المدينة العربية: عمارة خارج السياق

بيروت، تصوير: Piotr Chrobot.

المدينة العربية: عمارة خارج السياق

الثلاثاء 16 كانون الثاني 2018

(نُشر هذا المقال بالإنجليزية في أيار ٢٠١٦ في مجلة Places بعنوان The Arab City).

في منطقة لطالما جرى الخوف منها والافتتان بها في آن واحد، بتْنا نشهد لأكثر من جيل تدمير المراكز القديمة وصعود أخرى جديدة.

في مجال العمارة، مثلما الحال في عدة حقول معرفية، أثار سؤال «ما العالمي؟» كثيرا من النقاشات في العقود الأخيرة، إلا أنها إجمالًا نادرًا ما ذهبت أبعد من الكليشيهات الحتمية. اختُزلت نواحي الجدال مرارًا وتكرارًا في تناقض بسيط بين «المحلي» و«العالمي»، ومُنحَت العمارة دور جَسْر الفجوة بين «التقليد» و«الحداثة»، رغم أن هذه الجدالات تغفل أن التقليد كفكرة بحد ذاتها حداثية للغاية. مؤخرًا، حفّزت هذه التناقضات على ما يبدو مقاربتين مختلفتين للغاية: من ناحية، شهدنا طيفًا واسعًا لمشاريع شديدة الرواج يتم تصوّر المباني فيها باعتبارها مجازات مبنية تمارس دور بناء العلامة التجارية بشكلٍ ما1. ومن ناحية أخرى، أثرت جدالات المحلي/العالمي اهتمامًا متجددًا بمزاولات[أ] [معمارية] متجذّرة اجتماعيًا: مزاولات تمتزج فيها المواد والعمالة والحرفة المحلية الأصلية مع تكنولوجيا غربية مستوردة، وكذلك تُحتضن فيها مفاهيم مثل «الأصالة» و«التراث» من دون وعي، إذ يتحدث مهندسو العمارة بجدية عن التعبير عن الخصوصية والاختلاف الثقافيَين.2

بلا شك، وبغض النظر عن الاختلافات في الحجم أو الغاية، عادة ما يكتنف المشاريع التي تنتُج عن تفاعل المحلي/العالمي دوافع أوسع؛ دوافع يمكن استيعابها بسهولة في مسعانا المتواصل لتصوّر وفهم العمارة بوصفها صورة، وهو ما يؤكد المعاني المتعددة «للتمثيل» في مجالنا. وبالفعل، يمكن لمفهوم التمثيل في العمارة أن يُشير ليس إلى فعل التخطيط أو المشاركة في المجتمع فحسب، بل أيضًا إلى قدرة المباني على أن تجسّد معنىً، أن تصبح أيقونيّة. يدفعنا هذا لنأخذ في اعتبارنا [تساؤلات مثل]: ما الذي يحدُث على أرض الواقع حين تلتقي المكاتب المعمارية العالمية بالسياقات المحلية؟ عندما يُوظف مهندسو العمارة لبناء هوية، سواء لمدينة أو دولة، مؤسسة أو شركة، فأي هُويات تُشيّد؟ وأي معانٍ تُمثّل؟ أي هامش مقاومة قد يدّعيه مهندسو العمارة؟ وبالأخذ في الاعتبار التوترات التي يمكن أن تنشب بين الصورة المُشيّدة والواقع المُعاش، هل يمكن للعمارة بأي حالٍ أن توجَد متجاوزةً السياق أو المضمون، متجاوزةً المكان أو المُخطط؟ 3     

القاهرة، 2009. [آندرو أ. شنودة]

بيروت، 2014. [بول سعد]

دبي، 2011. [إيربانو]

لا يوجد سياق اليوم لتقصي هذا الأمر أفضل من المدينة العربية. أُدرك، بطبيعة الحال، أنه من الخطورة بمكان تصنيف المدن على أسس إثنية ووضع ادّعاء بمفهوم واسع للغاية مثل «المدينة العربية». لكن مصطلح «العربي» يمكنه استحضار صور بعينها ويحمل بداخله طموحات فريدة؛ طموحات تُثير اليوم جيلًا جديدًا من مهندسي عمارة وعلماء تاريخ وباحثين لا يزالون بعناد متفائلين بقوة مفهوم «عربي» علماني وعابر للقومية وتقدُمي ومثقف. بهذا المعنى، يسمح لنا مفهوم «العربي» برؤية مدن معينة باعتبارها أكثر من «إسلامية» أو «عربية إسلامية»، وهي مرجعيّات هيمنت لفترة طويلة على الفضاء البحثي. في منطقة لطالما جرى الخوف منها والافتتان بها في آن واحد، بتْنا نشهد لأكثر من جيل تدمير المراكز القديمة وصعود أخرى جديدة. تُجسّد المراكز القديمة –بيروت وبغداد ودمشق والقاهرة– علاقة غنية ومعقدة مع الحداثة، تمثّل صراعًا واحتضانًا على حدٍ سواء، وتتجلّى ليس من خلال الفن والأدب والشعر والفلسفة والفكر السياسي فحسب، بل كذلك من خلال التجارب العمرانية والمعمارية التي دُشّنت عند مطلع القرن العشرين، خلال السنوات الأخيرة للسلالة العثمانية.4 بينما تُتيح المراكز الجديدة مدن الخليج الفارسي*: أبو ظبي ودبي والدوحة– ما قد يبدو على النقيض لوحة خالية، الأمر الذي نظر إليه بعض مهندسي العمارة الغربيين باعتباره غياب السياق.5

باتت السردية معروفة تمامًا: تُسارع مدن الإمارات العربية المتحدة بخطى حثيثة في انتقالها من التقليد إلى الحداثة. منذ عهدٍ قريب، كانت مأهولة ببدوٍ يجوبون الصحراء ويعيشون في خيام، والآن تُحكَم من قِبل قادة متبصّرين يسعون لمزاوجة الحداثة المفرطة بالتقاليد الدينية. هذه المدن السريعة تزخر بتجمعات لناطحات سحاب وأنماط معيشة مترفة ومؤسسات ثقافية على طرازٍ عالمي، وبذلك فهي تمثّل نقيضًا متناغمًا للمدن العربية الأقدم التي ترزح حاليًا بين مطرقة حكم شمولي متطرف وسندان صراع طائفي عنيف. لكن معطيات الواقع بطبيعة الحال أكثر تعقيدًا. إذ حتى وإن كنا نبتعد عن الصيغة الاستقطابية لصراع حضارات بين الشرق والغرب، فإننا نشهد رغم ذلك معركة محتدمة على النفوذ الإقليمي: من جانب، هناك مساعٍ تقدُمية لإدخال الحداثة؛ وعلى الجانب الآخر، نجد جهود محافظة للتحديث بدون ديمقراطية. إنها معركة تُعد فيها الإثنية والتقليد والهُوية الدينية أُسسًا لهويات جديدة عابرة للقومية تتراوح بين الاعتدال والتطرف، وفي هذه المعركة، تُستَخدَم العمارة والعقارات والبنايات والمدن بوصفها موضوعًا ورمزًا على حدٍ سواء.  

مدينة مصدر، أبو ظبي، فوستر وشركاؤه.

يسار: متحف الفن الإسلامي، الدوحة، إ.م. بيي. [كين بانكس]، يمين: اللوفر أبو ظبي، مخطط السقف. جان نوفيل.

