رأي

مسرح البلد: المدينة بين رأس المال والممارسات الثقافية المستقلة

الإثنين 07 أيار 2018
الفرعي مغنيًا في مسرح البلد. تصوير خالد بشير

 عند الحديث عن الفضاء العام، يقتصر الكلام، غالبًا، على صورته الفيزيائية الكلاسيكيّة المتمثّلة في مقطع معماري يدرسه الطلّاب في مساقات التصميم الحضري، مقطع يصوّر شارعًا فيه مسارات للدراجات الهوائية ومسار آخر للنقل العام مع رصيف مشاة يختزلهم في امرأة تسير مع عربة طفل ورجل يُمشّي كلبه، إضافة إلى بعض الأشجار على حافة هذا الرصيف. تسطّح هذه الصورة المصدّرة لنا ولمدننا مفهومَ «العامّ»، والجدل القائم حوله، بصفته حيزَ ممارساتٍ يومية يخلق فضاءات ديناميكية متنوعة تشكّل صورة الحياة المدنية، المكانية والاجتماعية، بهويّاتها المتنوعة.

ستشهد عمّان، قريبًا، إخلاء مسرح البلد في وسط المدينة، من قبل مالك العقار الذي يقع فيه المسرح بسبب انتهاء عقد الإيجار. وعندما نتحدث عن قضية الإخلاء هذه فإننا نتحدث عن وجه من أوجه الحياة المدنية في عمّان، وعن أحد الفضاءات التي أسهمت في تشكيل هوية المدينة.

المدينة ورأس المال

في حالة مسرح البلد، يتم الإخلاء وفقًا للمادة الثالثة من قانون المالكين والمستأجرين التي تنص على إخلاء المستأجر للعقار بمجرّد انتهاء مدة عقد التأجير. وهنا تكمن مشكلة تتمثل في غياب السياسات الحكومية التي من المفترض بها حماية المبادرات الثقافية الأهلية. فلا يعقل، برأيي، أن تنطبق على المؤسسات الثقافية غير الهادفة للربح، والمنتِجة لمحتوىً ثقافي غير مسلَّع، قوانينُ المؤسسات التجارية، خاصة بحق مسرح يقدّم فعالياتٍ معظمها مجانيّ أو مقابل مبالغ رمزية.

قانونيًّا لا يحق للدولة التحكم في أي ملكية خاصة إلّا في حالات استثنائية. ولكن الدور الحقيقي للدولة في ما يتعلق بالفعاليات الثقافية والمشاريع الفنية هو خلق مساحاتٍ عامة وحرة للتعبير، وبوجود تلك المساحات المتنوعة للتواصل والتعبير يتاح الإنتاج الثقافي المتنوع للجميع ليعكس تعددية وتنوع المجتمع. تقول رزان مبيضين، التي كانت جزءًا من فريق مسرح البلد لمدة خمس سنوات، أن قضية إغلاق مساحة فنية قائمة منذ 13 عامًا والعمل على بداية جديدة للمشروع ليست قضية هامشية بل هي تعبير عن فشل في عملية البناء الثقافي المتنوع في المدينة.

بالحديث عن علاقة رأس المال بالمساحات الثقافية المستقلة، نرى أنه وخلال السنوات الأخيرة عانى كثيرٌ من العاملين في الحقل الثقافي في عمّان من ممارسات إقصائية تنوعت بين جشع رأسمالي بتحويل بعض المساحات المهجورة في وسط البلد -تحديدًا- إلى مطاعم و مقاهٍ ذات طابع تجاري بحت، أو تقاعس مؤسسات حكومية أو خاصة عن دعم وتطوير أو حماية استمرارية مشاريع ثقافية سعت إلى خلق حالة من التوازن في الحيز العام لمدينة عمان.

حالة المسرح ليست هي الحالة الأولى، على اختلاف حجم المشاريع، فقد واجهت مساحة «مكان الفنية»، على سبيل المثال، صعوبات مختلفة خلال محاولات استدامة المشروع لـ13 عامًا، ومثلُها تعاني دارة التصوير من مشاكل في الحفاظ على المساحة وتطويرها.

