تبدلات التهميش في وسط عمان: قصة عشرين عامًا من «فانتازيا» التحديث

تصوير سنابل عبد الرحمن

تبدلات التهميش في وسط عمان: قصة عشرين عامًا من «فانتازيا» التحديث

الأربعاء 22 أيار 2019

في ورقة قدّمها لمؤتمر حول عمّان عام 1995، وصف المعماري الراحل جعفر طوقان التوسعاتَ العمرانية التي حصلت في عمّان ابتداءً من عقد الستينات، بأنها أشبه بـ«التشنجات المفاجئة». طوقان الذي بدأ نشاطه في التصميم المعماري في عمّان منذ مطلع ستينات القرن العشرين، رأى المدينة وهي تكبر مبتعدة هاربة من مركزها على شكل قفزات عمرانية غير منسجمة.

لعقود عدة من عُمر عمّان المعاصرة، كان هذا المركز هو كل عمان، وحتى عندما كانت المدينة تكبر، حافظ المركز على ميزته كحيّز عام يجتمع فيه كل سكان العاصمة، بل كل القادمين إليها من شتى أنحاء البلد. هنا كانت الفنادق الفخمة نسبيًا، وساحة فيصل حيث تقام الاحتفالات والاستعراضات العامة، وهنا المسجد الحسيني الذي يؤدي فيه الملك صلاة الجمعة في موكب شعبي مشهود، وهنا المدرج الروماني الذي تقام فيه الحفلات المتعلقة بشتى المناسبات؛ حيث غنت فيه فيروز، وأجريت فيه مباريات المصارعة والملاكمة، بل وجرى فيه عرض للتزلج على الجليد! كما أقيم فيه الاحتفال الوطني المركزي بانتصار الثورة الجزائرية.

وفي هذا المركز أقيمت الأسواق التي كانت ترتادها كل طبقات المجتمع، فإلى زمن قريب، وعلى سبيل المثال، ظل سوق الذهب في منطقة «الشابسوغ» يجتذب عرائس عمان، ومثله باقي الأسواق التي أخذت الآن مسمّى «أسواق شعبية» بينما شكلت في السابق الأسواق الرئيسية العامة. وهنا أيضًا أقيم أول سوق رافق بروز ظاهرة الفقر في عمان وهو «سوق اليمانية»، الذي بدأ كسوق للملابس الأوروبية المستعملة التي أثارت فضول الناس وخيالاتهم، واستمر لغاية الآن مع انقطاع قصير لسنتين سببه محاولة مالك السوق الجديد تحويله إلى سوق حديث كباقي الأسواق المجاورة، فوضع لوحة كبيرة تحمل اسمًا جديدًا، غير أن قدامى العاملين يتذكرون أن الزبائن رفضوا تغيير صفة السوق، من خلال حركة احتجاج جماعية غير منظمة وغير معلنة رسميًا، تمثّلت في التوقف عن ارتياد محلات السوق الجديد، وهو ما شكّل عائقًا أمام محاولة تبديل محتوى السوق، الذي سرعان ما استعاد مواصفاته ولا زال كذلك إلى الآن من حيث الجوهر.

ببطء ولكن بشكل ملحوظ، بدأت عمان تهرب من مركزها، الذي أخذ يتشكل كـ«قاع مدينة»، وهذه الصفة فيما يتعلق بعمان، كانت تُعد مُفردة جديدة. لقد أخذت المدينة تنفر من وسطها وتتعالى عليه.

صحيح أنه، ومنذ زمن مبكر، أنشئ في أطراف وسط عمان عدد من الأسواق ذات النشاط الهامشي (حضريًا)، فقد أقيم سوق الحلال لبيع وشراء الماشية، قرب رأس العين، ثم أقيم سوق الحدّادة والسمكرة، كما أقيم سوق للبسطات في ما صار يعرف لاحقًا بـ«الجورة»، كما نشأ سوق سُمّي شعبيًا بـ«سوق الحرامية»، وفيه انتشرت نشاطات إعادة التدوير للسلع المستعملة، لكن بشكل عام ظل مركز المدينة مكانًا نشطًا ومرتادًا من قبل مختلف السكان حتى عقد السبعينات وأغلب الثمانينات.

إلى ذلك الزمن، كانت المدينة موحدة إلى حد كبير عندما يتصل الأمر بـ«الذهنية العامة» للعَمّانيين وللأردنيين عمومًا فيما يتعلق بعاصمتهم. وأذكر أنه في مطلع الثمانينات كتب الصحفي فخري قعوار مقالة بعنوان «عمان الشرقية وعمان الغربية» وقد كان ذلك لوحده كفيلًا بإثارة زوبعة احتجاج ونقاش حاد حول الأمر، بسبب غرابة ذلك التصنيف حينها.

وفق الروائي الراحل عبدالرحمن منيف الذي سجل في كتابه «سيرة مدينة، عمّان في الأربعينات» وصفًا هو الأدق والأجمل لعمان في ذلك الزمن، فقد كان هامشيو عمّان جزءًا رئيسيًا حاضرًا في حياة كل الفئات الاجتماعية.

مرونة المهمشين

ليست الفقرات السابقة تأريخًا دقيقًا لوسط عمان، ولكنها محاولة للتمهيد لموضوع هذا المقال، وهو تبدلات التهميش في وسط عمان في السنوات الأخيرة.

يوضّح أرشيف الصحافة في نهاية عقد الستينات ومطلع السبعينات، أن نقاشًا واسعًا دار حول مشكلة وسط عمان، وخاصة لجهة حركة تنقل المواطنين وسياراتهم العامة والخاصة. وكجزء من مواجهة المشكلة أقيم مجمع رغدان للنقل عام 1974 وورث الكثير من خطوط النقل، وبشكل خاص تلك التي تربط وسط العاصمة بالمناطق الجنوبية والشرقية بما في ذلك مدينتي الزرقاء والرصيفة وقراهما ومخيماتهما.

ما زلت أحتفظ بوصف مكتوب ومفصّل، سجلته عام 1997، للحياة الاقتصادية الاجتماعية على المستوى الشعبي في منطقة وسط عمان، وبالتحديد في المنطقة الممتدة بين مجمع رغدان السياحي (القديم) وبين منطقة آخر «سقف السيل». وقد كان ذلك في سياق بحث علمي أنثروبولوجي يتناول الاقتصاد غير الرسمي «الهامشي» في هذا الموقع.

في وسط البلد كانت الفنادق الفخمة نسبيًا، وساحة فيصل حيث تقام الاحتفالات والاستعراضات العامة، وهنا المسجد الحسيني الذي يؤدي فيه الملك صلاة الجمعة في موكب شعبي مشهود

حينها، كانت الحياة تتواصل في هذا المكان على مدار الساعة حرفيًا، وخاصة في المسافة الممتدة بين مجمع رغدان السياحي والساحة الهاشمية وصولًا إلى المسجد الحسيني. وكانت خدمة المواصلات والتنقل شرقًا إلى الزرقاء متواصلةً ومتاحة بلا توقف، بما في ذلك الباصات المتوسطة، وكانت المطاعم تقدم خدمتها للزبائن بلا توقف أيضًا.

في تلك الفترة كان القادمون من العراق بعد حرب الخليج (1991) وسنوات الحصار التي تلتها، قد ميّزوا المشهد العام لوسط عمان واختلط الملمح العراقي بالملمح المصري، حيث يقيم عدد كبير من العمال الوافدين المصريين في وسط عمان، وبالطبع فإن العراقيين في هذا المكان كانوا عمومًا من الأوساط الشعبية غير المقتدرة، واشترك هؤلاء مع الأوساط الشعبية العمّانية التي يقطن أفرادها في المواقع القريبة والتلال المطلة.

أثناء البحث الميداني الذي امتد لتسعة شهور، تمكنتُ من رصد المكوّنات الاجتماعية لهذه المنطقة، ولمّا كان بحثي يستهدف القطاع غير الرسمي وخاصة العاملين على البسطات في المنطقة، فقد تعرفتُ حينها على درجة تعقيد التنظيم الداخلي لهذا السوق الشعبي الممتد على جوانب وأرصفة الشوراع. لقد كان هامشيو المدينة حاضرين في هذه المساحة بقوّة طوال أيام الأسبوع، وخاصة في يوم الجمعة، الذي يشكل يوم الذروة في كثافة نشاطهم.

في تلك الأثناء كانت المنطقة ككل تتشكل ويعاد تشكيلها لتخدم التبدلات الحاصلة. كانت المنطقة تشهد كل صباح حركة انتقال مئات ألوف المواطنين كما تشهد عودتهم مساء، واستجابة لذلك كان السوق يسعى لتلبية حاجات رواد المكان، وشمل ذلك القطاعين الرسمي وغير الرسمي، فكما أقيمت المتاجر والخدمات المطلوبة، فإن بسطات الخضار مثلًا، كانت تتكاثر عند النقاط الأخيرة قبل الصعود إلى الباصات وسيارات الأجرة، بحيث لا يضطر الزبون لحمل مشترياته لمسافات طويلة.

في أقصى غرب المنطقة، آخر سقف السيل، تواجدت ساحة كبيرة نسبيًا تلاصق الشارع العام، وتنخفض عن مستواه مترين في بعض النقاط، سمّيت «الجورة»، وقد تشكل فيها أكبر سوق بسطات. في مطلع الثمانينات، طُلب من الباعة ترك المكان، بسبب الحاجة لإقامة مبنى تجاري فيه، وخصصت لهم ساحة أخرى تقع تمامًا على جسر المحطة شرقًا، وأقيم فيها مبنىً قُسّم إلى «نُمَر» تبلغ مساحة كل نمرة منها ستة أمتار مربّعة، وُزّعت على أصحاب البسطات المُبعدين من «الجورة». وبهذا تأسست واحدة من نقاط التهميش الأولى إلى الشرق، سوف تتسع لاحقًا.

غير أن «الجورة» استمرّت فارغة، ولم يباشر بإنشاء المبنى التجاري إلّا عام 2018 أي بعد 45 عامًا على ترحيل بسطاتها الأصلية، وفي الأثناء حلّت في الجورة أنشطة هامشية أخرى، وخاصة في مجال إعادة التدوير، واستخدمت أحيانًا كموقف سيارات بالأجرة، وسمح في بعض السنوات بإقامة البسطات فيها مقابل رسوم مالية.

مشروع «سوليدير» عمّان

منذ مطلع الألفية الجديدة تغيّر المشهد بالتدريج ولكن بشكل متواصل. في عام 2003 أعلنت أمانة عمّان الكبرى البدء بمشروع إعادة بناء مجمع رغدان بمنحة يابانية قدرها ثمانية ملايين دينار، ولهذه الغاية أُقفل المكان بالسواتر المعدنية، وحددت الأمانة ثلاث سنوات لإنهاء المشروع، وفي هذه الأثناء أقامت في ساحة عامة تقع قرب جسر المحطة شرق وسط عمان، المنشآت الضرورية اللازمة لمُجمّع نَقل مؤقت بانتظار انتهاء مجمع رغدان.

وبالفعل بعد ثلاث سنوات، أُعلن عن اكتمال المشروع، وأزيلت الستائر المعدنية، وحُدد يوم 25 أيار (عيد الاستقلال) من عام 2006 موعدًا لافتتاح المشروع، ولكن قبل الموعد بأيام أعلن عمر المعاني، أمين عمّان آنذاك، عن إلغاء الافتتاح، ثم إلغاء فكرة المُجمّع ذاته، وقيل وقتها إن المبنى صرح حضاري كبير سيعاد تأهيله لأغراض سياحية، وقيل حرفيًا إن وسط العاصمة لا ينبغي أن يكون مجرد ممرٍ لعابري الطريق ومستخدمي وسائل النقل العام.

خلال السنوات الثلاث تلك كان كثيرون يرتبون أوضاعهم استعدادًا للتجاوب مع عودة المجمع، فأقيمت مبانٍ جديدة، وحدّث التجار محلاتهم القائمة، ووقّع أصحاب الأكشاك المرخصة سابقًا عقودًا جديدة مع الأمانة التي خصصت لهم مواقع في المبنى الجديد. ولهذا فإن التخلي عن مجمع رغدان شكّل مفاجأة لأطراف كثيرة، مما أدخل الجميع في نقاش وحصلت حالات احتجاج شملت القطاعين الرسمي وغير الرسمي. بعد ذلك دخلت الأمانة في سلسلة من الإجراءات، من بينها السماح بالمجمع كموقف سيارات، ومحاولة إعادة بعض الخطوط إليه، وهو الإجراء الذي فشل فورًا رغم الضغوط والتدخل الأمني، وأطلقت الأمانة أكثر من وعد لمعالجة وضع تجار السوق. ثم كانت الخطة الأبرز التي أعلنتها الأمانة هي نيتها شمول مجمّع رغدان في مشروع ضخم، يمتد على مساحة 400 دونم تتكون من الجزيرة الواقعة بين شارعي المحطة والجيش، وتبدأ من مبنى أمانة عمان التاريخي (المكتبة العامة حاليًا) وانتهاءً بجسر المحطة، وسمي المشروع أولا «سوليدير عمان» نسبة إلى شركة سوليدير التي بنت مشروعًا مماثلًا في وسط بيروت القديم، بل إن مبنى الأمانة القديم نفسه كان سيتحول إلى فندق، بينما يتكون المشروع من أسواق ومقاه وبرك مياه واسعة ومبان سكنية فاخرة. عرضت الأمانة على موقعها نماذج مصورة للمشروع، وسمته «وادي عمان» ليكون جزءًا من مشروع أشمل حمل اسم «صحن عمان» يضم كل وسط عمان، أي أغلب جذر المدينة، وقامت الأمانة بالفعل باستملاكات واسعة، وهدمت كثيرًا من المنشآت وألغت تصاريح العديد من المشاغل والمحلات الواقعة ضمن مساحة المشروع.

مرة أخرى، توقف العمل بالمشروع، ثم انهارت كل منظومة الأفكار التي أخذت اسم «مخطط عمان الشمولي»، وألغي القسم الذي شكل مطبخًا لكل تلك الأفكار، والذي سُمّي معهد عمان الحضري، وأنهيت أعمال مديره الشهير جيري بوست القادم من شركة «بيرنغ بوينت» الكندية

خرائب حديثة

على هامش هذا الصنف من دراما التحديث في وسط عمان، لم يكن الناس ذوو الصلة بالمكان على بال المُخطِّط أو مُنفِذ الخطط. كان الناس في الواقع آخر مَن يعلم وأول مَن يتضرر. والناس ذوو العلاقة هنا يشملون فئات كبيرة منها قطاع التجارة بشتى مجالاتها، ذلك أن المنطقة تعد جذر تجارة المواد التموينية عمومًا، وفيها أقدم حسبة مركزية للخضار وتجارة الملابس وتجارة البالة (الملابس المستعلمة)، وتعد المنطقة موقعًا رئيسيًا لنشاط القطاع غير الرسمي التجاري والخدمي، من خلال مئات البسطات (ألاف في أيام الذروة)، وسوقًا متخصصًا للعمالة الوافدة الآسيوية، لا سيما يوم الجمعة، كما يصب فيها جزءٌ كبيرٌ من نشاط إعادة التدوير في عمّان، وخاصة في مجال الأثاث. يضاف إلى هؤلاء جمهور المتسوقين، سواء من عابري الطريق يوميًا أو من روّاد وسط البلد الذين اعتادوا اعتماده سوقًا لهم.

على هامش دراما التحديث في وسط عمان، لم يكن الناس ذوو الصلة بالمكان على بال المُخطِط أو مُنفِذ الخطط. كان الناس في الواقع آخر مَن يعلم وأول مَن يتضرر

شكل إغلاق مجمع رغدان عام 2003 نقطة تحول واضحة، سرعان ما قسمت «وسط البلد» إلى قسمين رئيسيين: شرق الجامع الحسيني وغرب الجامع الحسيني. تركز الأثر شرق الجامع، ذلك أن حركة النقل التي كانت تنطلق من وإلى مجمع رغدان، والتي استقطبت حولها نشاطات وأعمال متنوعة قد توقفت، وفي 2009، نفذت الأمانة مشروعًا لإعادة تصميم وعمران الساحة الهاشمية، وألغت لهذه الغاية العديد من المطاعم والمقاهي التي كانت تجعل الحياة مستمرة على مدار الساعة، تلبية لحاجة روادها وخاصة من الوافدين، على خلاف حالها اليوم إذ باتت متنفسًا وحيّزًا عامًّا للعائلات.

بالتدريج ولكن بشكل ملحوظ ومتسارع، ساد الصمت في هذا الجزء الحيوي، ولكن قد يعتقد مراقب من بعد، أن الناس انتقلوا إلى المجمع الجديد في المحطة، ولكن هذا المجمع الآن يشهد هدوءًا منذ ساعات المساء الأولى، ولا تقارن الحركة فيه بما كانت في سلفه مجمع رغدان. فأين اختفى الناس؟ هذا السؤال لم يسأله المخطط وصاحب القرار، لكنه بدأ يشكو من أزمات في مواقع أخرى نتيجة خيارات النقل التي اتخذها الناس استجابة للخلل الذي أحدثته التغييرات. لقد تبعثر السلوك التنقلي للسكان ذوي الصلة.

لم ينتبه أصحاب القرار مثلًا إلى أنه رغم التزايد في عدد سكان العاصمة، إلا أن عدد السيارات العاملة على خطوط «السرفيس» نحو شرق عمان مثلًا قد تقلص، فيما يستخدم سائقون رخصةَ سياراتهم العمومية للعمل في مواقع أخرى.

إذا مرّ أحدكم في شارع المحطة (شارع الملك عبد الله الأول) في المنطقة بين مجمع رغدان السياحي وجسر النشا، وألقى نظرة متواصلة على يساره، أي على المنطقة التي عرضت لها الأمانة مخططات خيالية (مطاعم، فنادق، مسابح، أسواق، ملاعب وترفيه) فإن عينه سوف تلتقط كثيرًا من مشاهد تشبه الخرائب، لم يسعف الوقت الأمانة لإزالة أغلبها، بعد أن استملكت وهُدمت منشآتها ومبانيها القديمة.

وكما هي العادة، فإن مرونة الفقراء العاملين في القطاع غير الرسمي سوف تُمكنهم من الانتشار، وإعادة الانتشار المتواصل، في الفراغات الحضرية، وهذا ما حصل بالفعل في هذه المنطقة.

بين المواقع التي أفرغت، تشكلت مساحة تقع بين مجمع المحطة للنقل «المجمع الجديد» وبين سوق بالة المحطة الذي أنشئ عام 1984 بعد ترحيل باعة البالة من منطقة «الجورة» في آخر سقف السيل كما أشرت، وبسرعة امتد إليها نشاط يقع على هامش الهامش، تمثّل في عشرات بسطات الأدوات والسلع شبه التالفة التي يجمعها عادة سرّيحة الحاويات ويجلبونها إلى السوق ويعيدون تصنيفها وعرضها للزبائن من فقراء المنطقة المحيطة ومن آخر مستخدمي النقل العام الفقراء.

الالتقاء مجددًا

لقد التقى المهمّشون الملاحقون والمطرودون على مراحل من وسط عمان، في موقع متجاور سرعان ما توحد، مشكّلًا أكبر سوق لإعادة تدوير السلع البسيطة التي عادة ما يتركها أصحابها في مكانها إن لم تجد من يشتريها، منها مثلاً أدوات زينة وأقلام أحمر شفاه مستعملة. وبالطبع تشكل على هامش هؤلاء نشاط آخر يتمثل في بسطات مكمّلة، إذ يمكن للزبون المحترف أن يجري عملية تجميع يحصل بواسطتها على ما يريد.

في عام 1997/ 1998 عندما أجريت أول بحث في القطاع غير الرسمي، كان عدد «سرّيحة الحاويات» محدودًا، ويكادون يعرفون بعضهم البعض، وكانوا يُسّمون «سريحة ليليين» مقابل «سريحة نهاريين» يجمعون الأثاث والأدوات المستعملة من البيوت. كانت سِراحة الليل تبدأ بعد منتصف الليل وتنتهي فجرًا في شوارع معروفة، يتخصص في كلٍ منها شخص أو اثنان، وذلك قبل أن يتوسع هذا النشاط ليشمل حاويات كافة أحياء العاصمة وعلى عدة دورات يوميًا، ولم تعد السراحة مقتصرة على الليل.

منذ عشرين عامًا لم تتوقف حملات الملاحقة للمهمّشين في وسط عمان، وهم رغم مثابرتهم، غير أنهم يفتقدون لأي سلطة تتيح لهم التفاوض، ولهذا فإنهم لا يملّون من الاستجابة بمرونة، ويبدلون أساليب عملهم، فقد ينتقل بعضهم إلى الجبال، ويعمل كثيرون في الأسواق الشعبية المرخصة في بعض أيام الأسبوع، وقد يبدلون نوع السلعة أو الخدمة التي يعملون فيها.

يرى صاحب القرار وسط عمان تراجع حضور الناس فيه، فيعتقد أن خطة التطوير قد نجحت، ولكنه لا يسأل أين ذهب الناس؟ ولكي نكون منصفين، فإن بعض التغيرات العمرانية والإدارية شجعت نشاطًا آخر ملحوظًا في وسط عمان يتمثل بهذا العدد الكبير من المقاهي الشعبية، والتي وصفها أستاذ العمارة رامي ضاهر بأنها ديكورات باب الحارة -المسلسل السوري الشهير- لأنها برأيه لا تعكس بُعدًا شعبيًا خاصًا.

قبل أقل من عام، زرت كهلا يعمل «كندرجيًا» في وسط عمان منذ أكثر من نصف قرن، وهو بحكم صنعته يعرف أصناف المشاة والمارة في وسط عمان، وقد قال لي فيما قاله: لقد اختفى الناس الذي نعرفهم، ولم يعودوا يمرون.

  • Yusif Tibeh

    تشخيص رائع كالعادة لحقيقة الأمر الواقع مقابل أحلام المخططين الخيالية وفقدانهم للبوصلة!
    تحياتي أستاذ أحمد.