كلية قطر للدراسات الإسلامية، مكتب مانجيرا يفراس المعماري.

في هذا السياق يُستدعى المهندس المعماري بشكلٍ متزايد ليلعب دور دبلوماسي داهية، ناسجًا بمهارةٍ التقليد مع الحداثة ومنتجًا مزيجًا من الدلالات لكليهما. في العقد السابق أنتجت هذه المقاربة مشاريع مثل خطة شركة فوستر وشركائه لمدينة مصدر في أبو ظبي، ومدينة إيكولوجية جديدة لرأس الخيمة من تنفيذ شركة OMA. تأثر كلا المشروعين بأحياءِ المدينة في المدن العربية القديمة ذات الكثافة العالية والارتفاع المتدني، والتي ألهمت بدورها بيان أليسون سميثسون عام 1974 حول نمط البناء «المُطفأ».6 تترجم مدينة مصدر بصفة خاصة لغة معقدة من الزخارف المعمارية الإسلامية إلى تطبيقات ذات تكنولوجيا عالية من أجل أداء صديق للبيئة، مثل استخدام «المشربية» لفرز وترشيح ضوء الشمس (وهي استراتيجية موجودة أيضًا في متحف اللوفر أبو ظبي، من تصميم المعماري جان نوفيل، وفي متحف الفن الإسلامي في قطر، من تصميم المعماري آي إم بي).7

في بعض الحالات انضوى مزج التاريخي مع المعاصر على إضفاء طبقة من فن الخط على أشكال جديدة وجريئة، مثلما نجد في كلية قطر للدراسات الإسلامية، من تصميم علي مانجيرا وأدا يارز برافو. وعلى نطاقٍ أوسع، تكاثرت الاستراتيجيات المجازية التي يوضع فيها تصور لمباني بأكملها لتُشير إلى أحد جوانب الحياة في الصحراء أو على الخليج. نجد أمثلة أكثر شهرة على ذلك في برج العرب، الفندق الفاخر في دبي، والذي صُمّم ليستدعي صورة شراع؛ ودار دبي للأوبرا، من تصميم الراحلة زها حديد، وهو مشروع يعود لعام 2008 ولم يرَ النور بعد** («يستدعي الشكل المتعرج بانسيابية صور الجبال أو الكثبان الرملية»)؛ ومركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية، من تصميم استديو Morphosis («تضرب الخطة الرئيسية للتصميم الجديد للمركز بجذورها في النموذج التاريخي لقرية الواحة»)؛ ومقترح شركة OMA لمطار جدة الدولي («تُطوّق كلٌ من البوابة الرئيسية والجناح الملكي، بتصميميهما على هيئة هلال، واحة داخلية يمكن لها أن تُكيّف لاستخداماتٍ عدة»)؛ ومتحف قطر الوطني من تصميم المعماري جان نوفيل (والذي «يبلور» الهوية القطرية، في «مبنى يظهر كأنه، مثل وردة صحراء، ينمو من الأرض ويكون جزءًا منها»).8

سباق هجن بقيادة روبوتات، الدوحة، قطر، 2012. [عمر تشاتريوالا]

هل من المبالغة عقد مقارنة بين العمران والعمارة الجديدة للخليج وتجدد ظهور رياضة سباق الهجن؟ لقد عادت الرياضة القديمة بقوة منذ ثمانينيّات القرن الماضي عندما قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والعائلة الحاكمة للإمارات العربية المتحدة بإعادة اختراعها وترويجها. وكما حاجج الأنثروبولوجي سُليمان خلف، كان ذلك جزءًا من «إحياءٍ ثقافيّ على نطاقٍ واسع»، في حملة طموحة لتشييد هوية الإماراتيّ بوصفها قوة ثابتة ومستمرة وسط تحوّل اجتماعي متسارع.

عمل اختراع ثقافة الهجن تلك، ضمن الاحتفال بمهرجانات الهجن السنوية، على عقد الصلات مع الماضي التاريخي لنمط العيش الرعوي للإماراتيّ، الذي محته عملية التحديث التي حفّزها وجود النفط. توفر هذه السباقات السنوية كذلك للمجتمع السياسي الإماراتي مسرحًا مشيّدًا بطريقة طقوسية من أجل الاحتفاء بأيديولوجيته وتقاليده الثقافية وقيمه الخاصة، عبر استدعاء موضوعات ورموز ومجازات ولغة وطنية.9

يمثّل الهجن بصورة واضحة نمط الحياة البدوية التقليدية؛ لكن مع حبكة عصرية، نجد أن الحيوانات لا يقودها بشر بل فرسان/روبوتات مصغرة ومُهندَسة بدقة، وهو ما يُعطي دلالة على احتضان الإمارات للتكنولوجيا الحديثة. هذا الجمع بين الهجن والروبوتات يُظهِر نَهْج العائلة الحاكمة المتبصّر في تنمية دول المدينة في الخليج: الحرص البالغ على توفيق القيم القديمة مع العالم المعاصر الذي تقوده التكنولوجيا، كل ذلك مع النهوض بتجربة ثقافية فريدة وخاصة تُعزز الهوية المحلية في زمن يسوده تجانس عالمي.

لكن حكام الإمارات لم يسعوا للمزج بين التاريخي والمعاصر فحسب؛ فالهوية التي سعوا لتشييدها هي أيضًا حصرية وإقصائية. إذ اعتُبِر أن المواطن الإماراتيّ الأصيل هو الذي ينحدر من السلالة النقية للبدو، وهُم الذين نُظرَ إليهم على أنهم السكان الأصليين للبلاد، أو الوطن الأم، والحاملين الحقيقيين لثقافته. لا شك أن هذه السردية المجتزأة والمتحيزة للغاية تغض الطرف عن الشعوب العديدة التي استقرّت –وهجّنت– الخليج على مرّ القرون؛ لكنها [أي السردية] عملت على طمأنة المواطنين الإماراتيين الذين يشكّلون اليوم أقلية داخل مدن المنطقة المزدهرة.10 وفق هذه الرؤية، ضُمّ جميع الأفراد من غير الإماراتيين –بدءًا من الجالية الغربية ذات الامتيازات مرورًا باللاجئين العرب ووصولًا عمال البناء من جنوب شرق آسيا– داخل فئة متعددة «لآخَر» لن يتم دمجه إطلاقًا.  

أثبت تطويع الموروث الثقافي أنه أداة فعّالة لإدارة الدولة الخليجية؛ الأمر ذاته ينسحب على نَهج مختلف تمامًا يُنظَر من خلاله لدول الخليج على أنها تتمتع بوضعية متجاوزة للتاريخ. في كتاب «دبي: المدينة بوصفها شركة»، يحاجج الأنثروبولوجي أحمد كَنا بصورة مقنعة بأن الإمارات كانت منخرطة فيما يسمّيه «استشراقًا عكسيًا». فمن خلال البناء على العمل التأسيسي لإدوارد سعيد في نظرية ما بعد الاستعمار، في كتابه «الاستشراق» –الذي يستقصي التاريخ الطويل من أشكال سوء فهم الغرب للعالم العربي وتحريف صورته والتصورات الغربية الجوهرانية عن منطقة متخلفة تسودها ديانات جامدة وثقافات بالية– يرى كنا أن مدن الخليج المعاصرة لا تزال تُصوّر على أنها خارج التاريخ والسياسة، لكن سبب ذلك لم يعد النزعة المحافظة بل الحداثة المفرطة.

هناك حبكة جديدة للقصة القديمة عن النظرة الاستشراقية وإضفائها لطابع ثقافي على تاريخ وسياسة الإمبراطورية. بحلوله في الخليج (وخاصة إلى دبي) في السنوات الأخيرة، يبدو الاستشراق وكأنه ينظر في المرآة. فبدلاً من أن تبدو كمجتمعاتٍ تقليديةٍ معلّقة في الزمن، أصبح هناك مناطق معينة في الخليج عند مطلع القرن الحادي والعشرين متطلعة إلى المستقبل وحديثة للغاية ومفعمة بالحيوية.11

وكما يُنظر إليها في المرآة المشوهة للاستشراق العكسي، فإن دول الخليج اليوم تُحرّكها رؤى مستقبلية خطّها عمرانيون ومطورون وأسماء لامعة في سماء العمارة. ويُعاد تخيّل دبي بوصفها مشهدًا خياليًا وبرّاقًا، وتجسيدًا في القرن الحادي والعشرين «لألف ليلة وليلة»؛ الحكاية التي ألهمت بصورة مشابهة رؤية المعماري فرانك لويد رايت لمدينة بغداد في منتصف القرن الماضي.12 وبطبيعة الحال، بالنسبة لبعض المراقبين، تقدّم أيضًا مدينة دبي الجديدة واللامعة مثالًا على وعد النيوليبرالية الريادية.13

بالنسبة المكاتب العالمية المكلفة بتصميم المباني والمدن –أي بصياغة الرموز– للمدينة العربية الجديدة، تُعتبر هذه السرديات المتنوعة قوية المفعول؛ أكثر إلهامًا بطبيعة الحال من معطيات الواقع اليومية للصحراء الشاسعة والمدن القديمة المتداعية والأسواق التجارية المبتذلة وأنماط الإسكان العادية المتفشية في الأحياء الواقعة على أطراف المدينة اللامعة.14 عبر دمج إعادة الإحياء المدروسة للممارسات الثقافية بتصور مستقبل مفرط الحداثة، ولد سياق جديد بالكامل يُدمَج فيه عصر ذهبي أسطوري من العمارة الإسلامية –وهوأرشيف مُعاد تكوينه ويجمع، بلا تمييز للمكان والزمان، بين مدن فاس وحلب، والقصور الأندلسية الخضراء، والمباني الذهبية لزمن الخلافة في بغداد، والأسطح الكاسرة للضوء لمساجد المعماريّ سِنان– مع الوعد بيوتوبيا متقدمة تكنولوجيًا. إنها رؤية مؤثرة، تبدو مستقبلية لكنها تحن إلى الماضي في الوقت ذاته، وهي تُصوّر نهضة إسلامية لا يعوق فيها الدينُ التقدمَ بل يمكّنه؛ إنها نهضة يصعد فيها نجم مجتمع مُحافظ بشدة، مدرك لانتمائه «لأمة إسلامية» جامعة –وهو مفهوم معقد ويقع تحت بؤرة الاتهام أكثر من أي وقتٍ مضى– ويأتي صعوده هذا في طليعة مستقبل عالمي ومتمدّن.  

اللوفر، أبو ظبي، مخطط، 2014، جان نوفيل.

وبطبيعة الحال فإن أنجح تجسيد معماري لهذه السردية هو متحف اللوفر أبو ظبي من تصميم المعماري جان نوفيل، الواقع على جزيرة السعديات والمُزمع افتتاحه في وقتٍ متأخر من العام الحالي***، بعد سنواتٍ من البناء. يتكون المتحف، المستوحى من الأنماط العضوية للمدن التقليدية، من سلسلة من الغرف تأخذ حجم مبنى، توحّد علاقاتها غير الهرمية قبة مسطحة ضخمة (تشبه في حجمها ساحة Cour Carrée في متحف اللوفر بباريس). وتعمل القبة المكونة من عدة طبقات مثقبة، ذات الأنماط الكُسورية ثلاثية الأبعاد، على ترشيح الضوء من أجل خلق فضاءات صغيرة مغطاة بسُحُب شاعرية، لتعطي إيحاءً بأشعة الشمس التي تتخلل أوراق النخيل في الواحات، وبأشعة الضوء المنكسرة على الأسطح المزخرفة للمساجد. أو كما وصفها أحد شركاء نوفيل، «إن أشعة النور المشتتة كالمطر مظهر تجده في السوق العربية». إن متحف اللوفر أبو ظبي مبنى جميل، وجان نوفيل، كما يعلن عن نفسه منتميًا للمدرسة السياقيّة، ليس في وسعه إنتاج عمل فني رديء؛ فحنكتِه تجعله استشراقيًا من الطراز الرفيع. لنتذكّر أيضًا تصميمه مبنى معهد العالم العربي، في باريس، حيثُ تمنح واجهة المبنى الممكننة والمكونة من عدسات حساسة للشمس ترجمةً متعددة الطبقات للأنماط الهندسية الإسلامية، [أي تعبيرًا عن] الرؤية بوصفها إبصارًا وتجربة على حدٍ سواء.15 

إذا كانت المكاتب المعمارية العالمية تخلق عمارة نموذجية في مدن الخليج الناشئة، فما المشكلة إذًا؟ إحدى المشكلات أن المزيج المثير للرموز والمجازات –المدينة والواحة والسوق– يُنتج في كثيرٍ من الأحيان معاني وخبرات مختزلة؛ إذ يمكن أن يدفع، ولو بدون قصد، إلى نوع من النزعة الجوهرانية التي، كما حاجج إدوارد سعيد ببلاغة، ليست مُسيئة في صورها التمثيلية فحسب، بل هي أيضًا أداة لتكريس أنماط الاستعمار. ومشكلة أخرى أعمق هي أن العمارة الجديدة في كثيرٍ من الأحيان تضرب بجذورها في نزعات إسلامية جامعة تطمس تمايزات وتعقيدات الفن المتموقع جغرافيًا والمزاولات المعمارية.16 هل من الملائم حقًا، أو من «السياقيّ»، استخدام إبداعات معمارية استُحدثَت في اسطنبول بالقرن السادس عشر، إبان عهد كان فيه سِنان هو كبير المهندسين المعماريين للإمبراطورية العثمانية، ومواءمتها مع مدن صحراوية مثل الدوحة وأبو ظبي، وكأن هذه الإبداعات تنتمي لتقليد واحد في العمارة الإسلامية، وبصرف النظر عن التباينات في المكان والزمان، وفي السياسة والاقتصاد، وفي درجة التعقد التكنولوجي والتقدم المادي؟ في كثيرٍ من الأحيان تُروّج فكرة «العمارة الإسلامية» في محاولة لتوحيد منطقة جغرافية تمتد من تركيا وسوريا مرورًا بالعراق وحتى الإمارات، من أجل تعزيز مفهوم غريب هو الشعب والأمة والإمبراطورية الإسلامية. النتيجة المتوقعة هي الإحلال الثقافي؛ بل يمكن القول أن إحدى العواقب أيضًا إنتاج ديستوبيا داعش، التي تستخدم مفهومًا مُعمّمًا بصورة فجة عن إمبراطورية إسلامية أسطورية –خلافة عالمية– في محاولة لشرعنة أساليبها الوحشية. لا غرابةً إذًا في أن هذه الأساليب تتضمّن تدمير الآثار القديمة التي يُنظر إليها على أنها «هجينة» أو دَنِسة.

هذا النوع من التعامل بنزعة جوهرانية مع العمارة الإسلامية –والهوية الإسلامية– يمكن أن يصعّب مهمة تصور البدائل. أدى التركيز اللامتناهي وشديد الجلبة على مظاهر الثقافة الإسلامية –سواء في الفضاء البحثي أو الثقافة الشعبية أو الخطاب المعماري، أو حتى في المباني والمدن– إلى إضعاف القدرة على إدراك خطابات أكثر تفصيلًا ودقة، سَعَت إلى بناء بلدان عربية حديثة وتقدُمية وعلمانية. (هذا الفهم الأكثر ثراءً هو الذي بُعثَ حيًا للحظة موجزة مفعمة بالأمل في شوارع القاهرة إبان الربيع العربي)17بالرغم من ذلك، دفعت الجهود لاستعادة هذه السردية الأكثر تعقيدًا بالكثير من الممارسات الفكرية والسياسية والفنية في المنطقة في العقدين المنصرمين، وهي ممارسات ساءَلت استخدام الهُوية كعدسة تفسيرية. تُعد دراسة «الفكر والسياسة في العالم العربيّ»، للاقتصادي والسياسي اللبناني جورج قرم، إحدى هذه الأعمال الحديثة والهامة.18 بدافع إحباطه من مآل الربيع العربي، يتتبّع قرم تطوّر الفكر السياسي العربي والإسلامي في اشتباكه مع الحداثة منذ عام 1850 وحتى اليوم، في معالجة تنفض الغبار عن تاريخٍ ثريّ ضمّ مصلحين دينيين مثل الكاتبَين الشيخ رفاعة الطهطاوي وطه حسين، اللذَين نشآ في جامعة الأزهر بالقاهرة، إلى جانب مفكرين علمانيين مثل ياسين الحافظ ومهدي عامل والشاعر أدونيس ومي زيادة والاقتصادي سمير أمين، على سبيل المثال لا الحصر. بهذه الطريقة يجمع قرم أرشيفًا غنيّ المصادر يتصدى لثنائية «الجهاد في مقابل عالم ماكدونالدز»، التي صيغت لأول مرة منذ عقدين على يد بنجامين باربر وهيمنت منذ حينها على البحث المعرفي والخطاب المعماري.19 يُشكل النتاج المعرفي واسع النطاق لجورج قرم مصدرًا بالغ القوة لتأثيرات جديدة على العمارة المعاصرة في المنطقة، متيحًا رؤى مغايرة تمامًا لتلك التي تتبناها الأنظمة المحافظة التي عادة ما تُكلّف المكاتب المعمارية العالمية بخدمتها.  

تعمل بعض المنظمات بالفعل على توسيع أرشيف الإمكانات البديلة تلك. إذ تضم المؤسسة العربية للصورة، التي تأسست عام 1997 ببيروت، بين جنباتها تشكيلة متزايدة من أكثر من 600 ألف صورة التقطها بين عام 1850 و1950 –فترة النهضة العربية– مصورون محترفون وهواة ومجهولون. تعرض الصور طيفًا واسعًا من موضوعات وفنون وأساليب تصوّر الحياة اليومية إبان عهد من النمو المتسارع والتفكير التقدّمي والتفاؤل الكبير. ومع أن المؤسسة العربية للصورة حدّدت مهمتها في إلقاء الضوء على مهنة التصوير، إلا أنها تُدرك أن «المشاريع البحثية تلك تُثير، لا محالة، تساؤلات حول كيفية استخدام الصور أو علاقاتها مع مفاهيم مثل الهوية والتاريخ والذاكرة». تأوي المؤسسة مجموعات هامة –مثل مجموعة «المركبة» لأكرم الزعتري، والتي تأخذنا في جولة داخل ألبومات عائلية لتلقي الضوء على «تغلغل الحداثة داخل العالم العربي من خلال تمثيل المركبة»؛ أو مجموعة «الفنون والألوان»، والتي تصوّر «زمن من النمو الاقتصادي، وحفلات «هولا هوب»، وتصفيفات شعر بطريقة خلية النحل، والبيتلز»؛ أو مجموعة المعماري العراقي رفعت الجادرجي، والتي توثّق، من خلال عدسات مبانيه، نهضة بغداد الفكرية والفنية في منتصف القرن العشرين– وتقدّم المؤسسة، من خلال هذه المجموعات، الحداثة العربية بوصفها حالة معقدة ومتعددة الأوجه. بالنسبة لمهندسي العمارة فإن مجموعة الجادرجي خاصةً تبوح بالكثير؛ إذ توثّق عهدًا كان مهندسو العمارة العراقيون والشعراء والكتّاب يختبرون فيه الأفكار والأساليب الحداثية، ويهجّنوها ليس مع المرجعيات الإسلامية بل مع خليط لعوب من الأصول البابلية والخطاب النقدي المعاصر. (وحتى حسن فتحي، الذي جاءت فلسفته في التصميم لتضرب مثلًا في العمارة الإقليمية، لم يستند قط إلى الزخارف الإسلامية في أعماله عند منتصف القرن مثل مشروعه الرائد لعام 1958 في الجرنة الجديدة، بل نسج ببراعة أشكالًا حداثيّة مجردة مع أيقونات فرعونية). وفي هذه الحقبة أيضًا –في مرحلة مبكرة من تاريخ المزاولة العالمية– التقى مهندسو عمارة موهوبون مثل محمد مكية وهشام منير مع زوّار لامعين من بينهم والتر غروبيوس وخوسيه لويس سرت ومارسيلو دي أوليفو.20

مقر شركة كهرباء لبنان، ج. عرقتنجي، ج. ناصر، ب. نعمة، وج. ن. كونان (CETA). بيروت، لبنان، 1965-1972، المركز العربي للعمارة، مجموعة بيير نعمة.

ساعد احتضانُ الحداثةِ البلادَ العربية على التحرر من قيود الاستعمار وبناء مؤسسات مستقلة.21 وفي ضوء ذلك، تتصدى كتابات مهندسي العمارة والمنظّرين العمرانيين والباحثين في القرن العشرين لفكرة أن الحداثة جاءت بوصفها فرضًا وإلزامًا، لتوضح بدلًا من ذلك أن المدن تبنّتها بطرقٍ فريدة كلٌ على حدة (من الناحية المعمارية والنواحي الأخرى).22 بغية توطيد هذه السردية البديلة، بذل المركز العربي للعمارة، منذ انطلاقه عام 2008 من مقره في بيروت، جهودًا مضنية لبناء مجموعات من المباني والمشاريع في وسائط مختلفة، من بينها الصور والرسومات والنصوص. (يجري رقمنة هذه الوثائق القيّمة تدريجيًا وإتاحتها على الإنترنت). وكما هو الحال مع الصور التي تجمعها المؤسسة العربية للصورة، تتحدى مجموعات المركز العربي للعمارة الفروق البسيطة التي كثيرًا ما نُقيمها بين المباني العامة والتصاميم الرائعة، وبفعلها ذلك فهي تكشف عن تعقيدات المشروع الحداثي في المدن العربية. ومثل المؤسسة العربية للصورة، يتتبّع المركز العربي للعمارة بعناية فائقة القائمين على المشاريع، ويوثّق أوجه التعاون بين مهندسي العمارة المحليين والدوليين وكذلك بين المقيمين الدائمين والمؤقتين في المنطقة. سنُشير إلى مثال واحد فقط: مجموعة من المعماريين والمهندسين الفرنسيين واللبنانيين، يمارسون عملهم تحت اسم CETA، كانوا مسؤولين عن تصميم المبنى الأنيق لكهرباء لبنان (1965 – 72) في بيروت. تبرز أهمية هذا التوثيق عندما نلتفت لحقيقة أن جانبًا كبيرًا من الإرث المبنيّ دُمّر جرّاء النزاعات أو التطوير، سواء وقع في حالة تلف كامل أو جرى بهرجته بلمسات استشراقية وبتلك المظاهر المعتادة للاستعارات الهوياتية المثيرة للاكتئاب.

إن الجهود التوثيقية للمؤسسة العربية للصورة والمركز العربي للعمارة قد طال انتظارها؛ إذ بزيارتك المراكز القديمة لبيروت والقاهرة ودمشق وبغداد سوف ترى دحضًا لفكرة الثقافة «الأصيلة» التي أُزيحت بوحشية جرّاء تلاقيها مع الحداثة «الأجنبية».23 حتى يومنا هذا ترحّب هذه المدن بأفكار متنوعة وتدمجها، وهي تفعل ذلك بدون أن تشعر بأنها في موقفٍ دفاعي. بل إننا، عوضًا عن ذلك، نجد في مدن الخليج الفارسي التقليد والحداثة يأخذان وضعًا متعارضًا. حاز هذا الاستقطاب في الماضي زخمًا كبيرًا لأول مرة في وقتٍ متأخر من ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين، عندما شرعت الدول النفطية الصاعدة لشبه الجزيرة العربية في تطوير مراكز قوى إقليمية.24 وعلى سبيل المثال، وجدت المملكة العربية السعودية ضالتها في مهندسي عمارة يابانيين رائدين، لديهم من احترام للتقليد والالتزام بتمثيل الهوية الوطنية من خلال العمارة ما جعل منهم شركاء مرغوبًا بهم لإنشاء مشاريع معاصرة خلّابة خدمت أجندات سياسية واجتماعية محافظة. من العمدان الأنيقة لمطار الظهران الدولي، من تصميم مينورو ياماساكي (1961)، إلى المباني العديدة التابعة للدولة من تصميم كنزو تانغه، بما فيها القصر الملكي السعودي في جدة (1980 – 83) ومؤسسة الملك فيصل في الرياض (1976 – 84)، تستعير الكثير من هذه العمارة زخارف شرقية أو بدوية أو «إسلامية» متنوعة –أسطح مزخرفة وفتحات مقوسة وأفنية وإطلالات مدينية قديمة وهياكل مستوحاة من الخيام– من أجل الإيحاء بتزاوج الأصالة الإقليمية مع الدولة المستنيرة.

يسار: محطة مطار الظهران، مينورو ياماساكي. يمين: محطة الحج في مطار الملك عبد العزيز الدولي، جدة، 1983، شركة SOM.

مطار الملك خالد الدولي، الرياض، 1983، شركة HOK.

خلال العهد نفسه، عقدت تحالفات بين حكام إقليميين وشركات نفط وإنشاءات تابعة للولايات المتحدة (مثل أرامكو وبكتل) نتج عنها تعاقدات مع شركات معمارية أميركية. ومثل المكاتب اليابانية، تبنّت الشركات الأميركية نهجًا زاوج القيم المحافظة مع التكنولوجيا المتقدمة. كان من بين المشاريع الناتجة عن ذلك المصرف التجاري الوطني في جدة، من تصميم شركة SOM المعمارية (1977 – 84)، الذي مزج التجريد المعاصر مع أنماط شرقية وأفنية؛ ومطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة (1982)، من تصميم نفس الشركة، والذي يتضمن بوابة الحج، المخصصة للحجاج؛ وجامعة الملك سعود في الرياض (1984) من تصميم شركة HOK، ومطار الملك خالد الدولي (1975 – 84)، وهو أيضًا في الرياض وصُمم بشراكة مع شركة بِكتل (Bechtel).

لم تقتصر هذه التمثيلات للتقليد والحداثة –التي لطالما كانت تمثيلات للاصطناع والتركيب بدلًا من أن تكون وساطة فعلية بين الماضي والمستقبل– على العمارة فحسب، بل امتدت لتتجلّى في التخطيط العمراني.25 إذ تفشّت في كافة أرجاء المنطقة مجتمعات مسورة (كومباوندات) على هيئة ضواحي للمدينة لتحلّ مَحل الأنماط المحلية للتجمعات العمرانية الكثيفة. في وقتٍ مبكر يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، شرع تكتل السعودية والولايات المتحدة الذي سيُصبح فيما بعد شركة أرامكو في بناء بلدات للشركات –كومباوندات مسوّرة– من أجل موظفيها، مقدمة رؤيا بالعيش المريح في الضاحية كوسيلة لجذب أميريكيين من الطبقة الوسطى لقضاء عدد من السنوات في الصحراء العربية. هذه المنازل المنفصلة والحدائق المحيطة قلبت نمط السكن المحليّ، أي المنزل ذي الفناء الذي تتجمّع فيه الغرف حول صحن مفتوح، والذي تطوّر بحيث يراعي ويعكس علاقات القرابة والقبيلة. على مرّ السنوات، وبينما أنشأت أرامكو كومباوندات مشابهة لطاقم موظفيها العرب –رغم انفصالها عن تلك المخصصة للموظفين الغربيين– عانت الشركة من أجل إدماج النساء في قوة العمل وجذب العملاء عبر برامج تمليك المساكن، والتي كثيرًا ما نظرت إليها النساء العربيات على أنها عازلة اجتماعيًا.26 يبدو اليوم واضحًا أن تلك التجارب المبكرة في تعزيز نمط المعيشة وخلق بلدات خاصة بالشركة قدّمت نموذجًا قابلًا للنسخ على المحاولات المعاصرة لدول الخليج لترويج المجتمعات الخاصة الراقية المحاذية لمعسكرات بعيدة عن الأنظار للعمال المهاجرين.  

جناح البحرين، بينالي البندقية، 2014. [عن برنارد خوري، تصوير لدفينو سيستو ليغناني].

كل هذه السرديات –الحداثات المتصارعة؛ الإرث الثقافيّ المنسيّ؛ التحوّل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي– كانت متشابكة بقوة في جناح دولة البحرين بمعرض بينالي البندقية للعمارة عام 2014. بتنسيقٍ من المعماريَين جورج عربيد وبرنارد خوري، اتخذ «الأصوليون وغيرهم من الحداثيين العرب» شكل أرفف مستديرة في مكتبة مليئة بآلاف النسخ لنفس الكتاب الذي وثّق مشروعات معمارية كبيرة أُقيمت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 1914 و2014. وبذلك يمكن قراءة الكتاب بوصفه بيانًا لقدرة المنطقة لا على «تشرّب الحداثة» فحسب –بالاقتباس من جدول أعمال الفعالية بأكملها للمنسق رِم كولهاس– بل أيضًا على تطويع اللغة العامة للحداثة إلى جانب طموحاتها الاجتماعية التعميمية من أجل خلق أشكال محددة وخلّاقة من التكيّف الرسمي. يستطيع زائر الجناح تصفح كتاب المشروعات وهو يجلس حول مائدة مستديرة، بينما تُعرَض مرارًا وتكرارًا على القبة البيضاء في الأعلى نفس الصورة لرجل يرتدي زيًا أبيض وتبدو عليه النشوة وهو يقوم بحركات تشبه الصلاة. أو على الأقل كان ذلك الافتراض القائم، بما أنه كان يتحدث العربية؛ كان المتحدث في حقيقة الأمر يردد أسماء البلاد التي اختيرت منها المباني. بهذه الطريقة أثار المنسقون في الأذهان حالة التوتر الممتدة بين قومية عربية تقدمية وحداثية من ناحية، وأخرى محافظة إسلامية من ناحية ثانية، رغم أن الجناح عمل على تقويض هذه الثنائية.  

ظلت هذه الرغبة لمقاومة السرديات الأحادية أو التبسيطية، واكتشاف التواريخ والمعاني المتعددة، تحفز مهندسي العمارة في المنطقة، وفي لبنان على وجه الخصوص، حيثُ دار الكثير من هذا الجدل أثناء الحرب الأهلية وفي أعقابها عند إعادة إعمار وسط بيروت.27 إلا أن العاصمة اللبنانية كانت شاهِدة وعِبرة لمن يعتبر ضمن الملحمة المستمرة لسوليدير. حملت الشركة الخاصة التي قادت ولا زالت تشرف على إعادة إعمار ما بعد الحرب لوسط بيروت اسم سوليدير، وهي لا تعكس الانتقال من مراكز القوة والنفوذ القديمة إلى تلك الجديدة في الخليج فحسب، بل أيضًا إعادة تشكيل قومية عربية علمانية للسردية المهيمنة عن هويات دينية مُحاصَرة.  

ساحة الشهداء، بيروت، حوالي 1950. [عن صفحة Old Beirut].

بيروت، ساحة الشهداء، خلال عمليات إعادة التطوير. [عن سوليدير].

فندق سان جورج، بني خلال العشرينيات وظل لعقود رمزًا لكوزموبوليتانية بيروت. تضرر خلال الحرب الأهلية، ولا تزال إعادة تطويره مثار جدل. [آلان ليونارد].

تأسست سوليدير عام 1994 على يد رئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري، وهو رجل عصامي صعد إلى السلطة وحاز ثروته كمتعهّد رئيسي لأعمال الملك فهد أمير المملكة العربية السعودية، وسرعان ما أصبحت الشركة مثالًا للمنطقة وما وراءها، وألهمت غيرها من شركات التطوير العقاري الجديدة من مكة إلى مومباي.28 وبرغم المقاومة التي لاقتها ممارسات الشركة –من الاستخدام الجائر لحق الاستملاك العام، مرورًا بممارسة الضغوطات لمصادرة حقوق الملكية، وحتى إعادة ترسيم خطوط الملكية من أجل جمع قطع أراضي كبيرة للتطوير– إلا أنها هيمنت على المشهد؛ الأمر الذي أدى إلى تدمير فاق بمراحل ما فعلته الحرب الأهلية.29 وفي حين كتب مهندسو العمارة والباحثون اللبنانيون بصورة واسعة عن «إعادة تطوير» سوليدير للعاصمة، التي لا تعدو كونها عمليات تنقيح سياسي للتاريخ، تبقى التأثيرات الأعمق غير مطروقة. بُغية إعادة إحياء بيروت كوجْهَة سياحية، باعتبارها –مرة أخرى– «باريس الشرق الأوسط»، أزيلت بعض المباني وجرى تدمير البعض الآخر، وحوّلت سوليدير وسط المدينة المتماسك الذي يعجّ بالحركة –بطبقاته التاريخية الدينية والعلمانية، القديمة والجديدة– إلى منطقة من الأيقونات، حيثُ تم استكشاف عدة مساجد وكنائس ومعبد واحد وحُفِظَت جميعها على هيئة أطلال، ومُحيَ مشهد المدينة الحافل.30 وأضحت تلك المباني الدينية كليشيهات لا معنى لها، بعد أن تحوّلت إلى معالم أثرية قائمة بذاتها، وأُفرغَت من الحياة المزدحمة والتعاملات اليومية اللانهائية التي شكّلتها.31 وعبر اللجوء لفكرة «حفظ الذاكرة» كتبرير لأفعالها، شيّدت سوليدير عوضًا عن ذلك منتجًا من وحي الخيال: التعددية الدينية باعتبارها الأساس الممكن والوحيد للهوية اللبنانية. اليوم، ومع وجود تلك الأيقونات الدينية التي تزيّن جادات التسوق الراقية –وهي في ذاتها تحمل طابع هوسماني**** وعثماني متبدّل– أضحى وسط مدينة بيروت وجهة فعلية للسياح الخليجيين والسعوديين الأثرياء (ومدينة أشباح كلما أعلنت تلك البلاد أن المدينة غير آمنة للسفر إليها). لم يعد السياح اليوم يرون أي دليل على تاريخ المدينة السحيق، بما في ذلك تفاعلها المعقد مع الحداثة، بل يجدون بدلًا من ذلك تصويرًا حثيثًا وأحاديًا لنزعة محافظة دينيًا بمحاذاة تصوّرات عمرانية مستقبلية «حالمة» ومدفوعة بقوى السوق.  

هذا الفهم المركّب والمشروط للمدينة العربية هو ما يثبت لنا بكل وضوحٍ استحالة وجود العمارة، بأي معنى من المعاني، خارج سياقها أو بتجاوزه. من الجليّ أيضًا أن السياق ليس كتالوجًا متجانسًا من أدواتٍ رسميةٍ جاءت لتمثّل «المدينة العربية» في جزء كبير من العمارة المعاصرة. وإنما هو تاريخ متعدد الطبقات ومعقد وفوضوي، يجمع بين الديني والعلماني، والحديث والتقليدي، والمحلي والعالمي، عوض إقامة التناقضات بينها. تشترك مشاريع مثل متحف اللوفر أبوظبي وإعادة إعمار بيروت في الملحمة الكبرى للعمارة العالمية والتطوير العمراني، وهي بدورها لا تبرز عجز مهندسي العمارة في وجه رأس المال العالمي فحسب، بل أيضًا القدرة المتواصلة للمباني على تجسيد الأفكار، وإنتاج المضمون، ونحت السياق. في زمن تسوده الصراعات المدمرة وعمليات التهجير، يصبح من الملحّ أن يساهم مهندسو العمارة في فَهْم أنضج لأوجه التعقيد التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية؛ للمفاهيم التي نطوّعها، والمضمون الذي ننتجه، والسياقات التي ننحتها: هذه أمور هامة. باعتبارها موقعًا متخيلًا وواقعًيا على حدٍ سواء، تقع المدينة العربية عند تقاطع كثير من القضايا التي هي على المحك اليوم بالنسبة للعمارة.

  • ملاحظات المحرر

    – هذه المقالة هي نسخة معدلة من فصل «المدينة العربية في التمثيل» من كتاب «المدينة العربية: العمارة والتمثيل» (The Arab City: Architecture and Representation) الصادر عن دار كولومبيا لكتب العمارة والمدينة بتوزيع دار جامعة كولومبيا. نشر المقال في مجلة Places بموافقة الكاتبة والناشر.

