أسطول المواصلات العامّة في عمّان: نحو المزيد من المركبات الكبيرة

الأحد 28 شباط 2016

ترجمة إبراهيم الطراونة

(نشر هذا المقال في 17 شباط في مجلة فينتشر)

في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد استقلال المملكة، لم تكن عمّان على ما هي عليه الآن. كانت التجارة والأعمال متركّزة بشكل عام حول وسط المدينة، وكان الناس يسكنون التلال المجاورة لها.  كانت سيارات السرفيس كافية حينها لتغطية احتياجات النقل العام، حيث كان عدد السكان متواضعًا وموزّعًا بشكل مبعثر نوعًا ما، مما جعل هذه المركبات الصغيرة مناسبة، خاصة بسبب قدرتها على التجوال في شوارع عمان الجبلية والضيّقة.

نمت عمّان، وبشكل مفاجىء أحيانًا، خلال العقود التي تلت. توسّعت المدينة، خصوصًا إلى الشمال والغرب، ومعها شبكة الطرق، بينما لم تتطوّر المواصلات العامة بنفس الوتيرة ولأسباب عدّة. اليوم، لا تزال المركبات الصغيرة تحظى بالنسبة الأكبر في تركيبة أسطول النقل العام، فلدينا 3000 سرفيس و200 باص كوستر صغير بسعة 23 راكب، وهنالك حوالي 11000 تاكسي (مع أن التاكسي لا يعتبر من وسائط النقل العام، فإن طبيعة استخدامه في عمّان مماثلة لبقية وسائط المواصلات العامة). كلّ هذه الوسائط مجتمعة تفوق بشكل كبير عدد الباصات الكبيرة في شوارع المدينة، والتي تقدّر بــ300 باص فقط.

هذا يعني أن 60% من السعة المقعدية لشبكة المواصلات العامة في مدينة عمّان، بسكانها الأربعة ملايين حسب الإحصاء الأخير، هي من المركبات ذات السعة الصغيرة والمتوسطة.

إن هذا الوضع بعيد جدًا عن المثالية. لقد نمت عمّان لتصبح منطقة حضريّة كبيرة (metropolitan)، وبالرغم من أنها ليست بنفس الكثافة السكانية للمدن الأخرى في المنطقة وحول العالم، إلّا أنها تحتوي على كثير من المراكز ذات التجمعات السكانية وأماكن العمل المرتبطة مع بعضها بممرّات ذات سعة عالية. أي أنها تتمتع بخصائص تتطلب تقديم خدمات مواصلات عامة باستخدام مركبات ذات سعة عالية. إن انتقال باص واحد كبير من النقطة أ إلى النقطة ب هو أفضل من انتقال عشرة سرافيس من ناحية الفعالية والضرر على البيئة والازدحام وحتى السلامة المرورية على الطرقات.

ما نحتاجه هو هيكل مواصلات عامة منظّم وهرمي؛ تحتل فيه وسائل النقل الجماعية الكبيرة، أعلى الهرم، وتتبعها الباصات الكبيرة ثم المركبات ذات السعة الصغيرة كباصات الكوستر والسرافيس

لكن الحل لا يكمن ببساطة في استبدال كامل أسطول النقل العام بالباصات الكبيرة، فعمّان مدينة معقّدة من حيث التضاريس وتوزيع استخدامات الأراضي. ما نحتاجه هو هيكل مواصلات عامة منظّم وهرمي؛ تحتل فيه وسائل النقل الجماعية الكبيرة، مثل النقل السِكَكي والباص السريع، أعلى الهرم، وتتبعها الباصات الكبيرة ثم المركبات ذات السعة الصغيرة كباصات الكوستر والسرافيس (أو بدائل عنها). من شأن المستويات العليا أن تخدم الممرّات الرئيسية، بينما تغذيها المستويات الدنيا والتي تخدم بدورها الأماكن السكنية والتلال المرتفعة التي يصعب تغطيتها بالمركبات الكبيرة.

أظهرَ المخطط الشمولي للحركة والنقل لمدينة عمان عام 2008 بوضوح هذا المنهج. ورغم وجود الكثير مما يتعيّن القيام به، فقد بدأت أمانة عمّان الكبرى عملية إعادة الهيكلة هذه بإعادة ترتيب خطوط السرفيس في بعض الأحياء (بما تسميه «خدمة الأحياء»). إن إعادة الهيكلة هذه ليست بالعملية السهلة بسبب وجود تعقيدات تنظيمية مع مشغّلين قائمين يصعب بالغالب تغيير مسارات خطوطهم، ولأن على هذه العملية السير جنبًا إلى جنب مع توسيع شبكة المواصلات العامة وإضافة وسائط جديدة، وليس فقط إعادة ترتيب وهيكلة الوسائط القائمة.

إضافة إلى ما سبق، فإن تطوير هذه الهرمية يعدّ تحدّيًا صعبًا لأن عليها ألا تخلّ بنوعية الخدمة المقدمة. فالعديد من مستخدمي النقل العام في عمان يفضّلون المركبات الصغيرة (كالكوستر) لسرعتها ومرونتها وترددها العالي، لذا فإن زيادة عدد الباصات الكبيرة عليها أن تأخذ هذا بعين الاعتبار من خلال دعم للمشغلين يضمن زيادة الترددات.

عدد التبديلات، أي التنقل من مركبة إلى أخرى في الرحلة الواحدة، هو أحد الخصائص الأخرى لجودة الخدمة. فالهرمية لا تعني بالضرورة تجوّل الباصات في الطرق الرئيسية والسرافيس داخل الأحياء فقط، لأن هذا قد يتطلب من المستخدمين استخدام عدد أكبر من الوسائط قبل الوصول إلى وجهاتهم، لذلك يجب الوصول إلى توازنٍ بين التوزيع الفعّال للمركبات وجودة الخدمة سواء من حيث زمن الرحلة أو عدد التبديلات.

إعادة هيكلة أسطول مركبات النقل العام يجب ألّا  تقتصر على العاصمة وحدها؛ إذ عليها أن تتضمّن الخطوط الواصلة بين المدن الأردنية الأخرى وشبكات النقل العام داخل تلك المدن أيضًا.