كيف تأثرت أجور عاملين في القطاع الخاص خلال العمل بأوامر الدفاع؟

تصميم بيان حبيب.

كيف تأثرت أجور عاملين في القطاع الخاص خلال العمل بأوامر الدفاع؟

الأحد 07 حزيران 2020

صباح يوم السبت الماضي، الثلاثين من أيار، استدعى المحاسب المسؤول في إحدى المدارس الخاصة في عمّان الموظفة الإدارية افتكار*، وأبلغها بقرار المدرسة الاستغناء عن خدماتها، بعد أن عملت خلال شهري نيسان وأيّار عن بعد، واحتسبتها الإدارة متعطلة عن العمل.

استمرت افتكار في العمل طوال شهري نيسان وأيار على التواصل بين الأهالي من جهة والمعلمين والمعلمات من جهة أخرى، بعد أن فرضت الحكومة إغلاقًا وحظرًا للتجول في آذار الماضي للتعامل مع انتشار فيروس كورونا المستجد، وفعّلت قانون الدفاع. عملت افتكار على إرسال الأسئلة للطلبة في صفوف مختلفة، ثم جمع الأجوبة وتصنيفها وإعادة إرسالها إلى المعلمات، إلى جانب مهامها في التواصل مع الأهالي بقضايا التسجيل والمتابعات. 

لذا، اعتقدت افتكار أنها ستحصل على راتبها البالغ 400 دينار كاملًا، بموجب ما صدر عن أوامر الدفاع في النصف الأول من نيسان. فبحسب أمر الدفاع رقم 6، يحصل العامل الذي قام بعمله كاملًا على كامل الأجر، إلا في حال موافقته على تخفيض نسبة 30% من أجره، وهو البند الذي حددته الحكومة في 24 قطاعًا في بلاغ أصدرته مؤخرًا، على أن يسري هذا التحديد على أجور شهري أيار وحزيران، دونًا عن شهر نيسان الذي لم تكن القطاعات قد حددت فيه بعد.

لكن افتكار استلمت 195 دينارًا من الضمان الاجتماعي عن شهر نيسان، بعد أن تقدمت منشأتها بطلب للضمان لاحتسابها متعطلة عن العمل، لتحصل على نصف أجرها، مقسمًا بين صاحب العمل الذي دفع للضمان 20% من الأجر المعتاد، وصندوق التعطل في الضمان الذي دفع 30% من الأجر المعتاد، كما نصّ أمر الدفاع 9. لاحقًا، أرسل لها مدير المدرسة 50 دينارًا أخرى تقديرًا لعملها «تطوّعًا»، كما قال لها عبر الهاتف، رغم أن أمر الدفاع يلزم المدرسة بدفع 25 دينارًا أخرى لها كي يصبح أجرها 220 دينارًا، الذي هو الحد الأدنى للأجور. كما أرسلت الإدارة لها رسالة توضّح أن أجرها لشهر أيار سيخضع لنفس الآلية. 

يقول بيان صدر عن الضمان الاجتماعي إن احتساب أجور العاملين عن بعد كمتعطلين عن العمل غير قانوني، بينما بدأت وزارة العمل حملة تفتيشية مكثفة على المدارس الخاصة لمتابعة شكاوى تتعلق بإنهاء العقود وتخفيض الأجور.

تتشابه قصة افتكار مع قصة سعيد* المهندس في شركة خاصة، وأحمد* المعلم الذي خصمت الإدارة من عدد ساعات عمله، والمهندس معتصم* الذي وافق على التنازل عن نسبة من راتبه خوفًا من عدم تجديد عقده في العمل. 

نتحدث في هذا التقرير مع عاملين في منشآت خاصة، استمروا بالعمل خلال فترة الإغلاق، سواء في أماكن عملهم أم عن بعد، لنعرف منهم كيف طُبقت أوامر الدفاع التي أعلنتها الحكومة بهدف تحديد آليات احتساب الأجور لكل فئة عليهم، إضافة لمن التحقوا بأعمالهم في منتصف شهر نيسان، تماشيًا مع السماح التدريجي لبعض القطاعات باستئناف العمل. كما نسأل عن «الإرادة الحرة» للموظفين في التنازل عن جزء من رواتبهم، والعلاقة التي تربطهم بصاحب العمل، ووزارة العمل التي طلبت منهم التقدم بشكاوى في حال ارتكاب مخالفات بحقهم.

