تدوينة

أبو بكر سالم، عمان ومدن تنكر أبناءها

الأحد 31 كانون الأول 2017

مات أبو بكر سالم. مات المغني الذي صاغنا مع محمد عبده وخالد الشيخ وطلال مداح أطفالًا يعيشون في عمان أوائل التسعينات، وعلى هامشها. مات أبو بكر سالم، لكن تلك الرحلات الطويلة عبر الطريق الصحراوي إلى الشوبك كل صيف لم تمت.

لا يزال صوت أبو بكر الذي كان رفيق سائقي الحافلات وسيارات الأجرة من وإلى «مجمع سفريات الجنوب» عند دوار الشرق الأوسط، يعيد إلى ذاكرتي طعم الوجد المختلط بالفقر والاغتراب. أشرطته ومحمد عبده وطلال مداح كانت رفيقتنا في هجرتنا السنوية نحو الجنوب. تهبُ الصحراء على امتداد الطريق روحًا، وتمدّنا نحن بالقدرة على تذكر «بلدنا» واحتمال الشوق بعد العودة لعمان. وعمان تلك، لم تكن لنا.

قادمين في إحدى سيارات الأجرة التي تقلّنا، في الرابعة فجرًا، من الشوبك، نعرف نحن الأطفال أننا نودع عالمًا بأكمله، ونستقبل آخر مختلفا لم نكن بعد ننتمي له. بمجرد وصولنا سندخل أطوارا مزمنة من الاكتئاب والبكاء، ثم ننزوي في البيت أيامًا هاربين من رؤية أطفال نظن أنهم لا يشبهوننا. لا يعرفون شيئًا عن لهجتنا، وقريتنا، وأحلامنا، وفقرنا. ماذا يعرفون عن الكروم؟ السواقي؟ أبو بكر سالم؟ لأيام، سنعيش أعراض انسحاب مزمنة من مدينة تبدو وكأنها فُرِضت علينا. لماذا جئتم بنا إلى هنا، كان سؤالنا الحائر لأهل لا يعرفون لما هم هنا أيضا!

لم يكن الخليجي فنًا منتشرًا في عمان كما سيصبح عليه الحال في النصف الثاني من التسعينات. حينها ستنتشر أغنيات المطرب علي عبد الستار عقب استضافته في مهرجان جرش، وستصبح أغنية «يا حبيبي ترى القلب بعدك سرح» أغنية الباصات والتكسي والمحال والمراهقين المفضلة. ثم سيظهر عبد المجيد عبدالله بشريطه «رهيب» ثم شريطه الأكثر شهرة «كيف أسيبك» فيصبح معبود العشاق في مدينة اكتشفت الفن الخليجي لتوها. لكنّه لم يكن الفن الخليجي «المعتبر» بالنسبة لنا. لم يكن بوسع «النيو خليجي» أن يحاكي اغترابنا وانسحابنا وحزننا. الإيقاعات والكلمات لا تحاكي لهجتنا التي لا يفهمها أهل عمان. سيصمّم مطربو الخليج الجدد كلماتهم لتناسب سكان المدن الشامية. وستبقى لنا نحن أهل الأطراف أغانينا المعقدة التي تناسب تعقيد حالتنا.

لن يطول الوقت حتى ينتشر الخليجي على نحو واسع. سيقدّم محمد عبده أغان مشابهة مثل «الأماكن» تناسب أيضًا سكان عمان وشبيهاتها من المدن، ثم ستنتشر أغنيات خالد عبدالرحمن بين طلبة المدارس الحكومية، على الأقل. مع الوقت، ستتصالح عمان مع «الخليجي» في وقت كنت أنا أغادره وأغادر معه حقبة المراهقة لأبدأ مشواري الجامعي في الجامعة الأردنية مع مطلع الألفية.

سندرك أن وسط البلد واللويبدة والدوار الأول ليست هي الأخرى سوى فراغات يملؤها المغتربون والمنسحبون والمثقفون.