    – آمال أندراوس هي عميدة كلية الدراسات العليا للعمارة والتخطيط والترميم في جامعة كولومبيا وشريكة مؤسسة في شركة WORKac المعمارية.

  • ملاحظات المترجم

    * بحسب تسمية الكاتبة.

    ** افتُتح المبنى في وقتٍ متأخر من العام الماضي، أي بعد كتابة المقال.

    *** تمّ افتتاحه في 8 تشرين الثاني 2017 كما وافتتح أبوابه للزوار في 11 تشرين الثاني 2017 (ويكيبيديا).

    **** نسبة إلى المخطط الهوسماني لمدينة باريس.

  • الهوامش

    [1] حققت عبارة «مزاولة عالمية في العمارة» على محرك بحث جوجل يوم 7 مايو 2016 عدد 221,000,000 محاولة بحث. أبرز النتائج الحديثة شملت «قمة ريادة الأعمال AIA 2015: مزاولة عالمية»؛ الموضوع الرئاسي في AIANY 2013 «مدينة عالمية/مزاولة عالمية»؛ والاجتماع السنوي ACSA 2014 «عولمة العمارة/ تدفقات وانقطاعات». من أجل مقاربة أكثر نقدية للمكاتب العالمية المعاصرة، يمكن الاطلاع على موقع «مَن يبني عمارتك؟»، بإدارة مابيل ويلسون وكادامباري باكسي من جامعة كولومبيا. للاطلاع على نقد للمعارضة المستقرة «للتقليد في مقابل الحداثة» ،انظر/ي تيموثي ميتشل «The Stage of Modernity»، في كتاب Questions of Modernity, ed. Timothy Mitchell (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2000), 1-34. لمزيد حول تطويع العمارة في بناء الهوية، يمكن الرجوع إلى إسهام روبرت سومول في «12 Reasons to Get Back in Shape,» in Content, ed. Rem Koolhaas (Cologne: Taschen, 2004). وكأمثلة على تطويع العمارة في بناء الهوية، يمكن الاطلاع على الاستاد الأوليمبي، أو «عش الطير» في بكين، من تصميم هيرزوج أند دي ميرون، ومبنى REN في شنجهاي، من تصميم BIG، على هيئة الشخصية الصينية «للفرد».

    [2] انظر، على سبيل المثال، دافيد أدجاي، متحدثًا عن تصميمه لمبنى متحف Aïshti في بيروت: «مع هيكله الأنبوبي من الألومنيوم المنفذ على المبنى باعتباره هيكلًا خارجيًا، وتغلف واجهته الحمراء المميزة المبنى بستار متعدد الطبقات والأشكال، لتعيد إلى الأذهان الشكل التقليدي للأعمال الخشبية المثقبة للعمارة العربية». فيليب ستيفنز، «الكشف عن الصور الأولى تصميم دافيد أدجاي المكتمل لمتحف Aïshti»، Designboom, October 30, 2015. انظر أيضًا بيان جائزة آغا خان للعمارة، التي بينما تروّج للأعمال الهامة في حفظ التراث، لكنها أيضًا تسعى للذهاب ما وراء معيار الهوية الإسلامية. وانظر كذلك Poul Erik Tøjner, Michael Juul Holm, and Mette Marie Kallehauge, eds., Arab Contemporary: Architecture & Identity (Humlebaek: Louisiana Museum of Art, 2014).

    [3] انظر/ي Reinhold Martin «Financial Imaginaries,» in Mediators: Aesthetics, Politics, and the City (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2014).

    [4] اشتُهرت الإمبراطورية العثمانية باعتبارها «رجل أوروبا المريض»، وهو التوصيف الذي عمل أيضًا كمبرر لتفككها بعد الحرب العالمية الأولى وما تلى من استعمار لأراضيها السابقة. كانت عملية التصنيع في حقيقة الأمر قد بدأت تحت الحكم العثماني بالفعل؛ ومن ذلك مثلًا، إنشاء خط السكك الحديدية الألماني-التركي الذي وصل بغداد بأوروبا، والذي جلب مواد وتقانات جديدة (مثل طريقة البناء بالهياكل المعدنية)  إلى الإمبراطورية.

    [5] انظر/ي حسن فتاح، «Celebrity Architects Reveal a Daring Cultural Xanudu for the Arab World,» The New York Times, February 1, 2007. يتحدث في المقالة فرانك جيري، وهو المهندس المعماري لمتحف جونجهايم أبو ظبي، عن جزيرة السعديات، قائلًا: «يشبه الأمر صفحة بيضاء نظيفة في بلد غني بالموارد. إنها فرصة لعالم الفن والثقافة لا تتوفر في أي مكانٍ آخر لأنك تبني منطقة معزولة صحراوية من دون المعوقات السياقية للمدينة».

    [6]  Alison Smithson «Mat Building: How to Recognize and Read It,» Architectural Design 44, no. 9 (1974): 573.

    [7]  انظر «Masdar Institute / Foster + Partners,» Archdaily, November 23, 2010, and Laurie Balbo «Modern Mashrabiya is Arab Architecture Made in the Shade,» Greenprophet, June 25, 2010.

    [8] من أجل موجز مقنع عن هذا التوجه، انظر A. J. Armatel, «Hey Middle East: Enough with the Regional Architectural Clichés, Already,» CityLab, August 16, 2013. وانظر أيضًا Tøjner, Holm, and Kallehauge, Arab Contemporary .

    [9] سليمان خلف «Camel Racing in the Gulf: Notes on the Evolution of a Traditional Cultural Sport,» Anthropos 94 (1999): 85-106.

    [10] مثل كثير من المدن الموانيء، كانت دبي موطنًا لثقافاتٍ أفريقية وعربية وفارسية وجنوب آسيوية منذ بدايات القرن التاسع عشر، عندما وقعت المنطقة تحت السيطرة البريطانية. انظر/ي أحمد كنا، Dubai: City as Corporation (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2011), 10-11.

    [11] كنا، Dubai: City as Corporation; 3; وانظر/ي كذلك الفصل الثاني «‘Going South’ with the Starchitects: Urbanist Ideology in the Emirati City.» See Brian Ackley, «Permanent Vacation: Making Someplace out of Non-Place,» Bidoun 4.

    [12] Magnus T. Bernhardsson, «Visions of Iraq: Modernizing the Past in 1950s Baghdad» in Modernism and the Middle East: Architecture and Politics in the Twentieth Century, eds. Sandy Isenstadt and Kishwar Rizvi (Seattle: University of Washington Press, 2008), 88.

    [13]  كما عبّر عن ذلك الكاتب الصحفي بنيويورك تايمز توماس فريدمان بقوله، «دبي هي تحديدًا النموذج اللائق والحداثي الذي ينبغي أن نحاول تعزيزه في العالم العربي الإسلامي». انظر/ي Thomas Friedman, «Dubai and Dunces,» The New York Times, March 5, 2006 ويكمل: «إن المشكلة أعمق بكثير – نحن نتعامل مع حضارة لا تزال تحتفظ بجذورها القبلية بقوة وتعاني مع الحداثة. يبني أهالي دبي مستقبلًا مستندًا إلى الزبد لا السلاح، والملكية الخاصة لا الأهواء الشخصية، والخدمات أكثر من النفط، وشركات منافسة عالميًا، وليس شبكات إرهاب. تميل دبي لتعزيز الكرامة العربية عبر النجاحات وليس الانتحار. وكنتيجة لذلك، يود أهلها احتضان المستقبل، لا أن يعصفوا به».  