يبلغ عدد موظفي القطاع الخاص المشمولين في الضمان الإجتماعي في الأردن 690 ألف عامل وعاملة، بحسب تقرير صادر في نهاية عام 2019 عن مؤسسة الضمان الاجتماعي. تقول وزارة العمل في بيان صحفي إنها استقبلت في اليوم الأول من قرار الحكومة الأردنية فرض الإغلاق الشامل في آذار الماضي 1567 مكالمة من موظفين يعملون في القطاع الخاص، توزعت بين الاستفسارات والاستشارات حول طبيعة العمل عن بعد والأجور، مع تسجيل 70 شكوى في ذلك اليوم؛ الرقم الذي ارتفع ليصل إلى 131 ألف شكوى مع نهاية نيسان، تتعلق جميعها بالتأخر في دفع أجور العمال. ولم تصدر إلى الآن إحصائيات عن شهر أيار.

خصومات «بالإرادة الحرة»

بعد أيام من إعلان الإغلاق الشامل في آذار، حصل صلاح (30 عامًا) على تصريح مرور يساعده في الوصول لمقر عمله كموظف في مؤسسة إعلامية في عمان. 

التزم صلاح بثماني ساعات عمل يوميًا، لكنه في نهاية نيسان استقبل رسالة إلكترونية من إدارته تسأله عن موافقته على خصم 30% من راتبه البالغ 800 دينار شهريًا، بموجب ما نصّ عليه البند الرابع من أمر الدفاع 6، الذي يمنح العامل خيار التنازل عن 30% من راتبه لصاحب العمل، على أن يتم الاتفاق «بإرادة العامل الحرة»، وشريطة خصم النسبة ذاتها من أجور الإدارة العليا. ويجري هذا الاتفاق بين صاحب العمل والعامل دون تدخل وزارة العمل.

«إحنا رضينا مخاجلة. إحنا عارفين مش رح يقدروا [يدفعوا الرواتب كاملة] لأنهم متعثرين».

وافق صلاح على الخصم من أجور شهري نيسان، الذي استلمه، وأيار الذي لم يستلمه بعد. وعلى حد علمه، فإن إدارته خصمت من رواتبها أيضًا النسبة ذاتها. «إحنا رضينا مخاجلة. إحنا عارفين مش رح يقدروا [يدفعوا الرواتب كاملة] لأنهم متعثرين»، يقول صلاح. يقدّر صلاح التزاماته الشهرية بنحو ألف دينار، فهو متزوج ولديه طفل واحد، كما يرتبط بالتزامات عائلية وأقساط سيارة وفواتير كهرباء ومياه. 

مطلع الأسبوع الماضي، أصدرت الحكومة بلاغًا جديدًا بموجب أمر الدفاع رقم 6، حدد السماح بخصم 30% من الأجور بالقطاعات «الأكثر تضررًا»، التي حددها رئيس الوزراء بـ24 قطاعًا، من ضمنها قطاع الدعاية والإعلان والإنتاج التلفزيوني الذي يضم المؤسسة التي يعمل فيها صلاح. وبناء على البلاغ، أبلغته إدارته بأنها ستخصم مجددًا من راتبه لشهر أيار.

يرى المرصد العمالي الأردني في بيان أصدره بعد البلاغ الحكومي، أن قرار السماح بتخفيض أجور العاملين بنسبة 30% في المنشآت العاملة «غير مبرر بأي طريقة»، لأنه يمكّن منشآت تعمل بكامل طاقتها من تخفيض أجور العاملين فيها، والأجدى -بحسب المرصد- أن تقوم الحكومة بدعم مالي مباشر للقطاعات الأكثر تضررًا، معتبرًا أن الخصم سيؤدي إلى زيادة العمالة الفقيرة، وإلى تراجع مستويات الأجور في الأردن بشكل ملموس، بحسب تقرير آخر أصدره مطلع أيار.

يقول أبو نجمة، إن الخصومات من رواتب الموظفين يجب أن تكون مرتبطة بوجود خسائر على المنشأة، وأن يكون هذا الخصم بمثابة «ديْن» للعامل على الشركة. 

يرى رئيس غرفة تجارة الأردن نائل الكباريتي، أن التخفيضات على رواتب العاملين مقابل ضمان استمرارية وظائفهم هو معادلة «وسطية» لحماية الطرفين. ويقول إن هذه الإجراءات ليست حلًا أمام الخسائر التي واجهتها بعض القطاعات، لكنها «جزء من الحل».

