فقّوس المساحات الفارغة: عن الزراعة الحضرية في عمان

الثلاثاء 16 تموز 2019
بسطة لبيع الفقوس في إحدى مناطق عمّان. تصوير أحمد ابو خليل

هناك مثل شعبي يتخذ شكل تساؤل يقول: «هي كايْنِة خيار وفقوس؟»، وذلك احتجاجًا على التمييز على العموم، وخاصة التمييز بين الناس وفي المجتمع. لقد حدد المثل موقعًا متقدمًا للخيار على الفقوس.

في الواقع يعود محتوى هذا المثل إلى زمن سابق كان فيه الفقوس متوفرًا بكثرة مقارنة بالخيار. فالأول يُزرع بسهولة وينمو بسرعة وعندما يكبر يتخذ شكلًا قاسيًا صلبًا، بعكس الخيار الذي يتمتع بحساسية عالية ويحتاج للعناية نظرًا لقوامه الطري.

ولكن الزمن تغير، وصار الخيار يزرع بكثافة في البيوت البلاستيكية على مدار العام، بينما بقي الفقوس مقتصرًا على موسم قصير لا يتعدى الشهرين خلال العام، فارتفع سعره وصار نادرًا في بعض السنوات، وفي أول الموسم يتجاوز سعر الكيلو منه الدينارين.

زيادة إنتاج الفقوس هذا العام، جعلت المثل يستعيد صحة محتواه إلى حدٍ ما، ولذا صار من الممكن أن تشتري ثلاثة كيلوغرامات من الفقوس بدينار. في هذا التقرير نتعرّف على تجربة عائلتين تزرعان الفقوس داخل أو على أطراف المدن.

زراعة يساهم فيها الزوجان فقط

منذ أكثر من ربع قرن، يواظب أبو سمير* على تتبّع المساحات الفارغة في عمّان، ويختار المناسب منها للزراعة الصيفية، ويتصل بأصحابها فيتضمنها وحده، أو «شَرَك» مع آخرين وفق ما تتطلبه مساحة الأرض.

أبو سمير اليوم في النصف الأول من عقده السادس، ترافقه زوجته أم سمير. يمتلك بيته الدائم في إحدى مناطق شرق عمان، لكنه يمضي شهور الموسم في خيمة كبيرة مصنوعة من مواد مختلفة؛ خيش وشوادر وبلاستيك وكرتون، وقد قسّمها إلى مساحات بقواطع قماشية: واحدة للجلوس واستقبال الزبائن وأخرى للنوم وثالثة للطبخ، مع حمام صغير يبعد عن الخيمة حوالي عشرة أمتار.

ورث أبو سمير العمل في الزراعة الصيفية عن والده الذي قدِمَ من منطقة بئر السبع جنوب فلسطين عام 1948 بعد النكبة. وهو مع أسرته، مثل العديد من أسر مناطق بئر السبع، عائلات كانت تعمل في الزراعة وفي تربية الحلال والرعي، وهم اليوم يشكلون بالفعل «سادة الكَدح»، إذ أصبح التعب وبذل الجهد جزءًا من التنشئة الأُسرية عندهم، فما أن يبلغ الطفل سنواته الأولى حتى يبدأ بالتعرف على أسرار تحصيل الرزق عن طريق العمل اليدوي المباشر، وفي كثيرٍ من الحالات طوّر هؤلاء أعمالًا وبعض الاستثمارات في هذا القطاع وغيره.

تنقّل أبو سمير وزوجته في أكثر من مكان، لكنه الآن وللسنة الثانية على التوالي يزرع مساحة تبلغ حوالي ثمانية دونمات في إحدى مناطق شرق عمان. لقد حضر هذا العام وبنى خيمته في شهر آذار، وهو الوقت المعتاد للبدء في الزراعة الصيفية، لكن موسم المطر هذا العام امتد، وهو ما جعله ينتظر في الخيمة حتى أواخر نيسان ومطلع أيار كي يبدأ عمله.

يحتاج تجهيز الأرض إلى خطوات طويلة؛ إذ يتعين حراثة الأرض عدة مرات، وتعشيبها، وبَذْرها، ثم «تفريدها»،** وعليه بعد ذلك أن يواظب على العناية والتعشيب، وقد يحتاج لرش المبيدات أحيانًا، ولكن العمل الحقيقي يبدأ عند النُضج إذ تتعين على المزارع المتابعة الحثيثة حتى يكون القطاف في موعده ويوميًا نظرًا لسرعة نمو المحاصيل الصيفية.

يزرع أبو سمير الفقوس بشكل رئيسي ولكنه خصص هذا العام جزءًا زرع فيه البامية واللوبياء والبندورة البعلية. وفي المساحة أمام خيمته زرع المدخل ببذور عبّاد الشمس.

ولطرد العصافير التي تعد خصمًا رئيسيًا للمحاصيل الصيفية، نشر أبو سمير عدة فزّاعات صنعها بيده، وهي فزّاعات متنوعة الشكل، منها ما هو على شكل إنسان مفتوح الذراعين، ومنها ما هو على شكل مروحة، شكّلها من عبوات مياه بلاستيكيّة.

يقطف الزوجان على فترتين؛ واحدة صباحية والثانية مسائية. ويبيعان للزبائن من الجيران والمارة، ويحتفظان بدفتر كبير لتسجيل المبيعات والنفقات.

زراعة تساهم فيها الأسرة والعائلة الممتدّة

على بعد عدة كيلومترات من حقل أبي سمير، يقع حقل آخر أكبر، تبلغ مساحته عشرين دونمًا، تعمل فيه أسرة مكوّنة من الأب وأولادهما الثمانية وعدد من أبناء العمومة عاملين بالأجرة.

