رأي

سرفيس عمّان: فضاء متنقّل بين العام والخاص

الأحد 24 كانون الثاني 2016
taxi amman

كأفراد في مجتمع حضري عامل، فإننا نقضي وقتًا لا يستهان به في رحلات متنوعة داخل المدينة. وتبعًا، يأتي السؤال: هل يُعتبر ذلك الوقت قيمةً مهدورة علينا أن نقللها قدر الإمكان؟

شخصيًا، لم أمتلك حتى الآن سيارة خاصة ولذلك استخدمت المواصلات العامة، وكانت سيارات السرفيس عنصرًا مهمًا في خريطة تنقلاتي اليومية بين جبال وسط عمّان وصولًا إلى بعض الضواحي البعيدة نسبيًا عن وسط البلد. بدت رحلاتي رتيبة، ومملة، وكانت فكرة الالتصاق بأشخاص غرباء في سيارة تتسع لخمسة ركاب من ضمنهم السائق غريبة وغير مريحة.

لكن مع الوقت، ظهرت لرحلات السرفيس هوية هجينة بين العام والخاص، بدأت تطرد الرتابة وتجعل الرحلات مساحة للتفكّر والمراقبة، تتحول معها المشاهد البانورامية للمدينة من معتادة وغير مرئية إلى جزء من عملية فهم وتخيّل المدينة بالنسبة لي.

شدّت انتباهي التفاصيل في رحلاتي عبر السرافيس: إضافات سائق السرفيس إلى لوحة القيادة، ما عُلق على مرآة السيارة، يد المرأة الخمسينية التي تسبّح بواسطة أداة العد صينية الصنع، شاشة التلفون المحمول ومحادثة الشاب العشريني اللطيف مع حبيبته، الجمل الهجينة بين العربية والإنجليزية بلكنة آسيوية لعاملة تتناقش عبر الهاتف مع إحدى ربات البيوت على أنسب يوم لتقوم بتنظيف منزلها، الأصوات المنبعثة من الراديو، الأحاديث الفردية والجماعية بين الركاب، أصوات الشارع، سيارة أسطوانات الغاز، بائع الخضار، الأدعية التي تذاع قبل الآذان. تفاصيل وأصوات تلك المشاهد كوّنت في مخيلتي الشخصية سيناريوهات مختلفة للمشهد العام داخل سيارات السرفيس.

بدأت أقارن بين ما هو سائد في الحيّز العام عند المجتمع العمّاني وما يحدث عفويًا أو بشكل منظم داخل سيارات السرفيس. شكّلت مشاهداتي لتلك التفاصيل مفاتيحًا أساسية في تعريف هوية السرفيس التي جاءت معها قوانين غير مكتوبة تنظم بشكل أو بآخر العلاقات في داخله.

كل يوم هو عبارة عن رحلة للتعرّف على المزاج العام للمدينة بمساهمة أعضاء لحظيين وعفويين يظهرون كجزء أساسي في رحلتك.

تلك المشاهدات كوّنت عناصر المشهد اليومي في رحلتي من منزلي في جبل عمّان إلى مكان عملي في الشميساني، ومع محاولاتي لإدراكها وفهمها تحوّلت إلى مُشاهد صامت ومُتأمِل. ومع مرور الوقت أصبحت رحلاتي اليومية في السرفيس تتيح لي مساحةً للتفكّر في مشاهد يومية من حياة مدينة عمان وسكانها، في «فضاء ثالث» يجول المدينة.

الفضاء الثالث هو إضافة نظرية أدخلها المنظر الحضري إدوارد سوجا على التقسيم الكلاسيكي للفضاء إلى نوعين فقط، هما الفضاء الأول «المادي والمُدرك والملموس»، والفضاء الثاني «المُتَخيل والمُتَصور والمُمَثّل». يفسر سوجا مصطلح الفضاء الثالث بأن إدراك وفهم الأشياء يجب أن يأتي شاملًا: المجرّد والملموس، والحقيقي والمتخيل، والمعرّف والمتصوّر، والوعي واللاوعي، والحياة اليومية والتاريخ الذي لا ينتهي. فالفضاء لا يوجد منفصلًا عن الزمان. بالتالي، فإن الفضاء الثالث يأتي نتيجة عملية مستمرة للعلاقة بين الحقائق المادية الملموسة والخطاب كبناء ثقافي.

