بدون تهم: أردنيون معتقلون في سجون السعودية

بدون تهم: أردنيون معتقلون في سجون السعودية

السبت 07 آذار 2020
Document

اعتقلت السلطات السعودية 22 أردنيًّا العام الماضي، إضافة إلى واحد عام 2018، أمضى بعضهم الفترة الأولى من الاعتقال في زنازين انفراديّة بدون اتصال بالعالم الخارجيّ، ولم توجّه لهم تهمٌ أو يمثلوا أمام القضاء بعد، فيما لم يُسمح لهم بتوكيل محامٍ. ودارت أسئلة التحقيق معهم حول تحويلات ماليّة إلى فلسطين المحتلّة وعلاقة بعضهم بمنظمات فلسطينية.

من بين أسر المعتقلين الذين قابلناهم أفادت أسرة معتقل واحد فقط بوجود علامات تعذيب على جسده. وتطالب منظمات دوليّة وأخرى محليّة بعرضهم على القضاء، غير أن السُلطات السعوديّة رفضت الإدلاء بمعلومات حولهم واعتبرت الحكومة الأردنية المعلومات عنهم سريّةً، فيما ترفض بعض أسرهم الإدلاء بأي معلومات للإعلام تخوّفًا من تأثير ذلك على وضعهم في السجون.

مع نهاية العام الماضي، أفرجت السلطات السعودية عن واحدٍ منهم، وعن آخر مع بداية العام الجاري، وأحالت 9 منهم للمحكمة مؤخرًا، دون تعيين محامٍ لهم بعد.

يرصد هذا التقرير المعلومات الأساسية عنهم، ويعرض قصص اعتقال بعضهم وجانبًا من الانتهاكات التي تعرضوا لها، ودور الحكومة الأردنيّة في متابعة شؤونهم، كما يُحاول الوصول إلى سبب الاعتقال في أجواء شديدة التكتم على المعلومات. 

23 معتقلًا أردنيًا

في 12 شباط/ فبراير من العام 2019، توجّه أردنيٌّ مقيمٌ في السعوديّة هو أيمن العريان (45 سنة) من حيث يسكن في مدينة أبها إلى مدينة جدّة بنيّة السفر من مطارها إلى عمّان لزيارة والدتهِ، ما إن أنهى العريان إجراءات السفر، حتى اعتقلته السلطات السعودية. في مساء ذاك اليوم الذي اعتقل فيه العريان توجّهت قوةٌ تابعةٌ للأمن السعوديّ إلى بيت أردنيّ آخر في أبها هو نبيل صافي (49 سنة) واعتقلته. 

بهذين الاعتقالين افتتحت السُلطات السعودية الدفعة الأولى من اعتقال أردنيين في السعودية خلال عام 2019. وقبل أن ينتهي الشهر اعتُقل أردنيان آخران هما شريف نصرالله (64 سنة) وعبد الرحمن فرحانة (63 سنة). ثم مع حلول فجر اليوم الأوّل من الشهر الذي يليه، آذار/مارس، اعتُقل أردنيٌّ آخر هو علي الشويكي (32 سنة). وبعد يومين كان مشهور السدة (63 سنة) قد أنهى مناسك العمرة عندما وصل بيته في جدّة ليجد الأمن السعودي بانتظاره، فاعتقلوه، «ساعات وبنرجعه» هذا ما قاله رجال الأمن لعائلتهِ.

في نفس الفترة التي اعتقلت فيها السلطات السعودية الأردنيين، اعتقلت كذلك خمسة فلسطينيين وفقًا لرصد المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد). ومع حلول يوم الرابع من نيسان/ أبريل 2019 بدأت الأمور تتضح قليلًا، وبدأت التوقعات حول أسباب الاعتقالات تشير إلى اتجاه واحد، لكن دون تأكيدات؛ إذ اعتقلت السُلطات السعودية في دفعةٍ أخرى هي الأكبر 14 أردنيًا آخر، كما اعتقلت فلسطينيًا هو ممثل حركة حماس لدى السعوديّة، محمد الخضري، وقالت الحركة في بيان لها إنَّ الخضري كان «مسؤولاً عن إدارة العلاقة مع المملكة العربية السعودية على مدى عقدين من الزمان».

في فجر ذاك اليوم الذي شهد اعتقال العدد الأكبر من الأردنيين في السعوديّة، وفي حوالي الساعة الرابعة فجرًا، وصلت مجموعة من أفراد الأمن السعوديّ مكونةٌ من أربعة أشخاص إلى بيت الأردنيّ عبد الكريم معالي (46 سنة) في جدة، والذي يعمل مديرًا للمشاريع في شركة خاصة بالسعوديّة، تروي زوجته ما جرى في فجر ذاك اليوم «كان ابني صاحي، فبِحكي لأبوه: بابا فيه الحارس [حارس العمارة] على الباب، وفي معه واحد، لابس ثوب، بيحكي إنه سيارتك تحت انخبطت».

فتح عبدالكريم الباب، فطلب منه رجالُ أمنٍ بلباس مدني مرافقتهم، دون أن يفتشّوا البيت، فبدأ الابن بالصراخ «حكاله [رجل الأمن] معلش عمّو، هو بس للساعة عشرة وبيرجع، حتى من كثر ما عيّط قالّه بديّ أروح معكم». هكذا غادر عبد الكريم ولم يعد لا في العاشرة صباحًا من ذاك اليوم، ولا حتى لأشهر تالية، وكانت الأخبار عنه وعمن اعتقلوا قبله في الدفعة الأولى تغيب معهم في السجون وانعدمت تقريبًا كذلك أي تغطيات صحفيّة لحالة المعتقلين باستثناء عبد الرحمن فرحانة (63 سنة) الذي انتشرت أخبار اعتقاله على وسائل إعلام محليّة، وأجنبيّة.