ومع محاولات إدارة المسرح المتكررة عبر سنين للتواصل مع أمانة عمان الكبرى لاستملاك المساحة أو الضغط باتجاه فرزها والتأكيد على صفة استخدامها الحضرية واستملاكها من قبل الأمانة، إلّا أن تلك الجهود لم تثمر. ولعل أهم مشاكل إعادة استخدام المباني المهجورة في عمان هي قضية صفة الاستخدام التي تؤدي أحيانا إلى كوارث في البيئة المبنية، فهناك أمثلة لمقاهٍ رخّصت تحت مبانٍ سكنية ما أدّى إلى تنافرٍ ونزاع بين المجتمع الحاضن والمستثمرين في تلك المشاريع التجارية.

إن التوجه نحو إعادة استخدام المباني المهجورة في المدينة يعدّ عملية تطوير منطقية في مدينة ذات موارد مادية محدودة، لكن ما يحدث الآن من تسليع للمباني والمحلات المهجورة قلّما يفيد أهالي الأحياء الحاضنة والمحيطة، إذ تشكل هذه الأماكن مصادر جذب لأشخاص من خارج المنطقة، مسببة مشاكل مختلفة مثل مشكلة اصطفاف السيارات، والإزعاج المستمر بسبب موسيقى المقاهي الصاخبة أو رائحة الأراجيل والمشاوي.

وبالحديث عن مسرح البلد بوصفه مساحة ثقافية احترمت المبنى القديم ولم تقحم لوحات تجارية صارخةِ الألوان على أي من واجهاته، بل جاء التدخل بدون تغيير هوية المبنى المعمارية، وإنما بفهم خصائصها وتشكيلها كفرصة ممكنة للتطوير.

يمكن أيضًا ذكر مساحات ثقافية أو مؤسسات حكومية وخاصة تعاملت مع السياق الاجتماعي والنسيج الحضري المحيط بها باحترام وتطوير ممنهج؛ مثل مبنى الهانجر في رأس العين، ومؤسسة «م م أ غ» (محمد وماهرة أبو غزالة) الثقافية في جبل عمّان، وحديثًا مقر مشروع أسبوع عمّان للتصميم في منزل واستديو الفنان علي ماهر في جبل عمّان.

المسرح كمفهوم للتواصل

هناك محاولات دائمة للعاملين في المجال الثقافي في عمّان للتشارك في الأعمال الفنية والإنتاجات الثقافية التي تُغني المشهد الحضاري المتنوع للمدينة، وتستقطب مشاريع مختلفة ومتنوعة تخلق بنىً تحتية للعمل الإبداعي في صورة سويّة تتيح مجالات للتواصل والتفاعل في سياقات بديلة غير تجارية، بعيدًا عن خطاباتٍ مستهلَكةٍ لثقافة فلكلورية تختزل الماضي في صورة مسطحة لا تخلو من الحنين واجترار أفكارٍ استشراقية تبنّاها كثيرون بدعم من مهرجانات رسمية سائدة فتمّ تطبيعها في الإدراك الجمعي باعتبارها ثقافة موصوفة بالأصالة.

يعتبر رائد عصفور، مدير مسرح البلد، أن «المساحات الثقافية المستقلة هي مساحات ثقافية منتجة وحرة، تنتج و تؤسس طرقًا متنوعة وجديدة للتواصل والتطوير». وبالحديث عن أساليب ومنهجيات إدارة المسرح يوضح عصفور بأن معظم أدوار العاملين في المسرح تتقاطع، لتتحول بذلك إدارة المحتوى إلى حوارٍ مع القائمين على المشاريع الفنية المختلفة، فتنعكس بالتالي على مساحة الإبداع الحرة التي طورت آلياتها وعلاقاتها على مدى 13عامًا من الإنتاج الفني المكثّف على شكل عروض فنية لأفلام مستقلة أو مهرجانات موسيقية أو محاولات تجريبية لفنانين هواة وصولًا إلى ندوات ومحاضرات تعليمية وثقافية متنوعة. وإن كان ترافق ذلك مع عقبات وتحديات متنوعة مثل التمويل، وتأسيس الفريق وديمومته، والتواصل مع الجمهور، وإنجاح المشاريع إداريًّا وماليًا وعمليًا.

تؤكد سالي شلبي، الحكواتيّة والمنسقة في مشروع حكايا، على العلاقة بمسرح البلد كمساحة للتواصل مع الأشخاص والفضاء العام المحيط. فأغلب من ارتادوا المسرح لحضور فعالية ما يعرفون مشهد الانتظار على الرصيف خارج المسرح والأحاديث التي تدور بين الأصدقاء، فقد كان الرصيف والشارع جزءًا من تجربة حضور فعاليات المسرح.

