المنازل، بالإضافة إلى كميات المياه المسروقة التي لا يُدفع ثمنها.[3]

عادة ما يحصل الفاقد في واحدة من مرحلتين؛ المرحلة الأولى التي تمتد بين ضخّ المياه من الآبار والمسطحات المائيّة ونقلها بواسطة خطوط نقل رئيسيّة إلى خزانات التوزيع الكبيرة، حيث تتعرّض كميات كبيرة من المياه في هذه المرحلة للسرقة، أو لا يجري حساب الكميات الخارجة من الآبار بدقّة بهدف مقارنتها مع الكميات الواصلة للمنازل وحساب حجم الفاقد. والمرحلة الثانية التي تنتقل فيها المياه من خزانات التوزيع الكبيرة عبر شبكة توصيل إلى المنازل يحدث الجزء الأكبر من الفاقد المائي.

وتتسبب في جزء كبير من هذا الفاقد عواملُ فنية، مثل الكسور التي تتعرّض لها أنابيب شبكة التوصيل، وكذلك اهتراء الشبكة بسبب التزويد المتقطّع بالمياه، حيث يتم تزويد المنازل بالمياه مرّة واحدة بالأسبوع، أو مرّتين، وهو ما يضرّ بشبكة التوصيل.[4]

ويقّل الفاقد الفني في مرحلة توصيل المياه من عدادات المنازل إلى صنابير المياه، ويرتفع الفاقد الإداري. ويحصل هذا الفاقد إمّا بسبب السرقات أو بسبب أخطاء في حساب الكميات من قبل عدادات المنازل الميكانيكية التي لا تحسب الكميات بدقة.

عمّان مثالًا على الفاقد

فوّضت سلطة المياه شركة مياه الأردن «مياهنا» بإدارة وتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي في عمّان في عام 2007. وكانت نسبة الفاقد قد وصلت قبلها قرابة 42% من حجم الكميّات المخصصة للتزويد المنزلي؛ أي أنه من أصل 119 مليون متر مكعب مخصصة لمنازل عمّان تلك السنة فُقد 50 مليون متر مكعب.

وَضعت الشركة خطّة لتخفيض الفاقد «بنسبة كبيرة».[5] وإن كان قد صُرِف على توسعة وتحديث الشبكات التي تتسبب بالنسبة الأكبر من الفاقد 250 مليون دولار في الأعوام من 2000 حتى 2007، بحسب تصريح لوزير المياه السابق محمّد النجار، فإنه قد صرف عليها بعد العام 2007 مبالغ تتراوح بين 70 و80 مليون دولار سنويًا. وفي النهاية أعيدت هيكلة 95% من شبكة عمّان كما يقول لحبر الرئيس التنفيذي السابق للشركة، غازي خليل، وكانت عمّان تحظى بصرف شمل معظم مناطقها.[6] وبالفعل بدأ الفاقد المائي بالانخفاض، ووصل في العام 2012 إلى 32%.[7] 

ومع البدء بضخّ مياه الديسي عام 2013، أمِلت «مياهنا» في أن يتم تزويد المنازل بالمياه بشكل مستمر، بفعل كميات المياه الإضافية التي سيوفرها، وهو ما سيعني تقليل كميات الفاقد بشكل كبير، إذ إن التزويد المتقطّع بالمياه يرفع من مقدار الفاقد، لأنه يؤدي إلى إتلاف الشبكات وبالتالي التسرب.[8] لكن الضخ بشكل مستمرّ لم يحصل، ورغم إعادة هيكلة الشبكة إلّا أن الفاقد عاد للارتفاع من جديد. وظل يرتفع ليصل في عام 2019 إلى 38%.

يقول خليل،* وهو مهندسٌ عمل لسنوات في مشاريع تهدف إلى تقليل الفاقد المائي في عمّان، إن ارتفاع نسبة الفاقد من جديد سببه طريقة هيكلة الشبكة، حيث صُمّمت الشبكة على أساس استقبال كميات مياه إضافيّة من مشروع الديسي ومصادر أخرى، وبالتالي يتم تزويد المنازل بالمياه بشكل مستمر بضغط منخفض. لكن ما حصل، يضيف خليل، أن كميات المياه الإضافية التي ضُخّت، ضخّت بضغط مرتفع، والكميات التي كان من المفترض أن تصل المنازل على مدى أسبوع ضخّت خلال يومين فقط، «لو كان الضغط أعلى بيصير حجم التسرب أكبر، كل ما قلّلت الضغط التشغيلي للشبكات تحصيل حاصل الفاقد بيقل؛ لأنه فش ضغط اللي يسبب الانفجارات على الخطوط». كما أن الضخّ المتقطّع يقّلل العمر الافتراضي للشبكة، بما يُحدثهُ تفريغ الشبكة من المياه ودخول الهواء من تفاعلات كيميائيّة على جدران الأنابيب، يقول خليل.