في الجامعة بدأت أغادر انسحابي سعيًا للتصالح مع عمان. سأتعرّف على فيروز وماجدة الرومي، وأبدأ التردد على وسط البلد واللويبدة والدوار الأول. سأنغمس في القراءة والجدالات الوجودية عند مكتبة الجامعة. لكن سرعان ما سأدرك ومعي بضعة رفاق أن أحدا هناك لا يستمع لفيروز. وأن ماجدة تنتمي لحقبة الثمانينات. لحقبة العمل السياسي تحت الأرض وانتشار الأفكار التقدمية في ساحات جامعتي الأردنية واليرموك. ستتضح في أذهاننا حقيقة أننا نعيش بداية الألفية، حيث لا أفكار كبرى ولا جامعات «حية». سندرك أن وسط البلد واللويبدة والدوار الأول ليست هي الأخرى سوى فراغات يملؤها المغتربون والمنسحبون والمثقفون. سأكتشف أن عمان التي أحاول التصالح معها ليست هي التي يعرفها «الغالبية»، وأن هذه ليست مسكونة بنقاشات السياسة والتغيير.

عرفت أنني غادرت انسحابي الأول، غادرت الشوبك، لأتصالح مع ما لم يكن عمان في تلك الحقبة.

ستنتظر عمان خمس إلى سبع سنوات أخرى ليعيد سكانها اكتشاف فيروز مرة أخرى في شريطها «سلملي عليه»، ثم في أشرطة لاحقة صممها ابنها زياد. لكنها جميعًا لم تجسّد لي فيروز التي أعرف. لم تكن لولو، ولا وردة في سهرية حب، ولا زيون. مع الوقت سيتعرف أهل عمان على عماني أيضًا. ستنتشر المقاهي في وسط البلد، بعد افتتاح «جفرا»، وفي جبل عمان واللويبدة. ومعها سينتشر الحديث في السياسة والتغيير وستصبح أغنيات فيروز ملازمة مقاهي عمان القديمة التي سحرت سكان الجزء الغربي من العاصمة ممن بدا أنهم هم أيضًا يبحثون عما ينسحبون إليه وعثروا عليه هناك. لكنّني حينها كنتُ قد بدأت مشواري العملي، مغادرًا للمرة الأولى مربعات الفقر على مستوىً شخصيٍ صرف، ومغادرًا أيضا انسحابي الثاني مما ظننته عمان.

سأتوقف عن سماع فيروز وماجدة، مقررًا الالتحاق متأخرًا بعمّان التي يعرفها «الغالبية». سأبدأ الاستماع للمغنين الجدد، لكاظم وجورج وسوف وغيرهم. سأتعرف على الصويفية والرابية وعبدون. على أحياء وأسواق صماء كانت ولا تزال تشعرني أنني سائح كلما ارتدها. على نحو أكثر سرعة سيحاصرني الفراغ والملل. تلك الأماكن لم تعد مقصدًا للغالبية كما سأدرك. سيتشظّى مفهوم الغالبية نفسه. ستكبر عمان وستتمدّد حتى لن يعرفها سكانها. لكنها ستصغر علي فلا أجد فيها مكانا ألملم فيه شظاياي وأوقف فيه انسحابي.

مع بدايات 2010 ستتكرر أسفاري خارج الأردن، ثم ستتاح لي زيارة الولايات المتحدة لأعود وقد أدركت كم كانت عمان صغيرة. أو ربما، قرية كبيرة. وكيف أنني كنت أسعى للانسحاب في بلاد لم توفر لي عمقًا كافيًا للانسحاب. حين بدأت الاصطدام بالحائط، كان الربيع العربي. حصل في عمان ما لم يحصل. فشل الحراك، وتعاظمت قوة النظام.

كنتُ أمضيت ليلة الاعتصام في الرابع والعشرين من آذار مع بضعة مئات من الشبان عند دوار الداخلية. لم أكن مُنظَما، ولم أكن متابِعا عن بعد أيضًا. كنت أحاول أن أكون شاهدًا على ولادة شيء ما، أو جزءٍ منه. شيءٌ ما قد يصنع بلادًا يتصالح معها من سيأتون بعدنا، ومدينة لا ينسحب أبناؤها منها أو إليها. لم عليهم أن ينسحبوا أصلا!

