«روح الشعب» تعيد تشكيل السوق الشعبي في منطقة راس العين

الأربعاء 31 تموز 2019
تصوير أحمد أبو خليل

مضت حوالي خمسة أعوام على إنشاء السوق الشعبي في منطقة رأس العين في عمّان، الذي يعمل يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع. ورث السوق جزءًا رئيسيًا من بسطات سوق العبدلي الشهير الذي تأسس عام 1984 تحت اسم «سوق الإثنين» لسنوات، قبل أن يتحول إلى «سوق الجمعة». كان نقل السوق من العبدلي إلى رأس العين إجباريا في نهاية عام 2014 ولكنه باشر العمل فعليًا في مطلع العام التالي 2015، وحصل إثر عملية النقل اصطدام بين قوات الأمن وبين أصحاب البسطات والعاملين عليها.

عند عملية الترحيل تقلص عدد العاملين لأن مساحة سوق العبدلي بلغت في آخر مراحلها حوالي 34 دونمًا مقارنة بثماني دونمات في السوق الجديد، وقد تمكنتُ قبيل الترحيل من القيام بإحصاء «شخصي» لسوق العبدلي تبيّن من خلاله وجود ما يقرب من خمسة آلاف «فرش»، والتي هي وحدة بيع وقد يملك البائع الواحد عدة فروش أو يقوم بتأجير بعضها.

كان سوق العبدلي قد تأسس بمساحة صغيرة غير منتظمة في الجزء السفلي من مُجمّع العبدلي، وكان يتكوّن من حوالي 200 بسطة مرخصة ثم رُخّصت بسطات أخرى بقيت بحدود «المئات» مع تمدّد السوق، إلى أن بلغ ذروته بعد إلغاء خطوط النقل من مجمع العبدلي ونقْلها إلى مجمع الشمال في منطقة طارق في عامي 2006/2007.

ومع كل توسع جديد كان سوق العبدلي يستوعب المزيد من البسطات، وأخذ في سنواته الأخيرة يتنوع وينتظم أكثر في طبيعة السلع المعروضة للبيع، فقد بدأ كسوق ملابس وأحذية مستعملة، ثم أصبح سوقا للخضار والأدوات المنزلية والقرطاسية والعدد اليدوية وغيرها. 

وعندما نشأت أزمة ترحيل السوق عام 2014، قبلت أمانة عمان النقاش مع أصحاب البسطات الأصلاء المسجلين، وقد حددت في البداية مواقع لحوالي 450 بسطة ثم رفعت العدد إلى 520.

من خلال تناول مظاهر التنظيم الذاتي التي تمّت في هذا السوق على مدى السنوات الماضية، يسعى هذا المقال إلى عرض ما في قطاع العمل غير الرسمي من مرونة عالية، تسمح له بالاستجابة بسلاسة للتبدلات العمرانية والإدارية، وبالاستثمار الدقيق لكل الإمكانات والموارد المتاحة، وبتحقيق أقصى حالات الجدوى الاقتصادية للمشروع الصغير، عبر الحساب الدقيق للتكلفة والمنفعة. 

بداية متعثّرة

ووجه المكان الجديد برفض مطلق من قبل أصحاب البسطات، وعقدت اجتماعات عديدة بين أمانة عمان وأصحاب بسطات العبدلي، ودافعت أمانة عمان عن موقفها بقولها إنها بصدد إنشاء سوق شعبي «حضاري» بمواصفات ومعايير عالية المستوى مطابقة للمواصفات المطبقة في العالم.

جددت أمانة عمان بناء ودهان سور المساحة الجديدة، وجعلت له مدخلين، وعُبدت الساحة، ثم قُسّمت بالخطوط الصفراء إلى وحدات، مساحة الواحدة منها حوالي ستة أمتار مربّعة، وجُعلت بينها ممرات، ثم وضع في كل وحدة فرش خشبي مساحته مترات مربّعان مع مطلة خشبية لُفت بقماش أخضر. وتركت مساحات فارغة، وأبعدت البسطات عن الجدران، وأُبلغ الباعة بأنه لا يجوز لهم استخدام الجدران ذاتها التي زينت برسومات وشعارات عن المدينة وجمالها ونظافتها.

سوق الجمعة بعد أن جهزته الأمانة.

تمنّع أصحاب البسطات في البداية، ولكن أجهزة الأمانة تعرف بحكم الخبرة هشاشة مجتمع أصحاب البسطات والفردية العالية التي تميز القطاع، وضعف حجم السلطة التي يحوزونها، فأخذ الباعة يستجيبون تدريجيًا بعد تحقيق بعض المطالب الإضافية.

استمر السوق بلا باعة وتقريبًا بلا مشترين لأسابيع، ثم بدأ العمل الفعلي فيه بتردد، وكان على الباعة أن يتعرفوا على الزبائن الجدد، إذ لم يلتحق زبائن العبدلي فورًا بالموقع الجديد مباشرة، كما كان عليهم أن يتعاملوا مع حيّز جديد ومع حركة جديدة للزبائن، وهو ما يتطلب انتباهًا من أجل تحديد طبيعة استجاباتهم بما يحقق أقصى حالات الفائدة.

التقطت هذه الصورة بعد ثلاثة أشهر على بدء العمل في السوق

أُخذت هذه الصورة بعد حوالي ثلاثة شهور من بدء العمل في السوق. كان السوق قد تغير كليًا، أزيلت المظلات الخفيفة الملفوفة بالقماش، وحلت مكانها مظلات من الشادر المتين باللون البرتقالي الذي كان مستخدمًا في العبدلي، وأحضر الباعة القوائم المعدنية التي اعتادوا بناءها ونصبها بسرعة وشد شوادرهم فوقها وحولها، وأعيد شق الممرات من جديد بما يلائم الأطراف ذات الصلة، وقد استسلمت الأمانة لعملية التخطيط والتصميم وهي ترى جدواها في جلب الزبائن. 

امتد عمل الباعة إلى كل المساحات الفارغة، بما في ذلك المدخل الرئيسي، ونشرت البضائع المختلفة على الجدران، وأقيمت بسطات عشوائية جديدة، وانتشرت في السوق مواقع تخصصت في تقديم خدمة الكافتيريا.

التقطت هذه الصورة في 26 تموز 2019، أي بعد أن أُعيد تشكيل السوق

أخذت هذه الصورة يوم الجمعة الماضي، 26 تموز 2019، أي بعد حوالي خمسة أعوام من بدء العمل، لقد غطي السوق بالكامل بشكل أكثر تنسيقًا بشادر قماشي متين أبيض، معلنًا اكتمال السوق!

كانت الأمانة قد سمحت في البداية للعاملين بإحضار بضائعهم مساء الخميس، على أن يعمل السوق طوال الجمعة حتى ظهيرة السبت، وفي مرحلة لاحقة، أخذ العاملون يحضرون بضائعهم من صباح الخميس، ويستمرون في العمل حتى مساء يوم الجمعة. كما كان السوق يعمل في البداية لساعات محدّدة، لكن وفي فترة لاحقة أخذ الباعة يتركون بضائعهم بعد تعيين عدد من «المناوبين» كحراسة ليلية بعد أن يخلو السوق من الزبائن

حاليًا، اكتمل تنظيم المكان، وصار يعمل على مدار الساعة، فقد حضرتُ إلى السوق في العاشرة من مساء الخميس وغادرتُ في الثانية من فجر الجمعة، وكان الزبائن لا يزالوا يحضرون إلى السوق، بعضهم على شكل عائلات، وكانت نداءات الباعة تُسمع في كل أنحاء السوق.

يُقسّم العاملون وقت العمل إلى ثلاثة أقسام، ويعملون بالتناوب، ولكن لساعات طويلة تصل إلى 24 ساعة لكل منهم، من أصل 36 ساعة. وبالنسبة للعاملين من غير المالكين للبسطات، فإنهم يحصلون على أجرة يومين.

هذه المرونة العامة تواجه بعض المعيقات، بينها أن الساحة المقابلة للسوق، التي كانت تستعمل موقفًا مجانيًا للسيارات، أزيلت بسبب مشروع الباص السريع، وهو ما جعل حضور الكثيرين أصعب. كما أن انهيار السور الرئيسي للسوق في شتاء العام 2018، ووفاة شخص وإصابة آخرين، أدّى لركود السوق لفترة من الزمن. كما تأثر السوق، بحسب العاملين، بركود التجارة العامّة في البلد. 

هذه المرونة في السوق تأتي من المرونة التي تميّز قطاع العمل غير الرسمي إجمالًا. فمثلًا أغلب العاملين في هذا السوق سينتقلون ابتداءً من صباح اليوم التالي، أي يوم السبت، إلى أسواق أخرى أو إلى مواقع أخرى في العمل غير الرسمي. لقد راكموا خبرة طويلة عبر السنوات، يقول شاب هو الآن في العشرين من عمره، إنه بدأ العمل من سن السابعة مع «المعلم» نفسه المختص بالأحذية المستعملة المستوردة، ويوضح أنه كان في البداية يعمل في تنظيف الأحذية وترتيبها وحشوها بالأوراق كي تستعيد قوامها، وذلك قبل أن ينزل إلى السوق كبائع، يتلقى 15 دينار في سوق مثل سوق الجمعة، يعتبر العمل فيه شاقًّا، بينما يتلقى 10 دنانير في أسواق شعبية أخرى تحتاج لزمن عمل أقل مثل سوق زيزيا أو سحاب.

يسود السوق جو مريح وآمن، وتدل المظاهر العامة للزبائن أن كثيرين منهم من مستويات متوسطة أو عليا أحيانًا، وهناك عدد كبير من الأجانب، كما تتكاثر في أيام الجمع الزبونات من عاملات المنازل. 

تتخلل مظاهر الفكاهة مجريات البيع، وخاصة من خلال النداءات التي يتنافس الباعة في تلحينها، بما تتضمنه أحيانًا من «تلطيشات» هنا وهناك. صاح صبي ربما لم يتجاوز العاشرة من عمره وهو ينادي على بضاعته قائلًا: «بنبيع بخسارة وعلمناهم التجارة»، ولمّا كان صياحه مسموعًا بعد منتصف الليل فقد أثار ذلك كثيرًا من الضحك والابتهاج.