رأي

في نقد جنّة أوبر

الأربعاء 17 شباط 2016
uber

شهدت مصر في الأسبوع الماضي مظاهرة كبرى لأطباء مصر، وتظاهرة صغيرة جمعت العشرات من سائقي التكسي. وفي الوقت الذي حظيت به مظاهرة الأطباء بتغطية واسعة من الإعلام البديل، ورفعت آمال النشطاء الثوريين بعد طول انتكاس، لم تحظَ تظاهرة سائقي سيارات التكسي بتغطية مماثلة. وفضلًا عن هذا، تجنب الناشطون، وحتى اليساريّون منهم، إبداء التضامن مع سائقي التكسي الذين كانوا يتظاهرون ضد شركة أوبر التي سحبت البساط من تحت أقدامهم. وقد حظي النشطاء الذي تجرؤوا على إعلان تضامنهم، المشروط أحيانًا، مع سائقي التكسي، إما بالتجاهل أو بالسخرية منهم، على اعتبار أنهم هذه المرّة يتضامنون مع سائقي التكسي، وفي المرّة القادمة سيتضامنون مع رجال الشرطة!

على إثر هذه التظاهرة خرجت العديد من صفحات الفيسبوك لتعلن تضامنها مع شركة أوبر وسائقيها، فيما في باقي العالم يتظاهر النشطاء والمتضامنون مع العمال، لا مع الشركات، يتظاهرون مع من لا يملك لا مع من يبتلع الأسواق والأرزاق.

من الممكن تفهم الأسباب التي تجعل من التضامن مع سائقي التكسي سلوكًا قد يدفع بصاحبه لفقدان الكثير من الشعبية، على اعتبار أن العلاقة بين سائقي التكسي ومتلقي هذه الخدمة علاقة أبعد ما تكون عن الصحّية، ولطالما تحدث مستعملو التكسي في مصر خصوصًا، وحول العالم عمومًا، عن الأذى الذي يلحق بهم من جرّاء التعامل غير «السليم» من قبل سائقي التكسي، وعلى رأس هذه السلوكيات نسمع شكاوى التحرش الجنسي، والغش في العداد، وتحميل الركّاب بناء على رغبات السائق، ورفض الذهاب إلى أماكن بعينها إلّا بأسعار مضاعفة.

لكن التضامن مع سائقي التكسي ليس مراهقة يساريّة لنشطاء لم يجدوا قضايا تشغلهم، ولا هو انحياز أعمى لفئة من الناس فقط لأن تراثًا من النضال يقول لنا هذا. تشبيه سائقي التكسي برجال الشرطة تشبيه لا صحة له، فصحيح أن الواقفين على أطراف المشهد يرون في الفئتين طائفتين تقومان على الاستغلال والقمع والإيذاء، لكننا إن اعتمدنا هذا النظرة فسنضطر إلى تعميمها كذلك على الحرفيين، الذين سبق لنا جميعًا أن عانينا من الأسعار التي يفرضونها علينا، وثم نوسعها لتشمل المعلمين، أوليسوا هم من يخرجون عقدهم النفسية في أطفالنا ويعلمونهم بأقل درجة ممكنة من الأمانة؟ ثم سنوسع هذه المظلة من التجني لتشمل كذلك الأطباء، ومدرسي الجامعات، والمزارعين، وصغار التجار، حتى نصل إلى مرحلة لا نتضامن فيها مع أي فئة من فئات المجتمع، فكما أتت مقولة نجيب محفوظ التاريخية: كلنا مجرمون، كلنا ضحايا.

إضافة إلى هذا، فإن المقارنة بين رجال الشرطة وبين سائقي التكسي تغفل عن أن رجال الشرطة، ورغم كونهم فئة تعانى من تجبر الضباط الأعلى مهم، إلّا أنها فئة مرتبطة بالسلطة ارتباطًا مباشرًا، وهي أداة بيدها تسيّرها كيف شاءت، في قمع المعارضين والاعتداء على حريات المواطنين، وفي إطالة عمر النظام، بينما السائقون جزء من المجتمع المقموع، وفيهم ما في هذا المجتمع من عيوب.

وبعيدًا عن جواز التضامن مع سائقي التكسي من عدمه، يجدر بالمعنيين بالشأن العام إيلاء التفكير بالطرف الآخر لهذه المعادلة، أي شركة أوبر، فالشركة ليست وليدة الأمس، ولا هي شركة مصرية محلية، وإنما شركة عابرة للحدود والقارات، ويمكن لنا كجمهور مستهدف من قبل هذه الشركة أن نقرأ المزيد حول تجربتها، وحول المخاطر التي يمكن لها أن تحدثها في المجتمعات التي تقدم فيها خدماتها.

من هنا، نناقش تاليًا أهم وأخطر المشاكل التي تحدث عنها المهتمون بقطاع النقل حول العالم، وبتقاطع التكنولوجيا مع حياتنا اليومية.

إمكانية مضاعفة الأسعار

خلال عاصفة ثلجية ضربت مدينة نيويورك الأمريكية، وبينما كان عملاء أوبر بأمس الحاجة إليها لتوصل من انقطعت به السبل ومن علق في عمله إلى بيوتهم، ضاعفت الشركة في تلك اللحظة أسعار رحلاتها، وهذا الأمر يقودنا إلى التفكير بالسؤال التالي: ما الذي يمنع «أوبر» في حال سيطرتها على سوق النقل بالأجرة في بلد ما، من رفع الأسعار كما تريد، من دون أن تستطيع كمستخدم محاربة هذا الاستغلال، خاصة وأن أوبر هي الشركة الأقدر على السيطرة على السوق نظرًا لميزانيتها الضخمة جدًا؟ ما الذي يمنعها من فرض الشروط التي تحب، من دون أن تستطيع كمستخدم عادي من الدفاع عن نفسك وعن حقك بمواصلات في متناول قدرتك المادية؟

تهديد الخصوصية

من الممكن، تقنيًا، لتطبيق أوبر، أن يشكل تهديدًا لخصوصية المستخدم، حيث تقوم الشركة بتسجيل الجهات التي ذهبت إليها، والأوقات التي غادرت فيها، وهي البيانات التي يمكن لها استغلالها بطريقة لا توافق عليها كمستخدم، سواء في عرض إعلانات لأماكن قريبة منك في أحسن الأحوال، وفي أسوئها عن طريق تهديد خصوصيتك ونشر هذه البيانات التي يمكن لها أن تضرك. هذه الفرضية ليست خيالية، فقد سبق لأوبر أن قامت بتحليل البيانات التي تحوزها لتعرف مَن مِن مستخدميها يقيم «علاقة لليلة واحدة».

المنافسة غير العادلة

استعمال أوبر بوضعه الحالي ضارٌ جدًا بالمنافسة، إذ في الوقت الذي يدفع فيه مالكو سيارات التكسي آلاف الدنانير للحصول على رخصة تحميل الركاب، وهي الأموال التي يفترض أنها تذهب لتحسين الخدمات المرورية، لا تدفع شركة أوبر أيًا من هذه التكاليف، الأمر الذي يعطيها فرصة غير عادلة للتفوق على منافيسها، والإضرار بهم والاستفراد بالسوق. إضافة إلى عدم دفع أوبر أي ضرائب في دولنا، مقابل ضرائب منهكة يدفعها المواطنين وأصحاب الشركات الصغيرة. وسبق لمحكمة ألمانية أن منعت أوبر من العمل في ألمانيا بسبب إضرار أوبر بشركات التكسي المحلّية، حيث لا تحتاج أوبر إلى رخصة للعمل، كما أنها لا تقدم تأمينًا للسائقين العاملين معها، إضافة إلى كون الشركة تقوم بانتقاء الركّاب، فيما يحتم القانون الألماني على سائقي التكسي تحميل الركاب دون تمييز.

كما سبق لأوبر أن أضرت بمنافسيها بوسائل يمكن القول أنها غير شرعية، سواء عن طريق دعوة سائقي الشركات الأخرى للانضمام إلى أوبر، أو عن طريق حجز بعض موظفي أوبر لسيارات من شركات أخرى ومن ثم القيام بإلغاء تلك الطلبات، فقط للإضرار بمصالح تلك الشركات وهؤلاء السائقين.

إخلاء المسؤولية

رغم حديث أوبر المتواصل عن السلوك الأخلاقي لسائقيها، وهو الأمر الذي يحتاجه نظام النقل في العالم العربي بشدة، إلّا أنه في الحقيقة لا ضمانات على دوام التزام أوبر بهذه المعايير، خاصّة في ظل إعلان الشركة مرارًا عدم مسؤوليتها عن أفعال سائقيها، وبالتالي فإن العالم الوردي الذي يتصور أن أوبر ستخلقه، هو عالم وهمي، لا ضمانات على حصوله.

عدم إنصاف السائقين

في بعض الحالات، يمكن للعمل مع أوبر أن يكون مربحًا، لكن مع الانتشار الواسع للتطبيق، ومع الثروة الهائلة التي تمتلكها الشركة بدأت المشاكل بالظهور على السطح، فباتت الشركة تعبث بالنسبة التي يحصل عليها سائقوها، وهو الأمر الذي يضطر بعضهم إلى العمل لـ15 ساعة يوميًا لتغطية نفقاته، كما أن الشركة لا توفر التأمين الصحي للسائقين ولا تشركهم بالضمان الاجتماعي، وهو الأمر الذي سيضر بهم وبعائلاتهم على المدى البعيد. وبينما تبدو معادلة 80% للسائق، و20% للشركة، معادلة عادلة، إلّا أنه عند التفكير بالنفقات الجانبية التي يضطر السائق لدفعها، مثل الضرائب والبنزين وتكلفة إصلاح السيارة، قد لا تصبح المعادلة عادلة، أو مرضية.

ولكون التعاقد مع الشركة يتم بشكل فردي، فإنه من العسير جدًا على السائقين أن ينشئوا اتحادات عمالية تعمل على صيانة حقوقهم، وتحسين شروط التعاقد، والتي بالمناسبة يمكن للشركة أن تغيرّها مع قادم الأيام، خاصة في حال استفرادها بسوق النقل بالأجرة.

ليست محاولة الوقوف في وجه أوبر وغيره من التطبيقات محاولةً للوقوف في وجه التكنولوجيا، ولا لإيقاف عجلة التقنية التي بات من الواضح عبر العديد من التجارب أنها تدوس من يحاول إيقافها، أو تضمه إلى صفّها. لكن المشاكل الجمّة التي يعاني منها قطاع التكسي في مصر، وفي الأردن أيضًا، لا يمكن حلّها عبر حلول مستوردة، خاصة وأن هذه «الحلول» المفترضة فيها من المشاكل ما يجعل التروّي قبل اتخاذ القرار بشأنها السلوك الأكثر سلامة وذكاءً.

* صورة المقال من موقع شترستوك.