سبعة ملايين رحلة يوميًا: كيف نفكّر في النقل الحضري في عمّان؟

الخميس 23 آذار 2017
تصوير خالد بشير

عند النظر في مسألة إيجاد الحل المستدام للنقل الحضري بمفهومه الخدماتي في مدينة عمّان، فإن أول ما يجب فهمه هو حجم الطلب على التنقّل، الذي يُقدّر في المدينة بسبعة ملايين رحلة يوميًا.

وفقًا لآخر دراسة شاملة للنقل والمرور، أطلقتها أمانة عمان الكبرى للمدينة نهاية عام 2010، والمسوحات الأسرية التي أُجريت في المدينة عام 2008، يظهر أن الفرد الواحد يقوم بما يعادل 1.73 رحلةً يوميًا في أيام الأسبوع العادية، وأن 73% من السكان يجرون رحلتين يوميًا، وأن 13-14% من هذه الرحلات اليومية تتم باستخدام وسائل النقل العام. وعليه، فإن نسبة الرحلات اليومية التي تتم باستخدام وسائل النقل العام من مجموع الرحلات الآلية -الرحلات التي تتم باستخدام مركبات آلية- هي 9%. مع العلم أن النسبة كانت 50% في مسوحات عام 1985 وفقًا للتقرير الصادر عن مخطط عمان الكبرى الشمولي للتنمية، عام 1988.

عند مقارنة تلك النسب مع مدن أخرى حول العالم نرى أن مدينة عمان تأتي دون المعدلات العالمية. مدينة هونج كونج، على سبيل المثال، تُعدّ حالةً فريدةً ترى في استخدام النقل العام الدور الأساسي والمهيمن على اقتصاد الدولة، لذا فإن حوالي 80% من الرحلات تتحقق باستخدامها. أما مدينة فيينا فتُعدّ واحدة من المدن ذات النسب الأعلى في أوروبا بنسبة 54%. عربيًا، وصلت النسبة في مدينة القاهرة إلى 67%، وفي بيروت إلى 29%، وفقًا لقاعدة بيانات التنقل للمدن عام 2016، التابعة للاتحاد الدولي للنقل العام.

يظهر الشكل التالي مقارنة بين مدينة عمّان والمدن الأخرى من حيث نسبة استخدام وسائل النقل العام من مجموع الرحلات الآلية.

قبل إكمال الطرح، أظن أن من المهم توضيح المقصود بأنواع مركبات النقل العام المستخدمة في مدينة عمان، ومنها وإليها، والتي تنظمها أمانة عمان الكبرى وهيئة تنظيم النقل البري حسب مدى سير خطوطها. تشمل هذه المركبات الحافلات الكبيرة العامة، التي تتسع لحوالي 35-45 راكبًا، والحافلات الصغيرة (المتعارف عليها باسم «الكوستر» نسبة إلى الاسم التجاري للمركبة نفسها)، التي تتسع لـ23-25 راكبًا، وسيارات الأجرة البيضاء المشتركة (المتعارف عليها باسم سرفيس)، التي تتسع لأربعة ركاب. أما بالنسبة لسيارات التاكسي، فرغم أنها تستعمل بشكل واسع من قبل مستخدمي النقل العام وبشكل يومي، إلا أنها لا تُعدّ رسميًّا من أنواع المركبات التابعة لمنظومة النقل العام، إذ يُعدّ استخدامها أقرب إلى استئجار للمركبة مع السائق لفترة من الزمن.

في المفهوم الخدماتي للنقل العام ضمن إطار التنقل في مدينة عمان، تُعدّ الاعتمادية العالية على استخدام المركبات الخاصة تحديًا رئيسيًا في تقسيم حصص استخدام المركبات للرحلات اليومية.

المحرّك الرئيسي لامتلاك السيارات أو توافرها هو دخل الأسرة. وفي جميع أنحاء العالم، هناك مؤشرات واضحة على علاقة الدخل بامتلاك مركبة، وكلما أصبح المجتمع أكثر ثراءً فإنه يطمح إلى مزيد من الحرية الشخصية في التنقل. في عمّان، وفقًا لدراسة النقل والمرور المذكورة سابقًا، فإن أكثر من 55% من الوحدات السكنية تمتلك سيارة خاصة، وحوالي 20% من الأسر لديها ملكية متعددة من المركبات الخاصة. وقد تناسبت زيادة استخدام السيارات في عمان، على مدى السنوات العشر الماضية، طرديًّا مع معدلات النمو السنوية التي تتجاوز 10% سنويًا، إذ كان متوسط توافر المركبات للأسرة الواحدة هو 0,93 مركبة، أو 178 مركبة لكل 1000 شخص، في حين أن المعدل زاد ليصل قرابة 300 مركبة لكل 1000 شخص في العام الماضي، وهذا يُعدّ واحدًا من المعدلات المرتفعة مقارنة بمدن العام حسب الشكل الآتي، استنادًا إلى قاعدة بيانات التنقل للمدن عام 2016، التابعة للاتحاد الدولي للنقل العام.