وتذكر شلبي رسومات الجرافيتي التي تم إنتاجها في مشروع «بلدك» لفن الشارع، معتبرة إياه أحد المشاريع الفنية التي تم إنتاجها في/ ومع مسرح البلد والتي حاولت دائمًا ربط سياقات المدينة بالفن وخلّفت إنتاجات فنية ذات طابع حر متماهٍ مع نسيج المدينة المليء بالمتناقضات.

سعى مشروع مسرح البلد لنقل الكثير من الإنتاجات والمشاريع الفنية خارج أسوار مبناه، بل توسّع ليتواصل مع المدينة وفراغاتها لتصوغ تلك الشبكات من التواصل حالات فنية مميزة مثل مهرجان موسيقى البلد. ولم يقتصر ذلك على صورة جمهور وفنان ومسرح روماني أثري، بل كان التواصل أيضًا مع الفضاء العام المحيط بالمدرج الروماني؛ مع باعته المتجولين، ومرتاديه من الأحياء المجاورة، والمارة في الساحة الهاشمية، وجمهور المهرجان نفسه، في صورة قلّما نراها عادة في حيز المدينة العام الذي يطبّع بفئوية اجتماعية لا تحمل تنوعا أو إندماجًا مع الآخر.

شهِدَ مسرح البلد فعاليات فنية متنوعة، منها توقيع ديوان «أثر الفراشة» لمحمود درويش عام 2008، واستضافة فنانين عالميين مثل ظافر يوسف، وفرقًا أردنية صاعدة مثل فرقة «أيلول» في نفس الدورة من مهرجان موسيقى البلد عام 2015.

يقول يسر الزعبي، عازف الكمان في فرقة أيلول، إن الدعم الذي تحتاجه الفرق الصغيرة يتمثل أحيانًا بإقامة حفلة موسيقية يتعرف الناس عليها من خلالها. وفي حالة مهرجان موسيقى البلد الذي استمر لخمس دورات، منذ عام 2009، بواقع دورة كل سنتين، هدف المهرجان -منذ انطلاقه- إلى الترويج لفنانين وموسيقيين من الأردن -والمنطقة- وتقديمهم للجمهور. ما طوّر آفاق الدعم للفنانين والموسيقيين الشباب على تنوع خلفياتهم، وفعّل دور وسط المدينة كوجهة للسياحة الثقافية التي عززت بدورها التواصل الذي يخلقه الفن كمساحة للتعبير والتشارك.

تبعًا لما سبق، فإن مشروع مسرح البلد حوّل مفهوم مساحة المسرح كمساحة مركزية ذات هوية إنتاج ثابتة ومحددة بعروض مسرحية فقط، أو بحفلات موسيقية فقط، إلى مساحة تعبير لامركزية تشكل نواةً لانطلاق ممارسات ثقافية وفنية مختلفة بوصفها مساحة مستقلة للتواصل مع الذات والآخر.

المدينة والإنتاج الثقافي والتطوير

ينسجم مسرح البلد مع هوية المكان ثقافيًا واجتماعيًا، فهو قائم في مبنى شُيِّد في الأربعينيات، وكان فيه سينما الأردن وفرساي سابقًا. وعلى بعد دقائق من المسرح تقع بعض الشواهد على ماضٍ بسيط للمدينة عمّان، حيث نرى مثلًا مقهى السنترال، أحد أقدم مقاهي وسط البلد، الذي ما يزال على حاله، بشرفاته الصغيرة وجدرانه الداخلية ذات الألوان المحايدة، واقفًا أمام ديكورات مقاهي وسط البلد -الأخرى- المحدَّثة ذات الألوان الصارخة والتعديات البصرية التي تشوه المدينة ابتداءً من مظلاتٍ أصبحت مقصدًا لسيّاح من المدينة وخارجها لالتقاط «سيلفي» في عمّان «الجميلة»، وصولًا إلى بوابات تعكس التعطش لثقافة «باب الحارة» التي لم تشهدها عمّان ذات البيوت المترامية على التلال بنوافذها الكبيرة والمطلة على المدينة.

قد تشهد عمّان خلال أشهر افتتاح توسعة لمقهى أراجيل أو حمامًا تركيًا أو مغربيًا أو مطعمًا تصدح منه أصوات مغنين رديئة الجودة كما حدث في حالات مشابهة في مثلث التطهير الطبقي (gentrification) العمّاني: جبل عمّان وجبل اللويبدة ووسط البلد.