تأهيل الطريق الصحراوي: مزيد من التأخير؟

الأحد 20 تشرين الأول 2019
شاحنة تعبر الطريق الصحراوي قرب وادي رم جنوب الأردن. المصدر: ويكيميديا.

شعور بالقلق ينتاب محمد عواد (41 عامًا) في كلّ مرّة يهمّ بها بالانتقال بين عمّان، حيث يقيم وأسرته، والطفيلة جنوب الأردن حيث تقيم عائلته الممتدة، خشية حوادث السير التي يشهدها الطريق الصحراوي، الذي يصفه مرتادون له بشكل متكرر بأنه «طريق الموت»، فيما يصفه فيديو تعريفي نشرته وزارة الأشغال العامّة والإسكان الأردنية بشريان الحياة.

يقول عوّاد إن سلوك الطريق الصحراوي صعب، إذ تتكرّر فيه التحويلات المرورية الضيقة، وتنعدم الإنارة في أغلبه، كما أن هنالك مسافات من الطريق لم تتمّ صيانتها بعد.

602 حادث سير على الطريق الممتد من عمّان إلى العقبة جنوبًا بطول يبلغ 217 كم، راح ضحيتها 85 شخصًا خلال العامين الماضيين كما تفيد إحصائيات وزارة الأشغال، بينهم تسع أشخاص توفوا في شهر أيلول الماضي في حادثين منفصلين. وفي شهر آب، حصلت 13 إصابة ووفاتان، كان أحدهما نقيب المعلمين الأردنيين أحمد الحجايا.

ورغم هذه الحوادث، تشير وزارة الأشغال إلى أن انخفاضًا طرأ على أعداد الوفيات التي شهدها الطريق الذي يصل عمّان بمحافظات الجنوب بنسبة 37% سنويًا مقارنة بتلك التي وقعت قبل بدء العمل في مشروع إعادة تأهيل الطريق الصحراوي، أي قبل عام 2017.

يحاول هذا التقرير، البحث في أسباب تكرار حصول الحوادث على الطريق الصحراوي، مستندين إلى تصريحات مسؤولين، ومختصين بالطرق، ومقاولين يعملون في مشروع إعادة تأهيل الصحراوي، ومستعملين للطريق بشكل متكرّر.

تجاوز خاطئ في طريق ضيق 

كجزء من مشروع إعادة تأهيل الطريق الصحراوي، التي لا تعني عمل صيانة للطريق، وإنما إقامة طريق جديد، تعمل وزارة الأشغال على إنشاء الطريق الجديد من دون قطع حركة السير وذلك باستعمال نظام التحويلات المتقطّعة، بحيث لا يزيد طول التحويلة عن سبع كيلومترات، ولا تقل المسافة بين التحويلة والتي تليها عن ثمانية كيلومترات، لئلّا تتسبب التحويلات بإرهاق مستخدمي الطريق، بحسب تصريح لفلاح العموش، وزير الأشغال.

في المقابل، يرى مستعملو الطريق الذين التقتهم حبر على أن ضيق شوارع التحويلات المرورية على طول الطريق الصحراوي يسبب مللًا للسائقين، ويدفع ببعضهم للتجاوز الخاطئ عن شاحنات تسير ببطء، مما يسبب حوادث مميتة خاصة وأن هذه التحويلات رغم ضيقها تحوي مسربين ذهابًا وإيابًا.

يروي محمد الضمور (24 عاما) في حديثه لحبر، قصة حادث حصل مع أقارب له الشهر الماضي، إذ كانت العائلة في الطريق من العقبة إلى عمّان، وعند تحويلة بالقرب من جسر الكرك، كان الطريق ضيّقًا، وكانت تسير أمامهم شاحنة بطيئة، حاولت سيارة العائلة تجاوز الشاحنة، لكنها تفاجأت بسيارة أخرى تريد التجاوز هي الأخرى، فاصطدمتا. نتج عن الحادث ثلاث وفيات، وثلاث إصابات. يقول الضمور إنه وإضافة إلى ضيق شوارع التحويلات، هناك مشكلة أخرى وهي أنه ليس هنالك من مسرب مخصص للشاحنات التي تسير ببطء في شارع سريع.