سبب عدم الانتقال إلى التزويد المستمرّ، يقول مصدر في إدارة «مياهنا»، رفض الكشف عن اسمه، هو الزيادة الكبيرة في عدد السكّان في عمّان، خاصة بعد اللجوء السوري. وكان بحسبه من المفترض قبل هذه الزيادة أن يرتفع عدد أيّام تزويد المنازل بالمياه، بحيث تُزوّد بها بين ثلاثة وخمسة أيّام أسبوعيًا.

سببٌ آخر لارتفاع الفاقد في عمّان، هو عدم استكمال استبدال عدادات المشتركين الميكانيكية، والتي لا تحتسب بدقّة كميات المياه الواصلة للبيوت، إذ استبدلت عدادات 26% فقط من مجموع عدادات المشتركين البالغ عددهم أكثر من 700 ألف مشترك، خلال الأعوام بين 2015 و2019. وكانت الشركة تهدف لاستبدال العدادات الميكانيكية بأخرى إلكترونيّة لجميع المشتركين.

لا تتوافر معلومات دقيقة عن توزيع نسب الفاقد التي تتسبب بها السرقات أو العدادات والكسور، كما يقول المهندس خليل. كما تتنوّع الأرقام حول معدل الفاقد في عمّان بين الرسميّة المعلنة 38% وتقديراتٍ أخرى وصلت 44%.

ملامح الفشل في التعامل مع المشكلة

وصلت نسبة الفاقد المائي على مستوى المملكة عام 2000 إلى 52% من المياه المخصصة للاستخدامات المنزلية، أي من بين 239 مليون متر مكعب فُقِد نحو 124 مليونًا، بين فاقدٍ فني وآخر إداري. ولتقليل هذه النسبة، أوصت الاستراتيجية الوطنية للمياه 2008- 2020 باتخاذ عدّة إجراءات، بينها إدخال تحسينات على أنظمة توزيع المياه لحل مشاكل التشغيل والعدادات وانقطاع المياه، وتحسين آلية توصيل المياه والضغط، وإيجاد مناطق ضغط محددة.[9]

 تتحدث وزارة المياه عن واقع مائي حرج جدًا على المملكة هذا الصيف، وتتوقع أن يبلغ العجز في الموازنة المائية 15 مليون متر مكعب.

وكان الهدف بحسب الاستراتيجية تخفيض الفاقد على مستوى المملكة في خمس مراحل، ليصل إلى: 45% في العام 2010، و37% في العام 2015، و28% في العام 2020، والوصول إلى نسبة فاقد 25% في العام 2022. لكنّ هذه الأهداف لم تتحقّق، إذ تُظهر الأرقام الرسمية انخفاضَ نسبة الفاقد إلى 42% في العام 2011، لكنها عادت وارتفعت من جديد لتصل في العام 2014 إلى 52%.

وُضِعت استراتيجية أخرى للمياه 2016-2025، وضمّت إجراءات أخرى لتقليل الفاقد المائي في المملكة، مثل حصر الاستخدام غير القانوني للمياه وتغليظ العقوبات ورصد كميات المياه وإصدار الفواتير بناء على الاستهلاك، وفحص العدادات بشكل دوري للتأكد من صلاحيتها، وإعادة تأهيل البنية التحتية لشبكات المياه، بما في ذلك الأنابيب الرئيسية وخطوط التوزيع. وإن كانت الاستراتيجية الأولى للمياه 2008-2020 قد فشلت في تحقيق النسب التي سعت لها، فلا يبدو أن الاستراتيجية الثانية 2016- 2025 تسير باتجاه تحقيق النسب التي تسعى لها كذلك من تخفيض الفاقد من 3-6% سنويًا، مع استهداف تخفيض الفاقد 25% على المستوى الوطني بحلول العام 2025. إذ وبعد نحو خمس سنوات على بدْء تنفيذ الاستراتيجية، انخفض الفاقد 4.5% على مستوى المملكة، لكن هذا الانخفاض ليس خطيًا، إذ تتذبذب نسب الفاقد كل عدة سنوات انخفاضًا وارتفاعًا.[10]

رغم اعتماد مدينة العقبة، التي تعدّ أقل محافظة في المملكة في نسبة الفاقد المائي، التزويد المستمرّ للمياه، إلّا أن نسبة الفاقد فيها ارتفعت خلال السنوات العشرة الماضية من 20.7% في العام 2010 إلى 26.4% في العام 2019.

لم تعتمد الخطط التي وُضِعت لتقليل الفاقد على الأرقام الحقيقيّة على أرض الواقع، إذ لم يتم تحديد كميات المياه المنتجة من المصادر والكميات المستهلكة بدقة، لذا جاءت أهداف تخفيض الفاقد المائي غير واقعية كذلك، كما يقول مصدر مسؤول في وزارة المياه والريّ فضل عدم الكشف عن اسمه.