يقول مازن المعايطة، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن، إن الحكومة لم تتشاور مع الاتحاد قبل إصدار البلاغ الأخير، لكنّها قدّمت لاحقًا توضيحات تجعله يرى البلاغ متوازنًا وله حاجة اقتصادية، رغم أنه «مؤذي» وله تأثيرات سلبية على العمال بحسبه. «لا بد من اتخاذ قرارات متوازنة تضمن الأمن الوظيفي للعاملين والاستمرار بالمؤسسات الإنتاجية [بحيث] ما تسكر»، كما يعلّق.

وقّع معتصم*، المهندس في شركة خاصة تتبع لقطاع الطاقة -غير المصنف ضمن القطاعات الأكثر تضررًا- في شهر نيسان على موافقة بخصم 10% من أجره للأشهر الثلاثة اللاحقة؛ نيسان وأيار وحزيران. حين أرسلت إدارته رسالة تسأله فيها عن موافقته على الخصم، كان قد بقى شهر واحد على موعد تجديد عقده، الذي يصادف أيار. «بزبطش ما أتبرع»، يقول معتصم، كون قرارات الموظفين بالموافقة أو الرفض على الخصم ترسل إلى الإدارة والموارد البشرية. 

يقول هيثم النجداوي، مدير إدارة التفتيش في وزارة العمل، إن أي موافقات مسبقة وقعها عاملون في قطاعات لم يتم تسميتها ضمن الأكثر تضررًا لا يجوز العمل بها بعد البلاغ الحكومي، وعلى صاحب العمل صرف الأجر كاملًا للعاملين في هذه القطاعات عن شهري أيار وحزيران.

حاولت سعاد، المعلمة في مدرسة خاصة، رفض خصم 30% من راتبها عن شهر نيسان عندما سألتها الإدارة عن موافقتها، إلا أن هذا الرفض تلاه نقاش ومحاولات إقناع مستمرة من إدارة المدرسة، حتى تراجعت عن رفضها ووافقت «مخاجلة» على الخصم من راتبها البالغ نحو 600 دينار، رغم أنها عملت لـ10 ساعات يوميًا في تدريس الطلبة عن بعد، كما تقول، وتسلمت راتبها عن شهر نيسان بعد منتصف شهر أيار، الذي ستستلم راتبه بعد حسم 30% منه أيضًا، كما تبلغت من إدارتها. إذ إن التعليم الخاص يقع ضمن القطاعات الـ24 التي أجاز لها البلاغ تخفيض 30% من الراتب بشروط.

«اللي كانت تحكي لا أرغب [بالخصم] كانت تنبعتلها مسجات صوتية إنه ليش، وأنا ما إلي دخل إذا هذا بأثر على تجديد عقدك»

تسأل هديل كسواني، الناطقة باسم حملة «قمّ مع المعلم» عن مفهوم الموافقة الحرة، في وقت يتزامن فيه خصم نسبة من الراتب مع موسم تجديد العقود محددة المدة للمدرسين في المدارس الخاصة، «اللي كانت تحكي لا أرغب [بالخصم] كانت تنبعتلها مسجات صوتية إنه ليش، وأنا ما إلي دخل إذا هذا بأثر على تجديد عقدك»، تقول كسواني.

يشرح النجداوي أن الإرادة الحرة يقصد بها الرضا والتفاهم بين كلا الطرفين، العامل وصاحب العمل، ولا ينفي أن يستخدم بعض أصحاب العمل هذا البند بشكل خاطئ وتعسفي. «في بعض الأوقات إحنا بنقدر نكشف التعسف، وبعض الأوقات ما بنقدر»، يقول النجداوي.

بحسب تعليمات العمل المرن «عن بعد» الصادرة عن وزير العمل بموجب أمر الدفاع 6، يجوز «للعامل عن بعد أن يتنازل عن جزء من أجره بحد أقصاه ما نسبته 30% من أجره المعتاد، أسوة بالعاملين بشكل كامل في مكان العمل، ويعتبر هذا التنازل بكامل إرادة العامل الحرة إذا لم يتقدم بشكوى إلى وزارة العمل خلال سبعة أيام من تاريخ تخفيض صاحب العمل أجر العامل».

تعلّق كسواني أنه من الصعب التقدم بشكوى لوزارة العمل حول هذا النوع من الإشكالات، كون الموظفين قد وقّعوا على موافقات على الخصم من رواتبهم في حينها، بالتالي لا أساس قانونيّ للاعتراض بحسب النجداوي. تستقبل وزارة العمل شكاوى من قبل موظفين قالوا إنهم وقعوا على موافقات رغمًا عنهم، لكنّ السير بالشكوى يكون صعبًا في بعض الأحيان، نظرًا لعدم تقدم جميع موظفي المنشأة بالاعتراض، ما يجعل السير بالشكوى كفيلًا بكشف اسم العامل أمام صاحب العمل، وهو ما يرفضه العامل.

بحسب وزير العمل نضال البطاينة، فإن خصم 30% من راتب الموظف بإرادته الحرة، جاء من باب التضامن والتكافل من قبل العامل مع صاحب العمل، كما كتب في منشور له عبر الفيسبوك في نيسان الماضي. 

عملوا طوال نيسان، وقبضوا أجورهم كمتعطلين

في اليوم التالي لتعطيل المؤسسات العامة والخاصة في آذار، أرسلت إدارة شركة الاستشارات الهندسية التي يعمل بها المهندس العشريني سعيد* تعميمًا لموظفيها باستمرارهم في العمل عن بعد، عبر تحديد المهام المطلوبة من موظفي كل مشروع، وإنجازها وإرسالها من المنزل.

حصل سعيد على راتبه كاملًا عن شهر آذار من الشركة، واستمر في آلية العمل نفسها في شهر نيسان، لكنّ رسالة نصية وصلته من الضمان الاجتماعي في أيار وضحت له أنه سيحصل على راتبه عن شهر نيسان كمتعطّل عن العمل، وبنسبة 50% من راتبه البالغ 650 دينارًا، رغم أنه يستحق أجره كاملًا وفق أمر الدفاع 6.

تواصل سعيد مع المسؤولة المباشرة عنه، لتبلغه أن عمله «مش رح يروح على الفاضي» وسيحصل على باقي أجره لاحقًا. اتبع سعيد التعليمات الواردة في الرسالة النصية، وهي الدخول لموقع الضمان وتعبئة بياناته في نموذج إلكتروني، وبعد أيام قليلة وصلته رسالة أخرى من الضمان الاجتماعي بإيداع مبلغ 325 دينارًا لحسابه في بنك الإسكان. شكّل هذا المبلغ 50% من راتبه، دفع منه صاحب العمل 130 دينارًا، بنسبة 20% من الأجر المعتاد، ودفع الضمان الاجتماعي 195 دينارًا من صندوق التعطل، بنسبة 30% من الأجر المعتاد، كما نصّ أمر الدفاع رقم 9. وحتى كتابة هذا التقرير، لم يستلم سعيد باقي راتبه كما وعدته مسؤولته المباشرة، أي أن الشركة التي يعمل لديها سعيد قد دفعت 20% فقط من راتبه لشهر نيسان. 

تسير آلية الحصول على بدل التعطل من الضمان الاجتماعي عبر طلب يقدمه صاحب العمل، لشمول موظفين لديه في برامج الحماية الاجتماعية، كي يحصل الموظفون على 50% من رواتبهم. بعد توريد نسبة 20% من صاحب العمل، يرسل الضمان رسالة إلى الموظف ليقوم بتعبئة بياناته المصرفية دون أن تتطلب هذه الآلية موافقة مسبقة من وزارة العمل، بحسب الناطق باسم الضمان الاجتماعي، شامان المجالي. 

بموجب أمر الدفاع رقم 6، فإن العاملين في المنشآت التي توقفت عن العمل، أو لم يتم السماح لها بالعمل خلال فترة الحظر، أو الذين لم يلتحقوا بالعمل بطلب من الإدارة، يحق لصاحب العمل فيها التقدّم بطلب لوزارة العمل لتخفيض أجور العاملين لديه بنسبة 50%. لكنّ «أي منشأة من منشآت القطاع الخاص يحق لها أن تلجأ للضمان الاجتماعي وتتقدم بطلب للاستفادة من برامج أمر الدفاع رقم 9، بغض النظر هل حصلت المنشأة على موافقة تخفيض الأجر من وزارة العمل أم لا»، يقول المجالي.

قبل البلاغ الحكوميّ الصادر في 31 أيار، كان يعتبر أيّ تخفيض للأجور دون موافقة وزارة العمل مخالفًا لأوامر الدفاع، باستثناء خصم الـ30%. وكان على صاحب العمل الذي لم يحصل على موافقة الوزارة إكمال الأجر للعامل في حال حصل العامل على نصف أجره من الضمان، بحسب النجداوي. لكن البلاغ الصادر عن الحكومة مؤخرًا، يتيح للمنشآت التابعة للقطاعات الـ24 المصنفة ضمن «الأكثر تضررًا» خصم 60% من أجور عمّالها غير المكلّفين، دون موافقة وزارة العمل أو العامل، بحيث لا يقلّ ما يتقاضاه العامل عن 150 دينارًا. وفي هذه الحالة تدفع المنشأة الأجر المتبقي للعامل مباشرة، إذ لا ينطبق هذا التخفيض على برامج الحماية الاجتماعية من الضمان الاجتماعي، بحسب ما قاله المجالي لحبر.

يقول عدنان الدهامشة، مدير مديرية علاقات العمل في وزارة العمل، في مقابلة له على قناة المملكة، إن إلغاء موافقة شرط وزارة العمل في البلاغ الجديد جاء لإزالة «التعقيدات» وجعل العملية «أسلس». فيما يعلق أحمد عوض رئيس المرصد العمالي الأردني على البلاغ بالقول إن إلغاء موافقة وزارة العمل «قونن الانتهاكات» التي كانت تمارسها بعض المنشآت في القطاع الخاص، ويسّرها.

يرى أمين عام وزارة العمل سابقًا، حمادة أبو نجمة، أن الآلية المعمول بها للحصول على بدل التعطل من الضمان يمكن أن تفتح بابًا أمام تجاوزات يتضرر منها موظفون على رأس عملهم، لعدم وجود ربط بين مؤسستي الضمان الاجتماعي ووزارة العمل. «الضمان الاجتماعي ما عنده قدره يتأكد مين بشتغل عن بعد ومين منقطع» يقول أبو نجمة، «والضمان ما بطلب من العامل أي موافقة على طلب صاحب العمل بإحالته للتعطل».

وبحسب بيان صادر عن الضمان الاجتماعي للتعليق على قضية منح التعطل لعاملين عن بعد، أكد الضمان أن صاحب العمل يوقّع على إقرار بأن الموظفين الذين يطلب صرف بدل التعطل عنهم لا يعملون وغير مكلفين بأي مهام، وفي حال تبين عكس ذلك لاحقًا تصبح المنشأة مخالفة وعليها إعادة ما تم صرفه من صندوق التعطل في الضمان الاجتماعي ودفع أجر العامل كاملًا.

في حالة سعيد، ورغم أن الموافقة لا تؤثر في حصوله على بدل التعطل من الضمان، إلا أن شركته حصلت بالفعل على موافقة وزارة العمل على تخفيض أجور ما يزيد عن 190 عاملًا فيها، منذ بداية نيسان حتى نهاية أيار، «من غير المكلفين بعمل»، بحسب ما جاء في ردّ وزارة العمل على طلب صاحب الشركة المقدّم في منتصف نيسان، وهو ما لا ينطبق على أي من العاملين في الشركة، حسبما يعلّق سعيد، «الكل بشتغل!».

يقول الأمين العام لوزارة العمل، فاروق الحديدي، إن الوزارة أصدرت موافقات لشركات تقدمت بطلبات في بداية الإغلاق لتخفيض الأجور، لكن تلك الموافقات مشروطة بألا يكون العاملون الواردة أسماؤهم يقومون بأي أعمال. وفي حال عودة أولئك الموظفين للعمل أو تكليفهم بإنجاز مهام، فإنهم يصبحون على رأس عملهم وتطبق عليهم بنود أوامر الدفاع على العاملين.

لكنّ شركة سعيد تقدمت بطلب تخفيض الأجور في وقت كان الموظفون يستمرون في عملهم. يعلق الحديدي على هذا بأنه من الصعب على وزارة العمل تتبع جميع الشركات التي يعمل موظفوها عن بعد، لمعرفة من يعمل منهم من المنزل ومن هو متعطّلٌ فعلًا، لذا يصبح على الموظف المتضرر أن يتقدم بشكوى لوزارة العمل كي تتخذ الإجراءات المناسبة.

يستبعد سعيد أن يتقدم بشكوى ضد شركته التي التحق بها في آذار الماضي فقط. ويتوقع أن يحصل على راتب شهر أيار بالطريقة ذاتها، دون أن تخبره أي من الإدارات في الشركة حتى نشر التقرير ماذا سيحلّ براتب أيار.

احتساب نسبة من الراتب، كيف تحدد القيمة؟ 

بعد ساعات قليلة من إعلان رئيس الوزراء عمر الرزاز لأمر الدفاع رقم 6، استقبل أحمد* مدرس الكيمياء في إحدى المدارس الخاصة في عمّان بريدًا إلكترونيًا من إدارة المدرسة حيث يعمل، تؤكد أن المدرسة ستلتزم بما جاء بأمر الدفاع الجديد في قضية احتساب الأجور.

«بالأول ارتحت»، يقول أحمد، إذ عنى ذلك بالنسبة له حصوله على أجره كاملًا، بل اعتقد أن المدرسة قد تكافئ معلميها نظرًا للساعات الطويلة التي بذلها في التدريس عن بعد طوال الأيام العشرين الماضية، من تحضير، تسجيل فيديو، مونتاج وتواصل دائم مع الطلبة في مادة الكيمياء التي يدرسها للصفوف العليا ضمن برنامج «SAT».

«ما صار في اتفاق مسبق على عمل مرن ولا على تحديد ساعات، والوقت اللي إحنا اشتغلناه ما تقيّمنا فيه بحق الله. كانت أشبه بنية مسبقة للاقتطاع من الراتب واقتطعوا»

بعد ذلك بـ12 يومًا، طلبت إدارة المدرسة من أحمد تعبئة جدول بتفاصيل دوامه بأثر رجعي في الفترة بين 8 و22 نيسان، ورغم توضيحه لساعات عمله الطويلة ودوامه المفتوح، تسلم أحمد راتبه منقوصًا بنسبة 40%، أي أن إدارته احتسبت 60% من عدد ساعات العمل الكلية. «ما صار في اتفاق مسبق على عمل مرن ولا على تحديد ساعات، والوقت اللي إحنا اشتغلناه ما تقيّمنا فيه بحق الله. كانت أشبه بنية مسبقة للاقتطاع من الراتب واقتطعوا»، يقول أحمد. كما يشرح أنه قد قدّم لإدارة المدرسة -بناءً على طلبها- كشوفات توضح عدد ساعات عمله عن بعد، في التحضير والتدريس والتواصل مع الطلبة، إذ كان متاحًا للعمل على مدار اليوم، كما يقول.

تقدم أحمد وخمسة من معلمي ومعلمات المدرسة بشكوى عبر الموقع الإلكتروني لوزارة العمل، وأرسلوا نسخة من الشكوى لنقابة المعلمين الأردنيين. وبحسبه، فإن الوزارة وعدت بإخراج فرق تفتيش للمدرسة، لكن لم يبلَّغ أيّ من مقدمو الشكوى باتخاذ إجراءات حيال شكواهم حتى كتابة التقرير، ما دفعه للتوجه لمبنى الوزارة لمتابعة شكواه، ومع ذلك لم يحصل على رد. 

نفذت فرق وزارة العمل 221 زيارة تفتيشية لمدارس خاصة، كان من ضمنها 32 مدرسة خالفت بعدم تسليم أجور العاملين لديها، بينما لم تكن باقي المدارس التي زارتها الفرق مخالفة، وفق بيان صدر عن الوزارة الخميس.

حصل أحمد على راتب شهر أيّار بعد يومين من إعلان بلاغ حكومي تضمّن تعديل أمر الدفاع رقم 6، ليتلقى 60% من أجره مجددًا. لكنّه يرفض أن تصنّف مدرسته التي تدرس البرامج الأجنبية بأقساط مرتفعة ضمن المنشآت الأكثر تضررًا.

وفق التعليمات الصادرة عن وزير العمل لتنظيم العمل المرن عن بعد بموجب أمر الدفاع رقم 6، فإن العامل يستحق أجره كاملًا، إذا عمل عن بعد بشكل كليّ (ثماني ساعات)، ويستحق أجره وفق ساعات العمل الفعلية إذا عمل جزئيًا، وبما لا يقل عن الحد الأدنى المحدد للساعة الواحدة، أو لا يقل عن 50% من أجره المعتاد أيهما أعلى، على ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور. كما يستحق أجرًا إضافيًا إذا كُلف بمهام إضافية. 

يقول أبو نجمة إنه من الصعب على الموظفين إثبات عدد ساعات العمل كاملة عن بعد، ما يجعل احتساب الراتب بموجب نسبة من عدد الساعات التي يعملها الموظف بابًا لتخفيض أجور الموظفين بحسبه. 

وبحسب تعليمات نظام العمل المرن، فإن صاحب العمل ملزم «بتزويد وزارة العمل بناءً على طلبها بكشف شهري يتضمن أسماء العاملين عن بعد وطبيعة عمل كل منهم وساعات العمل ومدة العقد ومقدار الأجر، وفق ما هو مسجل في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي».

يقول النجداوي إن عبء إثبات عدد الساعات التي عملها الموظف يقع على صاحب العمل، في حال تقدم موظف بشكوى عدم احتساب الساعات التي عمل بها، معتبرًا أن إثبات ساعات العمل إلكترونيًا أمر «سهل»، ويضيف أن الوزارة استقبلت إلى الآن شكاوى «خفيفة» فيما يتعلق بالخلاف حول عدد ساعات العمل.

قطاعات فتحت تدريجيًا، وأجور بالتراضي

يوّضح النجداوي أنه في حال حصلت منشأة ما، خلال تعطلها، على موافقة على تخفيض الأجر في النصف الأول من شهر نيسان، ثم عاد بعض الموظفين للعمل في النصف الثاني من الشهر، فإن على المنشأة أن تعطي الموظفين 50% من أجرهم عن فترة تعطلهم، وكامل أجرهم عن الأيام التي عملوا فيها.

بحسب بيان صادر عن وزارة العمل، فقد وافقت الوزارة على تخفيض أجور 52 ألف عامل لشهري نيسان وأيار، وعلى تخفيض أجور 56 ألف عامل لشهر نيسان فقط، فيما رفضت تخفيض أجور 17 ألف عامل، من أصل 124 ألف عامل طلبت منشآتهم تخفيض أجورهم. ولم تذكر الوزارة أسباب رفض باقي الطلبات واكتفت بالقول إن الرفض جاء لأسباب متعددة. وبموجب قرار الحكومة بعودة المؤسسات في مختلف القطاعات للعمل بكامل طاقتها الإنتاجية باستثناء قطاعات محددة، توقفت الوزارة عن استقبال طلبات إضافية في السادس من أيار.

يقول عمرو إياد، العامل في محل لقطع غيار السيارات في بيادر وادي السير براتب 1300 دينار، إنه عاد للعمل في العشرين من نيسان، وحصل على 540 دينارًا، هي أجره عن الأيام العشرة التي عمل بها، ووُعد بالحصول على بدل التعطل عن العشرين يومًا التي سبقت تلك الفترة، والتي لم يكن مسموحًا العمل خلالها، لكنه لم يحصل عليه حتى الآن.

يقول المجالي إن بعض القطاعات عادت للعمل بعد 16 نيسان، بعد أن كانت حصلت في بداية الشهر على موافقات لموظفيها بالاستفادة من برامج الضمان الاجتماعي للمتعطلين عن العمل، فسمح لهم بالاستفادة من برامج التضامن عن شهر نيسان كاملًا.

في الأسبوع الأخير من نيسان، سمحت الحكومة لقطاعات عديدة بالعودة إلى العمل، منها صالونات التجميل، الدراي كلين، محلات تصليح الساعات، محلات الإكسسوارات والمكتبات. يقول عاملون في عدد من هذه المحال أنهم توصلوا إلى تفاهمات مع صاحب المحل، الذي يشغّل موظف أو اثنين فيه. 

يرتبط بعض الموظفين في تلك المحلات مع صاحب المحل بعلاقة قرابة أو صداقة، ما جعل آلية التفاهم تختلف عن المسارات التي نصّ عليها أمر الدفاع، حسبما يقول محمد رمضان العامل في مكتبة فتحت أبوابها في الأسبوع الأخير من نيسان. إذ يقول محمد إن الصداقة التي تربطه بصاحب المكتبة دفعته لأن يعرض على صاحب المكتبة عدم دفع أي أجور أو ترتيبات مالية عن شهر نيسان. إلا أن الأخير أصرّ على دفع 200 دينار، وهو الأجر الشهري لمحمد، لقاء عمله في الأسبوع الأخير من الشهر. 

أما العشريني عمر، الذي يعمل في محل للإكسسوارات، فيقول إنه عمل في الأيام العشرة الأخيرة من نيسان، وكان صاحب المحل يساعده «بعشرة، عشرين» دينارًا كلما احتاج خلال نيسان، ولم يقبض إلى الآن راتب أيار. بالقرب منه، يعمل طارق موسى في محل تصليح كمبيوترات، ويقول إن صاحب المحل صديقه من سنوات، ما جعله يخجل من سؤاله عن أجر شهر نيسان الذي لم يفتح خلاله المحل، ولا يعرف إلى الآن مصير راتب أيار.

ماذا الآن؟

بحسب البلاغ الحكومي الأخير، فإن العمل بالخصم بنسبة 30% من الراتب للقطاعات الأشد تضررًا، والخصم بنسبة 50% للعاملين غير المكلفين بعامة، و60% للعاملين غير المكلفين في القطاعات الأشد تضررًا، تنتهي مع نهاية حزيران.

يرى أحمد عوض رئيس المرصد العمالي، أن البلاغ الحكومي ومن قبله أوامر الدفاع والسياسات والإجراءات الحكومية السابقة وضعت العامل في مواجهة صاحب العمل، و«رفعت يدها» عن تحمل أي مسؤوليات مالية تجاه دعم المنشآت التي تضررت. فيما يقول النجداوي إن الحكومة تقدم برامج حماية وصناديق لدعم المتضررين، وتحاول حماية العمال من الفصل وفقدان الوظائف في القطاع الخاص عبر تقييد إمكانيات إنهاء العقود. أما البطاينة، فقال في منشور له عبر فيسبوك، إن «عدم دعم العامل لصاحب العمل قد يؤدي إلى عملية تسريح جماعية».

أعلنت وزارة العمل عن استقبال نحو 131 ألف شكوى في شهر نيسان تتعلق جميعها بالتأخر في دفع الأجور وإنهاء العقود. يقول النجداوي إن الشكاوى على مخالفات أخرى غير تأخر الأجور وإنهاء العقود كانت بأعداد قليلة، ومعظمها تمّ حله في حينها، ولم تصدر إلى الآن أرقام الشكاوى عن شهر أيار. 

حول دور وزارة العمل، يقول عوض إن «دور وزارة العمل هو تنظيم علاقات العمال مع أصحاب العمل على أسس عادلة تراعي مصالح جميع الأطراف، أما متابعة الشكاوى واستقبالها هذا دور النقابات العمالية اللي تم إضعافها عبر السنين». 

بحسب المعايطة، فإن اتحاد النقابات العمالية الرسمي يستقبل شكاوى من موظفين في القطاع الخاص ويقوم بتحويلها إلى وزارة العمل، دون أن يكون لديهم أي إحصائيات أو تصنيفات لنوع وأرقام هذه الشكاوى.

يقول أحمد سمارة الزعبي، نقيب المهندسين الأردنيين، إن النقابة لم تستقبل أي شكوى من العاملين حول العمل عن بعد أو تخفيض الرواتب بنسبة 30%، داعيًا المهندسين للتقدم بشكاواهم للنقابة لمتابعتها. فيما تقول الكسواني إن حملة «قمّ مع المعلم» تقدمت لوزارة العمل بأكثر من قائمة للشكوى وإن الوزارة تقوم بحل عدد كبير منها، وعلى تواصل مستمر معهم. 

وبحسب النجداوي، ففي الوزارة 171 مفتشَ حول المملكة، عملوا خلال فترة الإغلاق عن بعد ويقومون بجولات مكثفة على المنشآت ويتابعون الشكاوى، مع تخصيص خطّ شكاوى ساخن ومنصة إلكترونية. يعلّق أبو نجمة بأن أعداد فرق التفتيش في وزارة العمل ليست كافية لمتابعة كافة الشكاوى والمنشآت. 

* اسم مستعار.

تنويه: شملت نسخة سابقة من هذا التقرير قصة لأحد العاملين ضمن عنوان «عملوا طوال نيسان، وقبضوا أجورهم كمتعطلين»، وقد حذفت هذه القصة بعد النشر، لتبين عدم دقة بعض تفاصيلها. نعتذر على هذا الخطأ.