وزير الأشغال فلاح العموش، في تصريحات صدرت عنه الشهر الماضي، قال إن طول التحويلات مناسب، كما أضاف أنه تم تجهيز كل تحويلة في بدايتها بحواجز إسمنتية وأبراج للإنارة على مداخل ومخارج التحويلة، وتوفير الإشارات المرورية المضيئة والعاكسات الفسفورية الأرضية، واللوحات المضيئة. ومن المفترض انتهاء العمل في المشروع في حزيران 2020.

لكن المهندس المدني المختص في الطرق قصي خريسات يقول إن تكرار الحوادث، بشكل شبه يومي في مناطق التحويلات يشير إلى وجود خلل. بينما يقول المهندس ميسرة ملص إن في طرق التحويلات إشارات كثيرة لعدم التجاوز وتحديد السرعة لكن المشكلة أن العديد من السائقين لا يلتزمون بها. ويقترح ملص اتخاذ إجراءات أكثر إلزامًا للسائقين من الإشارات التحذيرية مثل وضع حواجز وسطية بين مسربي الطريق، إذ أن خلوّ بعض التحويلات من حواجز وسطية خرسانية يشكل خطورة كبرى، ويؤدي التجاوز الخاطئ فيها إلى تواجه مركبتين بسرعة عالية.

الشاحنات مزاحمة للسيارات

رئيس لجنة النقل والخدمات النيابية خالد أبو حسان قال إن اللجنة، وبعد زيارتها مؤخرًا للصحراوي، وضعت مجموعة توصيات، أبرزها «توسعة التحويلات وفصل مناطق تداخل السير بحواجز، وتكثيف الشواخص المرورية»، بحسب ما أوضح لحبر. 

يشير ملص إلى صعوبة توفير مسارب للشاحنات في شوارع التحويلات بسبب ضيقها. في المقابل يقترح خريسات إنشاء طريق منفصل خاص بالشاحنات موازٍ للطريق الصحراوي. 

مقاول يعمل في المشروع –فضل عدم ذكر اسمه- قال إن الوزارة ألغت مسربًا ثالثًا في الطريق من عمّان إلى العقبة وأبقت عليه في الاتجاه المعاكس، لكنه غير مفصول عن باقي المسارب. ويرى المقاول أن سبب إلغاء المسرب المذكور، يعود أولًا لمشكلة تمويلية، وبدرجة ثانية إلى أن غالبية الشاحنات في هذا الاتجاه تكون غير محمّلة وبالتالي فإن حركتها أسرع.

يتفق المهندس ملص مع السبب الثاني الذي أورده المقاول، ويقول إن «هناك مسربًا إضافيًا في الطريق المتجه من العقبة إلى عمّان الذي تكون فيه غالبية الشاحنات محمّلة، بينما يعد وجود مسربين في الاتجاه المعاكس كافيًا لأن الشاحنات المتجهة للعقبة تكون غير محمّلة وبالتالي بتكون سرعتها معقولة ولا تسبب إعاقة»، بحسبه.

ويعقّب الناطق باسم وزارة الأشغال العامة والإسكان عمر محارمة قائلًا: «حركة الشاحنات المحمّلة هي للسير القادم من العقبة إلى عمّان، وتكون في الغالب فارغة من عمّان إلى العقبة لهذا ألغي المسرب الثالث في هذه المسار». وأوضح أن المسرب الثالث من العقبة إلى عمان غير مفصول عن بقية الطريق، لكن سيكون عليه إشارات تظهر أنه مخصص للشاحنات.

قبل حوالي أربعة أشهر، تقول حنان البطوش من الكرك، إن ستة من عائلة إحدى صديقاتها، كانوا في طريقهم لأداء واجب العزاء في قريبة لهم، توفوا في حادث على الطريق الصحراوي، على الطريق من عمّان إلى الكرك. وبحسب ما قيل لحنان فإن زوج صديقتها كان يسير بتأن، لكن على المسرب الثاني حاولت سيارة التجاوز بسرعة، ليحصل الحادث بالقرب من سجن سواقة.

وتقول البطوش إن السيارات عادة ما تحاول تجاوز الشاحنات الكبيرة البطيئة، مما يتسبب بوقوع الحوادث.

في الوقت الذي يرى فيه البعض أن تكرار الحوادث المميتة على الطريق الصحراوي يشير إلى خلل في الطريق، تقول وزارة الأشغال إن حوادث المرور على الطريق الصحراوي تعود «بنسبة 51% إلى السرعة الزائدة، و22% للتجاوز الخاطئ، و24% بسبب التتابع القريب وفقدان السيطرة، و3% إلى خلل في المركبات أو الطريق».

يشبه المهندس خريسات الطريق الصحراوي بالنخاع الشوكي للأردن لأنه الطريق الرئيسي الذي يصل شمال الأردن بجنوبه، ويتأسف لأن يصبح هذا الطريق «طريق الموت». ويرى خريسات أن «تحويلة يبلغ طولها حوالي سبعة كيلومترات ستكون مملة لسائق مركبة على طريق سريع حيث تصل السرعة المسموحة إلى 110 كم/الساعة، في ظل وجود شاحنات تسير ببطء يصل أحيانًا إلى 40 كم/الساعة، والإنارة في بداية التحويلة أفقية وشديدة السطوع مما يعيق السائقين».

 شكل الإنارة هذا علّق عليه أيضًا النائب أبو حسان، فقال إن من بين التوصيات اللجنة النيابية «إنارة مداخل التحويلات بحيث تكون الإنارة عمودية وليست أفقية حتى لا تعيق السائقين أثناء القيادة».

أما الناطق باسم مديرية الأمن العام عامر السرطاوي، فقد عزا معظم حوادث السير سواء على الطريق الصحراوي أو غيره من الطرق لـ«أخطاء بشرية». إذ يقول السرطاوي لحبر إن «السائق هو من يتحكم بالطريق ويتعامل مع مكوناته والتزامه بقوانين السير، وإعطاء الأولويات المرورية والانتباه على اليافطات التحذيرية يقلل من هذه الحوادث».

«تباطؤ في العمل»؟

المقاول الذي يعمل في ائتلاف شركات لتأهيل الصحراوي في مقطع يمتد إلى نحو 90 كم من القطرانة إلى معان يوضح أن أهم مشكلة في المشروع على الإطلاق تتمثّل في توفر السيولة.

يذكر المقاول أنه منذ البدء في المشروع توقف العمل ثلاث مرّات، لتأخر السيولة بسبب إجراءات مادية. ويتابع «أحيانًا يكون هناك تأخير في الدفعات حيث تتراكم 6-7 فواتير فيتوقف العمل مؤقتًا إلى أن يتم الدفع. في أول مرة استمر التأخير ستة أشهر في 2017، وفي المرة الثانية ثلاثة أشهر في 2018، وكذلك الأمر في المرة الثالثة إذ استمر التأخر ثلاثة أشهر في 2019».

وتبلغ كلفة مشروع إعادة تأهيل الصحراوي 324 مليون دولار، يقدم صندوق التنمية السعودي منها 138 مليون دولار كمنحة، و105 مليون دولار كقرض من الصندوق نفسه، ويتم توفير باقي المبلغ من خزينة الدولة، بحسب وزارة الأشغال العامة والإسكان.

لا يتوقع خريسات الانتهاء من تأهيل الصحراوي في الوقت الذي حددته الوزارة، إذ يقول إنه وفي شهور الشتاء، من كانون الأول وحتى شباط، سيتوقف عمل «الخلطة الساخنة على الشارع لعدم جواز وضعها على أسطح رطبة»، ويتوقع أن يتم الانتهاء من المشروع عام 2022.

لكن محارمة يقول إن نسبة إنجاز المشروع حتى أيلول بلغت 60%، و«المشروع يسير حسب الجدول الزمني، وعلى العكس نتوقع إنهاء المشروع قبل الموعد المقرر بشهرين إلى ثلاثة أشهر»، يقول محارمة.