هذه المشكلة أشار لها المجلس الاقتصادي والاجتماعي مؤخرًا من خلال تأكيده على ضرورة حساب حجم الفاقد بدقّة، إذ نصّ تقرير حالة البلاد للعام 2019 على أنّ إدارة الفاقد تحتاج إلى تحديد إنتاجية المصادر الجوفية والسطحية بدقة، وتحديد كميات الاستهلاك.[11] ويقول التقرير إنه لا يجري حساب كميات المياه المستخرجة من الآبار بدقّة، فالأرقام تعتمد على إنتاجية الآبار وقت حفر البئر وتجربتها، ولا يجري تحديث الكميات المستخرجة بعد أن ترفع الآبار إنتاجيتها بعد فترة التجريب، الأمر الذي يجعل حساب الكميات المنتجة وبالتالي حساب حجم الفاقد خاضعًا للتقديرات.[12]

وعلى خلاف ما تقول وزارة المياه من أن الفاقد الذي يتسبب به العامل الفني يتراوح بين 30% إلى 35%، والإداري يتراوح بين 65% إلى 70% ويتوزّع بين الاعتداءات والاستخدام غير المشروع، يقدّر المهندس خليل أن نسب الفاقد الحقيقية تتوزّع بين الفني والإداري مناصفة.

بالإضافة إلى ذلك، ما زالت سرقات المياه من قبل متنفذين تشكّل نسبة كبيرة من الفاقد الإداري، حيث يقوم المتنفذون إمّا بتعمد كسر الخطوط الرئيسيّة أو الضخ الجائر للمياه، وهو ما يسبب كلفًا كبيرةً على القطاع، وفقًا للمصدر المسؤول في وزارة المياه. ويحدث ذلك رغم تنفيذ أكثر من حملة من قبل الوزارة لإعادة السيطرة على مصادر المياه، إذ بلغ عدد الاعتداءات على الخطوط الرئيسيّة الناقلة 45 ألف اعتداء للأعوام بين 2013 و2020، قدرت فيها وزارة المياه المياه المفقودة بعشرات ملايين الأمتار، وفقًا للناطق باسم الوزارة عمر سلامة.

يظلّ العامل الرئيسي في السيطرة على الفاقد المائي وجود نظام تزويد مستمر للمياه، الأمر الذي يتطلّب كميات مياه إضافية. رغم ارتفاع نسبة الفاقد في العقبة من جديد، إلّا أن التزويد المستمرّ بالمياه فيها والعمل على تخفيض زمن الاستجابة والإصلاح لكسور أنابيب الشبكات، كلها عوامل ساهمت في خفض الفاقد.

فيما تشكل عوامل مثل إدارة ضغط المياه في الشبكات وأتمتة قطاع المياه وإدخال التكنولوجيا، وإدارة البيانات، عوامل مهمة كذلك في تخفيض الفاقد، يقول المهندس خليل.

أخيرًا، تتحدث وزارة المياه عن واقع مائي حرج جدًا على المملكة هذا الصيف، وتتوقع أن يبلغ العجز في الموازنة المائية 15 مليون متر مكعب، فيما يمكن سدّ هذا العجز وتوفير كميات إضافية كذلك من خلال السيطرة على نسب الفاقد المائي المرتفعة.

  • الهوامش

    [1] بلغت كمية المياه المستخدمة و مصدرها المياه الجوفية 601 مليون متر مكعب، وفقًا للموازنة المائية 2019، ص 14، فيما بلغت الكميات المفقودة 222.7 مليون متر مكعب لنفس العام وفقًا لأرقام وزارة المياه التي زودتنا بها.

    [2] يركّز هذا التقرير على الفاقد المائي في كميات المياه المخصصة للاستهلاك المنزلي أو البلديات بسبب أن المعلومات المتوفرة أكثر شموليّة من أنواع الفاقد الأخرى مثل الفاقد الزراعي مثلًا الذي تختلف طريقة حسابه عن فاقد البلديات.

    [3] Bill Kingdom, Roland Liemberger, Philippe Marin. The Challenge Of Reducing Non-Revenue Water(NRW) In Developing Countries. The World Bank Group, Page 1.

    [4] وزارة المياه والريّ، الاستراتيجية الوطنيّة للمياه، 2016-2025، ص 7.

    [5] شركة مياهنا، التقرير السنوي 2007 ص 14.

    [6] أدلى النجار بهذه التصريحات في العام 2019 حين لم يكن وزيرًا، إذ تقلّد الوزارة للمرة الأولى في 2009 والثانية في التعديل على حكومة بشر الخصاونة آذار 2021.

    [7] التقرير السنوي لشركة مياهنا 2019 ص 8.

    [8] التقرير السنوي لشركة مياهنا 2012. ص 18.

    [9] الاستراتيجية الوطنية للمياه 2008- 2020. ملخص الرؤى والإجراءات ص8/3.

    [10] الاستراتيجية الوطنية للمياه 2016-2025 ص 14.

    [11] المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تقرير حالة البلاد 2019 ص 204.

    [12] المجلس الاقتصادي والاجتماعي، تقرير حالة البلاد لسنة 2019، ص 204.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية