الابتكار و«الإرباك»: عن دور التكنولوجيا في ملء الفراغ

الخميس 13 آب 2015
MADRID, SPAIN – OCTOBER 14: In this photo illustration the new smart phone taxi app ‘Uber’ shows how to select a pick up location at Atocha Station on October 14, 2014 in Madrid, Spain. ‘Uber’ application started to operate in Madrid last September despite Taxi drivers claim it is an illegal activity and its drivers currently operate without a license. ‘Uber’ is an American based company which is quickly expanding to some of the main cities from around the world. (Photo by Pablo Blazquez Dominguez/Getty Images)

بلمسة إصبع على الهاتف الذكي، أصبح اليوم بإمكان أيّ مواطن عمّاني أو زائر للمدينة طلب سيارة مع سائق، لتصله بعد دقائق معدودة وتنقله إلى حيثما رغب ودون أن يحتاج الراكب لدفع أيّ مبلغ نقدًا، فأجرة الرحلة تُخصم بشكل مباشر من بطاقة الائتمان البنكية الخاصة به.

هذه الخدمة، والتي تقدّم اليوم في عمّان من خلال تطبيقات مثل «أوبر» و«كريم» و«إيزي تكسي» (رغم اختلاف الأخيرة بعض الشيء)، تمثّل ما يسمى Disruptive Innovations، أي ابتكارات «تربك» السوق كونها تغيّر معالمه بشكل سريع وتخترقه – كما هو الحال مع بعض الخدمات المذكورة أعلاه – خارج الإطار التنظيمي التقليدي للقطاعات التي تعمل فيها.

وتختلف درجة «الإرباك» التي تحدثها هذه الابتكارات من مكان لآخر. ففي الدول ذات التنظيم الضيّق على قطاع النقل قد ينتج عن هذا الإرباك عنف. أما في دول أخرى ذات التشريعات الأكثر تساهلًا مع الداخلين الجدد إلى قطاع النقل، فيكون هذا الإرباك أقل حدّة.

ويتفاوت «الإرباك» أيضًا في العديد من الحالات بناءً على مدى نضوج أجهزة الدولة، والقطاع الخاص إلى حدّ ما، في تقديم الخدمات العامة. ففي الدول المتقدّمة (من هذا الجانب، على الأقل)، يغدو إرباك السوق أصعب وقد يتطلب اختراعًا جديدًا أو ابتكارًا علميًا أكثر تطورًا ليُحدث تغيّرًا بسيطًا.

أما في عالمنا العربي، وفي الأردن بشكل الخاص، فتبرز فرصٌ عديدة لإحداث تغيير كبير في أسواق وقطاعات مختلفة، وأعزو ذلك لأسباب عدّة أهمها ضعف المؤسسات القائمة – من دولة وقطاع خاص «تقليدي» – في تقديم حلول تقنية مبتكرة لمعالجة مشاكل المواطن اليومية (ولكي أكون منصفًا، فإنّ بعض المؤسسات في الأردن تقدّم اليوم العديد من الخدمات الإلكترونية الجيّدة، إلا أنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب في ظل التطور التقني المتسارع في العالم).

العالم يتغيّر والتطور التقني يتسارع، وعلينا استغلال هذا التطور بما يلائم سياقنا المحلي.

والسبب الثاني لبروز فرص إحداث التغيير في منطقتنا وفي الأردن هو توفر البيانات والإحصاءات التي تستخدم اليوم في أطر ضيّقة والتي يمكن نشرها وتوظيفها لخدمة المواطن، أضف إلى ذلك النمو المتسارع في استخدام الإنترنت والهواتف الذكية في الأردن وفي المنطقة والذي يزيد من حجم السوق للحلول التقنية ويجعل المواطن أكثر «نضوجًا» واستعدادًا لتبنّي هكذا حلول.

وفي السياق ذاته، فإنّ ابتكار وتطوير الحلول يتطلب رعاية وتمويل المستثمرين وحاضنات الأعمال للمشاريع التي تعالج المشاكل اليومية للمواطن العربي والأردني والتي توظّف الأسباب المذكورة أعلاه لمعالجة تلك المشاكل (وهنالك بعض الأمثلة على مبادرات تمويلية في هذا المجال). كما يتطلب تطوير هذه الحلول دعمًا من مؤسسات الدولة من خلال توفير البيانات والتسهيلات للرياديين، إذ يجب أن تتعامل تلك المؤسسات مع هذا الموضوع على أنّه مكمّل وداعم لدورها وليس منافسًا له أو خرقًا لقوانين أو أنظمة أو تعليمات أصبح العديد منها بائدًا في عصرنا هذا.

وأثني هنا على ما قامت به أمانة عمّان الكبرى مؤخرًا من توفير كافة البيانات المتعلقة بخطوط ووسائط النقل العام العاملة ضمن صلاحيتها لمجموعة من المتطوعين من حملة «معًا نصل» (والتي أعمل فيها كمتطوع وكأحد المؤسسين)، والذين يقومون حاليًا باستخدام تلك البيانات، بالإضافة إلى بيانات أخرى تمّ تجميعها بشكل يدوي، لإصدار أول خريطة مطبوعة ورقمية للنقل العام في عمّان مصمّمة لخدمة المستخدم.

ولا يخلو الأردن والمنطقة اليوم من أمثلة أخرى على مبادرات وابتكارات استغلّت فجوات يتميّز بها السوق المحلي في قطاعات عديدة إلى جانب قطاع النقل، حيث يتفاوت في كلّ منها حجم الدعم والتسهيل الحكومي (ومدى الحاجة إليهما للنجاح). فهنالك خدمة «إي فواتيركم» التي أنشأتها شركة «مدفوعاتكم» لتوفير إمكانية دفع الفواتير والرسوم المختلفة عبر الإنترنت، وهي ميّزة لم توفرها معظم المؤسسات والشركات الخدمية القائمة. وهنالك خدمة «كاش باشا» التي استغلت قلة حَمَلة البطاقات الائتمانية في الأردن وتعقيد الإجراءات التي تضعها البنوك لاستخدام البطاقات الائتمانية عبر الإنترنت، حيث وفّرت إمكانية التسوّق على موقع أمازون والدفع نقدًا قبل التوصيل. وهنالك أيضًا خدمات حاولت معالجة صعوبة شحن البضائع الشخصية عبر خدمات الشحن القائمة في المنطقة، وما يتطلبه ذلك من دفع رسوم جمركية قد تكون مرتفعة، وأخرى استغلت شحّ التمويل للمشاريع الابتكارية في العالم العربي، وبالأخص في مجالات الفنون والموسيقى.

العالم يتغيّر والتطور التقني يتسارع، وعلينا استغلال هذا التطور بما يلائم سياقنا المحلي، فالفرص المتوفرة في منطقتنا (والفجوة التي يجب ملؤها) أكبر من تلك المتوفرة في مناطق أخرى، على الأقل في مجال الخدمات العامة ومعالجة المشاكل اليومية.

عند محاولتي ترجمة مصطلح Disruptive Innovations إلى العربية على موقع جوجل للترجمة، كانت النتيجة «الابتكارات التخريبية». يبدو أن هذا المصطلح لم يدخل قاموسنا العربي حتى اليوم، أو ربما نحن بحاجة إلى بعض من «التخريب» وإلى «قلقلة» الوضع القائم لنجد حلولًا عصرية لمشاكلنا اليومية ولنحسّن من نوعية الحياة للمواطن.