تحاول عمّان ويحاول ساكنوها الإمساك بما تمثله فعلًا. يحاولون التصالح مع شكلها، فيما تتحول هي تدريجيًا لمدينة بلا ملامح.

فضت قوات الأمن الاعتصام، وبدا أن الأردن أصعب من أن تحكمه معادلات الداخل كما فعلت في بلدان مجاورة. بدا الأردن الصغير عصيًا على أي مسعى للتغيير، محكومًا بحسابات الإقليم والعالم المعقدة. خرجتُ في اليوم التالي لأرى بقايا الاعتصام عند دوار الداخلية. كان المئات قد حضروا بسيارات الدفع الرباعي واستوطنوه. بعضهم كان يطلق النار أمام أعين رجال الأمن ابتهاجًا بوأد التحرك، فيما كان البقية يهتفون للنظام. كانوا يتكلمون لهجتي طفلا، وفي سياراتهم يضعون أغنيات خليجية كالتي كنت أسمعها صغيرًا.

اكتملت الدائرة في ذهني. أدركتُ أن الانسحابات وصلت منتهاها. حينها، ربما، مات أبو بكر سالم، وماتت الشوبك.

مات أجدادي نهاية الألفية بعد أن انسحبوا هم أيضا بداية التسعينات للعيش معنا لاجئين جدد في عاصمة محايدة تجاه اللاجئين. رحلت معظم الأسر من القرية، وأوصدت الحضانة اليتيمة أبوابها بعد أن لحق الأطفال بأهل انسحبوا نحو عمان دون أن يعرفوا لمَ عليهم فعل ذلك!

حتى الانسحابات نحو البدايات بدت غير ممكنة حينها.

سأنغمس في الموسيقى الغربية. سأغادر الغناء والفن والموسيقى والصور الذهنية العربية. سأقرر تنفيذ انسحابي الأكبر خارج حدود الوطن العربي الذي كان قد بدأ للتو محاولته التعرف على نفسه في رحلة دامية ومريرة لم تنته بعد. كنت قبلها أتممت انسحابات مشابهة في بنية وعيي على مستوى الدين والطائفة والمذهب، بدأت جميعًا بانسحابي من إطار العشيرة والأصل والمنبت أيام الجامعة. أين انتهت أو ستنتهي الانسحابات، لا يهم.

الآن، عمّان بأكملها تعيش انسحاباتها الخاصة على نحو جماعي. تحاول ويحاول ساكنوها الإمساك بما تمثله فعلًا. يحاولون التصالح مع شكلها، فيما تتحول هي تدريجيًا لمدينة بلا ملامح. حين بدأت رحلة انسحاباتي كان سكان عمّان أكثر تصالحًا مع مدينتهم. في الماضي كنت أنا وقلة مثلي من يعيشون الاغتراب فيها. عمّان الآن تغص بمنسحبين جدد أكثر تشظيا، لجؤوا إليها من عزلة وبرودة الأحياء الأخرى في شقها الغربي، ومن عزلة الأطراف البعيدة في شمال وجنوب البلاد، ومن قسوة مدن عربية أخرى غرقت بدماء ساكنيها. من حمص، وحلب، ودمشق، وصنعاء. هل قلت صنعاء؟!

نعم، سيغادر عشرات الآلاف من اليمنيين بلاد أبو بكر سالم بعد أن تشظّت هي الأخرى. سيلتحق بعضهم بعمان، بعاصمة لن تتعرف عليهم كما لم تتعرف علي حين كنت طفلًا، لاجئًا. سيتزوّدون، مثلي صغيرا، بأغاني أبو بكر سالم لتعينهم على احتمال مدن لن يتصالحوا معها. مثلي ربما، سيستمع الملايين لخبر وفاة أبو بكر وسيستعيدون ما كان على إيقاع لحنه الخالد:

إنتي وين، تعبت مني المطارات

تعبت مني المسافات

أنا بكل المدن مريت

وأنا من غربتي مليت