ولتوضيح الزيادة في امتلاك المركبات الخاصة، أشير إلى أن عدد المركبات المسجلة في الأردن بلغ عام 1985 أكثر من عشرة أضعاف العدد المسجل في عام 1970، كما أن مدينة عمّان فيها أكثر من 80% من إجمالي المركبات المسجلة في الأردن. ووفقًا لإدارة ترخيص المركبات في المملكة، فإن عدد المركبات المرخصة تضاعف 2,3 مرة في السنوات ما بين 2003-2014 لتصل إلى قرابة مليون و330 ألف مركبة خاصة مسجلة في عام 2014.

مقابل ذلك، فإن مستوى دخل الفرد في الأردن سنويًا، حسب تقديرات صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يبلغ ما يعادل 3650 دينارًا. ويصنّف خبراء الاقتصاد الأردن، بالنسبة لمعدل دخل الأسرة، ضمن فئة الدول ذوات الدخل المتوسط-المنخفض، كما يصنّف السادس في المنطقة ضمن فئة الدول الأدنى دخلًا. لقد أصبح امتلاك سيارة خاصة، إذا صح التعبير، «أداة للتعبير عن الذات»، أكثر من كونه أداة تسهل التنقل، وصار من الممكن للأسرة الواحدة أن تمتلك من 4-5 سيارات على الرغم من أنها تعيش في شقة سكنية بنسبة مواقف مسموحة لها قد لا تتجاوز نصف مركبة لكل شقة.

من ناحية التكلفة، يشير التقرير الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة، إلى أن التنقل يشكل عبئًا ماليًا لا يُستهان به، على المواطن الأردني، حيث تشكّل تكاليف التنقل ما نسبته 20-25% من دخل الأسرة، بينما يبلغ استهلاك الطاقة في قطاع النقل، على المستوى الوطني، نحو 40% من إجمالي الطاقة المستهلكة في المملكة، وفقًا لمؤشرات استهلاك الطاقة في قطاع النقل عام 2014. أما متوسط الإنفاق السنوي للفرد الواحد في الأسرة على النقل والاتصالات، فهو 360 دينارًا في السنة وهو ما يعادل تقريبًا إنفاق الإسكان وهو 395 دينار في السنة.

أمّا الأسباب التي تجعل امتلاك سيارة في الأردن خيارًا جيدًا، فيأتي على رأسها التسهيلات الائتمانية التي توفرها البنوك لشراء السيارات، وتخفيض الضرائب على السيارات الذي تمّ عام 1999، والسماح للمواطنين باستيراد السيارات المستعملة، إضافة إلى العامل الرئيسي وهو ضعف كفاءة نظام النقل العام في مدينة عمّان، الأمر الذي يدفع الناس إلى استخدام سياراتهم الخاصة بوصفه البديل الأفضل  للتنقل في المدينة.

وحسب التوقعات، سيرتفع عدد سكان مدينة عمان إلى 6,4 مليون نسمة مع حلول عام 2025، مقارنة بأربعة ملايين حاليًا، حسب آخر إحصائية لعام 2016، وهذا يعني أن الطلب على التنقل سيقارب الـ12 مليون رحلة يوميًا، خلال سبع سنوات. وعندما نعلم أن عدد السيارات الموجودة حاليًا في شوارع عمان، والتي تسبب الاختناقات المرورية طوال النهار وحتى ساعات المساء، يُقدّر بنحو 1,2 مليون سيارة، فإن الرحلات اليومية لعدد السكان المتوقع للمدينة عام 2025؛ ستترجم إلى حوالي 2,05 مليون سيارة.

بغض النظر عن أبعاد أخرى للمشكلة تطرّقتُ لبعض منها في مقال سابق، إن لم يتم التفكير بأخطار هذه الأرقام من الآن، فإن مشكلة تدني استخدام النقل العام وزيادة أعداد المركبات الخاصة في شوارع عمان ستتفاقم وتتحول إلى مشكلة مركبة وأكثر تعقيدًا مما هي عليه.