لهذه الأسرة بيت دائم في الزرقاء، لكنهم طوال موسم الصيف يتبعون زراعتهم مصدر رزقهم. ومن المساحات الكبيرة بجوار مدينة مادبا، ينتقون مساحة ما ويتضمّنونها من أصحابها، للزراعات الصيفية، وأحيانا لزراعة القمح.

عبد الله،* أحد الإخوة العاملين في الأرض، هو الآن في الثالثة والعشرين، يضع بسطته في جوار سيارة «بكب أب» قديمة يستخدمها للتنقل والنقل وكمخزن مؤقت، ويجلس على طرف الصندوق الخلفي للسيارة بانتظار الزبائن. وقد اختار الشارع المجاور للحقل، وهو شارع فرعي، يقول أن هذا المكان أحسن من الشارع الرئيسي، فبعد خمس سنوات من العمل المتواصل في الموقع ذاته، نجح في تكوين شبكة واسعة من الزبائن.

عند لقائنا به كانت أمامه بسطة كبيرة يضع فوقها ثلاثة أكوام من الفقوس، وقد قسّمها حسب سعر الكيلوغرام: كوم بدينار والثاني بنصف دينار والأخير كل ثلاثة كيلوغرامات بدينار.

في صندوق السيارة وضع كمية من الباميا، فهي حساسة للشمس ولهذا يبقيها في الظل، كما عرض فيها كمية من اليقطين والكوسا البلدية، بينما كان قد باع كل ما قطفه من البندورة.

نظم الإخوة تقسيم العمل بينهم بشكل منضبط: يبيت عبد الله في خيمة مادبا، يستيقظ في الخامسة صباحًا ويشارك في القطاف في مادبا، ثم يركب السيارة، ويورد بعض المنتوج للسوق، ثم يسرع إلى شرق عمان، حيث يكون شقيقه واثنان من أبناء عمومته قد قطفوا من حقل شرق عمان، فيتولى هو البيع على البسطة حتى المغرب أو بعد ذلك بقليل، ثم يغادر من جديد إلى مادبا.

يقول عبد الله إن الموسم هذا العام «خَصَاب» بسبب كثرة الأمطار، وبالتالي فالمنتوج كبير، وقد انخفض السعر بسرعة نسبيًا. يتحدد السعر وفق عنصرين؛ حالة السوق المركزي، ثم حجم الإنتاج في الحقل نفسه. قال لي إنه في اليوم السابق مثلًا باع كيلو الفقوس من الصنف الأول بـ75 قرشًا، ولكن اليوم لم يكن القطاف جيدًا فرفع السعر.

بدأ عبد الله العمل مع والده في الزراعة الصيفية عندما كان في الصف السادس، أي في سن الثانية عشرة تقريبًا، وخلال هذه السنوات، ولأن موسم الزراعة يقتصر على زمن محدود، فقد تعلم حرفتين خارج الزراعة، فهو حلاق رجال، كما تعلّم الطبخ الحديث في مركز متخصص.

الزراعة الحضرية: احتفاء أمام الجهات الدولية، وتشديد على المزارع المحلي

ينتمي عمل هاتين الأسرتين إلى ما يعرف بالزراعة الحضرية، وهو قطاع أخذ ينال المزيد من الأهمية الرسمية على مستوى منظمات الأمم المتحدة ذات الصلة وخاصة منظمة «الفاو» باعتباره عنصرًا في التنمية بيئيًا وغذائيًا واقتصاديًا.

تعتمد الزراعة الحضرية في حالتنا على مياه الأمطار، وتتطلّب عمالة أسرية، ولا يتطلب المنتوج نقلًا إلى مسافات بعيدة، وتتوفر له إمكانية العناية القصوى، كما تشتمل على عناصر بيئية وجمالية وتربوية للأجيال الجديدة.

وقد طوّرت الدراسات المرتبطة بالزراعة الحضرية أفكار تشمل تشغيلًا للأرض على مدار السنة، كما اشتهرت في مدن كبرى زراعة السطوح، وخاصة في المدن التي لا تتوفر فيها المساحات الأرضية.

بالإضافة إلى المساحات داخل المدن، تشمل الزراعة الحضرية المساحات المحيطة بالمدن، التي يمكن تسويق منتجها مباشرة إلى المدينة.

تستحق مبادرات مئات الأسر للزراعة الحضرية سواء لغايات البيع أو الاستهلاك، أن تعطى الانتباه والاحترام اللازمين. ومن اللافت أن البلديات وأمانة عمّان تتعامل مع الظاهرة باعتبارها جزءًا من «البيع العشوائي» وتقوم أحيانًا بحملات متفرقة قاسية تتضمن إتلاف المعروض منها وحجز البسطات ومخالفة العاملين، وتكبيدهم خسائر مالية. إن هذا يحصل في الواقع بينما هناك اعتراف رسمي بالزراعة الحضرية عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الجهات الدولية أو في الحالات الاحتفالية.

إن ظاهرة الزراعة الحضرية تتكامل مع ظاهرة أقل انتشارًا تتمثل برعي الماشية في ساحات المدن أو تربية الدواجن في بعض الأحياء، وينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مظهرًا من مظاهر التوظيف الذاتي، وفي حالات الفقراء تعد جزءًا من الاستراتيجيات الذاتية للفقراء في مكافحة فقرهم.


*أسماء مستعارة، بناء على رغبة أصحابها في الحفاظ على خصوصيّتهم.

** التفريد هو وضع المزارع عدة حبات من البذور في النقطة أو الحفرة الصغيرة الواحدة، وبعد أن تنمو البذور وتظهر فوق السطح، يكون على المزارع أن يختار ساقًا واحدة قوية أو ساقين على الأكثر وينزع الباقي