كانت تفاصيل العلاقات المختلفة للسرفيس هي أساس تكوين هويته المُدركة بنسبة لي. فالعلاقة بين الركاب داخل حدود السيارة، وعلاقة السيارة بما يحيطها من مركبات، وعلاقة المركبات بالشارع، وتلك الشوارع بالمدينة، أو الأحاديث العفوية اللحظية بين الركاب مع بعضهم البعض أو مع السائق أو أحاديث سائقي السرافيس عند إشارة المرور عبر سياراتهم، أو تلك الجمل المتقطّعة التي تسمعها عبر شبابيك السرفيس المفتوحة، كل ذلك الطيف من العلاقات خلق لدي الشعور بأن السرفيس، تلك السيارة البيضاء التي تتسع لخمسة أشخاص مختلفين، الجائلة للمدينة كوسيلة نقل مهمّشة، ما هي الإ مساحة تواصل غير عادية، وخطاب تبادل ثقافي واجتماعي بلا حدود، وفضاء ثالث يجول المدينة بهويته المتنوعة المتغيّرة تبعًا لمزاج عمّان وأهاليها.

قادني ذلك إلى التفكير بمقولة «عمّان مدينة تخلو من الفضاءات العامة». طبعًا، من وجهة نظر حضرية، فإن تلك المقولة تكاد تكون صحيحة، ولكن ماذا عن هذا الفضاء الثالث؟ هل يمكننا اعتباره فضاءً عاماً؟

في أساسيات تعريف الحيّز العام، تقاس عموميته بإمكانية الوصول إليه، سواءً الإمكانية الجسدية أو النفسية. هذه الفكرة توسّع بشكل كبير نطاق الفضاءات العامة المتاحة للأفراد، والتي لا تتطلب عضوية مسبقة أو تصاريح، كونها حيّزًا عامًا في المدينة. وبالتالي يمكن اعتبار وسائل النقل وخدماتها فضاءات عامة بالمعنى الكامل للكلمة.

ولكن هل يتحكم أفراد المجتمع بشكل ذلك السرفيس؟ هل يتبادل الركاب آرائهم وأخبارهم عندما يجتمعون من خلفيات وأصول مختلفة السرافيس المتنقلة في عمّان؟ فالفضاء العام لا يقاس فقط بعناصره المادية، بل هناك ما هو أعمق وهو الناحية الاجتماعية من الفضاء العام، وتشاركيته ومدى احتضانه لتفاعلات اجتماعية متنوعة بين مستخدميه.

جوابًا على هذا السؤال، يمكن القول إن هوية السرفيس المتغيرة تتحدد تبعًا المشاركين فيه. فمثلًا، امتدادًا للطابع الذكوري للحيز العام في المدينة، فإن الهيمنة هي لأصوات الرجال وأحاديثهم، مع مداخلات نسائية متقطعة. ومع تقدم المرأة في العمر يصبح وجودها وحضورها أقوى، حتى أن العديد من الرجال يهابون المجادلة أو النقاش مع النسوة الخمسينيّات. أما الشابّات العشرينيات فهن في الغالب صامتات أو يتحدثن عبر هواتفهن بصوت خافت، إلى أن يصبحن أكثرية.

تعريف هوية السرفيس أصبح هدفًا ثانيًا من رحلاتي اليومية بجانب التنقل. فكل يوم هو عبارة عن رحلة للتعرّف على المزاج العام للمدينة بمساهمة أعضاء لحظيين وعفويين يظهرون كجزء أساسي في رحلتك، فأنت في سيارة تتسع لخمسة أشخاص، لا تمتلك السيطرة الكاملة على شكل التواصل والتفاعل معهم أو مع من حولك في الطريق.

كل تلك المشاهد واللحظات تُخلق عفويًا ولحظيًا دون أي مقدمات، وهي وليدة تفاعل الحضور. هذا السرفيس المزدحم دائمًا المتغيّر باستمرار، تعاد فيه صياغة رحلتك من نقطة إلى أخرى داخل المدينة على شكل خطابات مختلفة كاشفة للحالة العامة للمدينة وسكانها. تلك السيارة أصبحت فضاءً عامًا بمعايير خاصة تكسر قوانين الحيّز العام في عمّان، المدينة التي لم يكتشف أهلها بعد معالم فضاءاتها العامة المميزة.