    [14] انظر Timothy Mitchell, Colonizing Egypt (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), 1-34

    [15] انظر/ي Jean Nouvel and Michael Juul Holm, ed., Louisiana Manifesto (Humlebaek: Louisiana Museum of Modern Art, 2008). حول الرؤية والمعرفة، عوضًا عن البصريات، كطريقة للنظر، اطّلع/ي على Hans Belting, Florence and Baghdad: Renaissance Art and Science (Cambridge: Harvard University Press, 2011).

    [16] للاطلاع على دراسة بحثية دقيقة حول الفن العربي، انظر/ي Oleg Grabar, The Formation of Islamic Art (New Haven: Yale University Press, 1987).

    [17]  انظر/ي Nasser Rabbat, «The Arab Revolution Takes Back Public Space,» Critical Inquiry 39, no. 1 (Autumn 2012), 198-208، حول العلاقة بين المسجد والميدان.

    [18] Georges Corm, Pensée et politique dans le monde arabe (Paris: Découverte, 2015). يصف قرم العودة لصالح أفكار الزعيم المصري جمال عبد الناصر إبان الربيع العربي، عندما انحاز الحزب الإصلاحي الرئيسي، «الاتحاد الناصري» بقيادة حمدين صباحي، إلى الفكر السياسي الناصري. ورُفعت صور لعبد الناصر خلال المظاهرات.

    [19] Benjamin Barber, Jihad vs. McWorld: Terrorism’s Challenge to Democracy (New York: Ballantine Books, 1996).

    [20] تعاون هشام منير مع مهندسي عمارة أوروبيين كثيرين وأصبح صديقًا مقربًا لمارسيلو دي أوليفو، الذي تعاون معه في عمل تمثال الجندي المجهول، الذي شُيّد في بغداد أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي.

    [21] انظر/ي Gwendolyn Wright, The Politics of Design in French Colonial Urbanism (Chicago: University of Chicago Press, 1991), 53-84، الذي يصف كيف جرى فهرسة وتدوين الأشكال «التقليدية» والدارجة، ثم اختطافها لصالح شكل أكثر استيعابية من الاحتلال.

    [22] انظر/ي Jad Tabet, «From Colonial Style to Regional Revivalism: Modern Architecture in Lebanon and the Problem of Cultural Identity,» in Projecting Beirut: Episodes in the Construction and Reconstruction of a Modern City, eds. Hashim Sarkis and Peter Rowe, 83-105 (New York: Prestel, 1998).

    [23]  لنقاش حول مصطلحات «تقليدي»، و«إسلامي»، و«مدن»، انظر/ي Janet Abu-Lughod, «The Islamic City: Historic Myth, Islamic Essence, and Contemporary Relevance,» in International Journal of Middle East Studies 19, no. 2 (1987): 155-76, and «What Is Islamic about a City? Some Comparative Reflections,» in Urbanism in Islam, The Proceedings of the International Conference on Urbanism in Islam (Tokyo: Middle Eastern Culture Center, 1989), 1:193-217. See also André Raymond, «Islamic City, Arab City: Orientalist Myths and Recent Views,» British Journal of Middle Eastern Studies 21, no. 1: (Autumn, 1994) 3-18.

    [24] انظر/ي Gwendolyn Wright, «Global Ambition and Local Knowledge» in Modernism and the Middle East: Architecture and Politics in the Twentieth Century. وقارب مؤرخون آخرون موضوع «أسلمة» الهوية الإقليمية بوصفها تطورًا طبيعيًا؛ انظر/ي على سبيل المثال، Hasan-Uddin Khan, introduction to World Architecture, 1900-2000: A Critical Mosaic, Volume 5: Middle East, eds. Kenneth Frampton and Hasan-Uddin Khan (New York: Springer, 2000).

    [25] بعض المشاريع العمرانية الأكثر شهرة كانت خطة Constantinos Apostolou Doxiadis لمدينة الرياض (1971) وخطط Georges Candillis للبحرين والخُبر (1974)، التي طُوّرت لصالح شركة أرامكو، والتي اجتمعت فيها مقاربات حداثية لتقسيم المناطق والتركيز على البنية التحتية في المخطط جنبًا إلى جنب مخاوف الخصوصية، ما أدى إلى إنتاج قواعد إرشادية صارمة تحكّمت في المشهد المرئي والارتفاع والارتدادات الجدارية. انظر/ي Saleh al-Hathloul, The Arab-Muslim City: Tradition, Continuity, and Change in the Physical Environment (Riyadh: Dar Al Sahan, 1996), esp. 195-235.

    [26] انظر/ي Nathan Citino, «Suburbia and Modernization: Community Building and America’s Post-World War II Encounter with the Arab Middle East,» Arab Studies Journal 13-14 (Fall 2005–Spring 2006): 39-64.

    [27] من بين مهندسي العمارة العاملين في المنطقة برنارد خوري وهشام سركيس وLE.F.T، من بين آخرين.

    [28] تم تصدير سوليدير على أنها شركة الألفية العامة-الخاصة كي تقود إعادة التطوير (وتدمير كثير من النسيج العمراني الأقدم) في مكة. ووظّفت سوليدير شركات مقراتها في الإمارات العربية المتحدة مثل شركة إعمار من أجل تطوير العقارات في وسط مدينة بيروت، وتنشط إعمار اليوم في أنحاء الهند.  

    [29] انظر/ي Samir Kassir, Histoire de Beyrouth (Paris: Fayard, 2003), esp. 630-40.

    [30] انظر/ي Assem Salam, ««The Role of Government in Shaping the Built Environment» in Projecting Beirut, 132. في هذا الفصل يكتب سلام: «تقترح الخطة إزالة 80 بالمئة من مركز المدينة وزيادة الكثافة بأربعة أضعاف. وُجّهت ضربة مميتة، على نحوٍ فعّال، لذكرى هذه المدينة العتيقة، ضربة أكثر ملاءمة للدول العربية الغنية بالنفط، مع وفرة في المباني الجديدة، ونُدرة في التقاليد المعمارية. في مدينة مثل بيروت، تتمتع بتاريخ يمتد لأكثر من ألفي عام، لا يجب تقليل شأن فكرة الذاكرة. إذ عبر التظاهر بحماية تلك الذاكرة بالإبقاء على قليل من الآثار بينما تطمس السياق الذي نمت فيه، فإنك تدمر طبيعتها الأصيلة. تصبح بعد ذلك كالمقابر المدنسة، وتقف شاهدة على موت المدينة».    

    [31] انظر/ي Nada Moumtaz, «The Knotted Politics of Value: Beirut’s Islamic Charitable Endowments Between Islam and Capital,» unpublished manuscript.

     [أ] كلمة practice مستخدمة للإشارة إلى امتهان العمارة. اشي بشبه استخدمها في الطب بمعنى عيادة. استخدمت مزاولة لما يكون الحديث تجريدي ومكتب لما يكون الحديث عن مشاريع بعينها. اذا بتدوروا على architecture practice ع جوجل كل النتائج بتكون مكاتب.