اتفاق باريس: الاحتفال باتفاق على عدم الاتفاق

الأربعاء 20 كانون الثاني 2016

بقلم علي نصرالله

يمكن تلخيص مؤتمر المناخ في باريس في قصة واحدة حصلت خلال المؤتمر. بعد أن تمّ التوصل إلى نسخة نهائية من الاتفاق بعد أسبوعين متواصلين من المفاوضات المحتدمة، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراض على كلمةٍ واحدة من الاتفاق المكون من 29 صفحة. كان الاعتراض الأمريكي على كلمة «shall» في النقطة الرابعة من الجزء الرابع، أصرّ الوفد الأمريكي على تغييرها لتصبح «should» ورفض الوفد القبول بالنسخة النهائية التي احتاج الوصول إليها أيامًا طويلة، إلا إذا تغيّرت هذه الكلمة.

Developed country Parties shall continue taking the lead by undertaking economy-wide absolute emission reduction targets. Developing country Parties should continue enhancing their mitigation efforts, and are encouraged to move over time towards economy-wide emission reduction or limitation targets in the light of different national circumstances.

تتحدث هذه الفقرة عن مسؤولية الدول المتقدمة عن القيادة في الحد من الانبعاثات المضرّة بالبيئة، كون هذه الدول سببت أكثر نسبة من الانبعاثات الموجودة في العالم، وبما أن تقدّم هذه الدول يعتمد على هذا التاريخ من إنتاج الانبعاثات. الفرق بين كلمة «shall» و«should» قد لا يبدو مهمًا، لكنه يلخص المشكلة الأكبر في مؤتمر المناخ في باريس. كلمة «shall» تعني الإلزام المستقبلي وتحمل المسؤولية. أما كلمة «should» فتعني التوصية والتشديد على الأهمية. خوفًا من إعادة فتح النقاش والدخول في دوامات جديدة، تم الاتفاق في النهاية على اعتبار وجود كلمة  «shall»  بدلًا من «should» كـ(خطأ مطبعي) وتم تمرير الاتفاقية.

وعند هذا الأمر تحديدًا يجب الوقوف؛ لقد فشلت معظم المؤتمرات المناخية التي جمعت عددًا كبيرًا من الدول بسبب رفض الدول المسؤولة عن أعلى نسب من الانبعاثات (كالولايات المتحدة الأمريكية والصين المسؤولتين عن 36% من جميع الانبعاثات العالمية) التوقيع على اتفاقيات ملزمة قانونيًا، الأمر الضروري لتحقيق تغيير حقيقي. أما في مؤتمر باريس فتم الاتفاق على توصيات واقتراحات غير ملزمة للدول. ولعل هذا المأزق يعيدنا إلى الأسئلة الأساسية في موضوع تغير المناخ، والتي يبدو أنها ليست ملحة بعد لقادة الدول المسؤولة عنه.

هل الاحتباس الحراري حقيقي؟

وجود الغلاف الجوي هو ما يجعل الحياة ممكنة على سطح الأرض. تسقط أشعة الشمس على الأرض فتنعكس بعضها ويتم امتصاص الجزء الأكبر ثم إعادة بث الحرارة. تقوم الغازات الدفيئة (مثل غاز ثاني أكسيد الكربون) في الغلاف الجوي بحفظ الجزء الأكبر من هذه الحرارة قبل أن تخرج منه للفضاء. هذه العملية تجعل درجات حرارة سطح الأرض مناسبة للحياة كما نعرفها. ومنذ الثورة الصناعية زادت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجويّ بنسبة 40%، وزيادة الغازات الدفيئة عن مستوياتها الطبيعية يعني زيادة حرارة سطح الأرض.

لقد فشلت معظم المؤتمرات المناخية بسبب رفض الدول المسؤولة عن أعلى نسب من الانبعاثات التوقيع على اتفاقيات ملزمة قانونيًا.

خلال دراسة الغازات العالقة في الجليد استطاع العلماء استنتاج طبيعة تكوين الغلاف الجوي في العصور القديمة، وكانت النتائج صاعقة. تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي اليوم هو الأعلى منذ 800 ألف سنة عندما كان تركيز الكربون 190 جزءًا في المليون، أما الآن فهو أكثر من 400 جزء في المليون، أي أنه تعدى مرحلة الخطر التي وضعها العلماء.

والعقود الثلاثة الأخيرة كانت الأعلى حرارة منذ أن بدأت البشرية قياس درجات الحرارة بشكل مستمر في عام 1850. كما أن العلماء اكتشفوا من دراسة الجليد والأشجار أن آخر ثلاثة عقود هي الأعلى حرارة منذ 800 سنة. ومن بين الأربعة عشر عامًا التي سجلت فيها أعلى درجات حرارة، ثلاثة عشر عامًا كانت في القرن الواحد والعشرين.

كما ارتفع منسوب مياه البحار والمحيطات في القرن الأخير بمقدار 22 سم. والأكثر خطورة من مقدار ارتفاع المنسوب هو التسارع المستمرّ لهذا الارتفاع، في آخر 100 سنة كان معدل الارتفاع 1.7 ملم لكل سنة، أما بين 1993 و2009 فكان المعدل 3 ملم في السنة.

هل الإنسان السبب الرئيسي للاحتباس الحراري؟

مناخ الكرة الأرضية متغير باستمرار لعوامل مختلفة. من بينها: التغير في مسار دوران الأرض حول الشمس، وميلان محور الأرض عن الشمس، والتغير في الإشعاع الشمسي (البقع الداكنة)، والبراكين، وتطور وانتشار النباتات التي ساهمت في تغيير طبيعة تكوين الغلاف الجوي. نسبة الغازات الدفيئة تحدد قدرة الغلاف الجوي على إبقاء الحرارة داخله، في الفترات الزمينة التي كان مناخ الأرض حارًا نجد نسبًا عالية من الغازات مقارنة بنسب منخفضة في فترات العصور الجليدية. نحن حاليًا في فترة عصر جليدي (حيث هناك جليد في القطبين والمناطق المجاورة)، لكن نسبة الغازات تزداد بصورة غير طبيعية.

استنتج العلماء أن الإنسان هو السبب في ازدياد نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون من فحص نظائر الكربون في الغلاف الجوي. الوقود الأحفوري يأتي من النباتات غالبًا، التي تفضل النظير الأخف C12 بدلًا من النظير C13 عندما تمتص الكربون من الغلاف الجوي خلال عملية البناء الضوئي مما يجعل تركيب النباتات وبالتالي الوقود الأحفوري يتكون من النظير الأخف بنسب أكبر. يمكن إثبات مسؤولية الإنسان عن الارتفاع المطّرد في زيادة الانبعاثات عن طريق النظر في زيادة النظير C12 بالنسبة للنظير C13 في الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية، معظم الزيادة كانت من النظير الأخف مما يعني أنها أُنتجت من النشاطات البشرية بحرق الوقود الأحفوري.

1-3-temp-CO2

(المخطط البياني الأول يمثل تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي منذ 400 ألف سنة قبل الميلاد إلى صفر ميلادي. المخطط البياني الثاني يمثل تباين متوسط درجات الحرارة في نفس المدة. نستطيع أن نرى أنه كلما ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون ارتفعت درجات الحرارة. وكلما انخفض تركيز ثاني اكسيد الكربون انخفضت درجة الحرارة).

ما خطر الاحتباس الحراري؟

الطقس هو الحالة الجوية المتقلبة خلال فترات قصيرة، ككل ساعة أو كل يوم أو حتى كل أسبوع وكل فصل. المناخ هو معدلات الطقس خلال فترات طويلة. الاحتباس الحراري سيجعل المناخ أعلى حرارة، وسيؤدّي إلى حالات طقس أكثر تقلبًا وأكثر تطرفًا. موجات الحر ستصبح أشد حرارة وأكثر تواترًا مثل موجات الحر القاتلة التي قتلت الآلاف في أوروبا عام 2003، وفي روسيا عام 2010، والأخيرة في الهند وباكستان عام 2015 . موجات الثلوج والمطر ستصبح أقسى وأكثر تواترًا أيضًا. والإعصارات ستصبح أعتى ومواسم الجفاف ستصبح أطول وستزداد الحرائق الطبيعية في الغابات.

ارتفاع درجات الحرارة سيعمل على إذابة الصفائح الجليدية عند القطبين. هذه الصفائح الجليدية تساعد على بقاء درجات حرارة الأرض منخفضة، حيث أنها تعكس معظم أشعة الشمس مباشرة دون امتصاص الحرارة وإعادة بعثها. وتستطيع الصفائح الجليدية عكس أشعة الشمس لسببين رئيسين: لونها الأبيض الذي يعكس الأشعة، وملوستها العالية. أما المحيطات والبحار فتمتص معظم أشعة الشمس وتخزن حرارتها ثم تعيد ضخها إلى الغلاف الجوي. يقيس العلماء قدرة جسم ما على عكس الأشعة الساقطة عليه من مصدر كالشمس بمصطلح «الوضاءة». تكون وضاءة الجسم الذي يعكس كل الأشعة الساقطة عليه 1، وتكون وضاءة الجسم الذي يمتص كل الأشعة الساقطة عليه صفر. وضاءة الصفائح الجليدية تتراوح بين 0.5 و 0.7، أما وضاءة المحيطات 0.06. مما يعني أننا أمام الوضع التالي: عندما يذوب الجليد عند القطبين سيزيد حجم المحيطات والبحار مما سيؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة ويضاعف سرعة ذوبان الجليد.

الاحتباس الحراري سيجعل المناخ أعلى حرارة، وسيؤدّي إلى حالات طقس أكثر تقلبًا وأكثر تطرفًا.

في عام 2014، ذاب 421 مليار طن من الجليد في جرينلاند والقطب الجنوبي، وإذا أردنا مقارنة حجم المياه الذي أُضيف للمحيطات ببركة السباحة الأولمبية المعتمدة ذات عرض 25 متر، وعمق 2 متر، فإننا نحتاج لبركة أولمبية بطول 8.3 مليار متر (أي 22 ضعف المسافة بين الأرض والقمر) لاحتواء كمية المياه الناتجة. ازدياد منسوب المحيطات والبحار سيؤثر بضراوة على المدن الساحلية. ستغرق مدن ساحلية بأكلمها في قارات مختلفة، كالإسكندرية (ومنطقة دلتا النيل) وميامي والبندقية وبومباي وطوكيو.

تمتص البحار والمحيطات الجزء الأكبر من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. يتفاعل أكسيد الكربون مع الماء ليكون حمض الكربونيك الذي يرفع حموضة البحار والمحيطات. حافظت المحيطات على درجة حموضة تبلغ 8.2 pH  لأكثر من 300 مليون سنة، لكنها انخفضت إلى 8.1 في القرنين الماضيين نتيجة الانبعاثات الكبيرة من غاز الكربون. الانخفاض بمقدار 0.1 يعني 25% زيادة في الحموضة. ومن المتوقع إن استمرت انبعاثات الكربون بمعدلاتها الحالية أن تصبح حموضة البحار والمحيطات pH 7.8  خلال 100 عام. هذا الارتفاع سيؤدي إلى انقراض ثلث الكائنات التي تعيش في البحار والمحيطات، خصوصًا الحيوانات التي لديها أصداف أو هياكل من الكالسيوم الحساس للحموضة.

تبعات الاتفاقية

حذر العلماء بأن الكرة الأرضية لن تبقى مناسبة للعيش كما نعرفها إن ارتفعت معدلات الحرارة أكثر من درجتين مقارنة بما قبل الثورة الصناعية. يقدر معظم العلماء (قبل اتفاقية باريس) بأن العالم يتجه لأن ترتفع درجة الحرارة بمقدار 4 درجات على الأقل بحلول 2100 إذا استمرت الانبعاثات الصادرة من نشاطات الإنسان بنفس المعدلات الحالية.

اتفاق باريس يحث الدول على العمل على الحد من ارتفاع درجات الحرارة درجتين مئويتين، مع التشجيع على محاولة إبقائها تحت 1.5 درجة مئوية. إلا أن علماء البيئة يتوقعون أن معدلات الحرارة سترتفع بمقدار 2.7-3 درجات مئوية إن التزمت الدول فعلًا ببنود الإتفاقية، والتزام الدول فعلًا ببنود الإتفاقية مستبعد بما أن الإتفاقية غير ملزمة.

التظاهر بالنصر سيكون له بعض الفوائد، منها تشجيع الاستثمار بحقول الطاقة المتجددة مما سيزيد الأبحاث المتعلقة بها ويطورها. لكن الخطر الأكبر لهذه الإتفاقية أنها ستُخدِر الوعي العام وتوحي للناس بأن الدول اتفقت على العمل للحد من الاحتباس الحراري، مما سيهمّش من أهمية متابعة النضال لأجل إنقاذ الأرض. لذا يجب علينا متابعة الضغط على حكوماتنا وحكومات الدول الكبرى من أجل اتخاذ إجراءات جذرية وحقيقية لخفض حجم الانبعاثات، ولنعمل على خلق انتصارات عبر التنظيم المجتمعي ومن خلال في مواقعنا كأفراد حتى نثبت أن هناك خيارات قادرة على التغيير مثل الطاقة البديلة والترشيد في الإستهلاك والاعتماد على المواد الصديقة للبيئة.