بين شهريّ تموز وآب الماضيين انضم للمعتقلين الأردنيين في السعوديّة معتقلان آخران، لكن قبل أن تبدأ اعتقالات عام 2019 كان أردنيّ آخر هو ماهر الحلمان (51 سنة) يُكمل سنةً تقريبًا كأقدم معتقل أردنيّ -ممن رصدناهم- بدون محاكمة. منذ شهر مارس/ آذار 2018، بلغ عدد الأردنيين المعتقلين على خلفيّة واحدةٍ 23 معتقلًا، إلى جانبهم خمسة معتقلين -على أقلّ تقدير- يحملون وثائق سفر أردنيّة مؤقتة، ومعهم العشرات من الفلسطينيين. في البطاقات أدناه معلومات المعتقلين الأردنيين وحملة وثائق السفر المؤقتة، باستثناء معتقل أردني واحد فضلت عائلته عن نشر اسمه (اضغط/ي على البطاقة لعرض المعلومات).

انقطاع الاتصال وغياب المعلومات

انقطع التواصل بين المعتقلين وأسرهم لمدد تفاوتت بينهم، لكنها تراوحت بين يومين كأقصر مدّةٍ وستة أشهر كأطول مدّة، لم تعرف أسرهم خلالها سبب الاعتقال أو أية معلومات عنهم، فيما أفادت أُسر سبعة معتقلين على الأقلّ بحبسهم في سجون انفرادية لمددٍ تراوحت بين 21-96 يومًا، وحين فتحت السُلطات السعودية باب الزيارات والاتصالات بدأ سبب الاعتقال يتضّح لهم من خلال معرفتهم بالأسئلة التي وُجهت للمعتقلين، «مجريات التحقيق تذهب باتجاه دعم مالي للشعب الفلسطيني، إحنا كأردنيين وفلسطينيين أقاربنا بالضفة، فبعضهم أخذوه على تحويلات» يقول رئيس «لجنة متابعة شؤون المعتقلين السياسيين الأردنيين في السعودية» وصهر أحدهم خضر المشايخ. فيما يقول النائب عن كتلة الإصلاح النيابيّة موسى هنطش الذي التقى موظفين في السفارة السعودية لدى الأردنّ أن التهم التي اعتقل من أجلها الأردنيون تتعلّق بـ«جمع التبرعات».

في أيلول/ سبتمبر عام 2019، ربطت تقارير صحفيّة على وسائل إعلامٍ عربيّة سبب الاعتقالات بتهمة «التعاطف مع المقاومة الفلسطينيّة» أو «التعاطف مع القضيّة الفلسطينيّة ومقاومتها»، دون مزيدٍ من التفاصيل، وضمّت منظمّات دوليّة، في تقارير لها عن المعتقلين، من يحملون الجنسيّة الأردنية مع المعتقلين الفلسطينيين.

تحدثت منظمة العفو الدوليّة في بيانٍ لها عن اعتقال ممثل حماس لدى السعوديّة محمد الخضري وقالت إنَّ اعتقال الخضري يأتي «في سياق حملة قمعيّة أوسع نطاقًا تشنّها السُلطات السعودية ضد الفلسطينيين الذين يقيمون بالمملكة، للاشتباه في صلتهم بحركة حماس». لكن لا معلومات رسميّة سعوديّة حتّى هذه اللحظة حول سبب الاعتقال.

«على مستوى أضحية، مش بتوّدوا الأضحية لغزة؟، اللي معاه بالشركة مجموعة منهم [أبناء غزة] وأقاربهم هناك، فشي طبيعي الواحد يودي لأقاربه [تبرعات]». تقول زوجة المعتقل أيمن العريان حول مجرى أسئلة التحقيق مع زوجها بعدما سُمح لها بزيارته بعد أكثر من 4 أشهر من اعتقاله مرّت دون تواصل بينهما.

الحيلة الوحيدة التي استخدمتها بعض الأسر لمعرفة أخبار المعتقلين هي تبادل المعلومات فيما بينهم، أو التنقل على أبواب السجون مستفسرين عنهم بشكلٍ شخصيّ في ظلّ محدوديّة وصول أو غياب المنظمات الدوليّة. «[بعد شهر من الاعتقال] دخلت عليهم [في أحد السجون]، قلتلهم أبوي بعرفش وينه، أخذوه من باب الدار، مين اللي أخذه؟ أنا كنت غايب» يقول ابن المعتقل جمال أبو عمر(53 سنة). هكذا بدأت رحلة البحث عن مكان المعتقل جمال أبو عمر من قبل ابنهِ، في إحدى المرّات بحث له الموظف على باب السجن عن اسم والدهِ في كشوف السجن «وقالّي لأ، اسم أبوك مش موجود». ومضى  شهر آخر زار بعده أحد السجون «قال خلص بردولك [خبر]»، ولكن انقضى شهر ثالث منذ الاعتقال دون أن يتمكن الابن من الوصول إلى معلومات عن والده.

كذلك كانت أخبار حسين يعيش (59 سنة) تغيب عن والدتهِ التي ظلّت تردد «أبو علي عمره ما تركني» وعندما كانت تسأل عنه يخبرها شقيقه «يمّا تعبان، بعمل إقامات، نقولها أبو علي مليح يمّا. وماتت» دون أن تراه، وكان معه في السجن معتقلًا ابنه محمد يعيش (30 سنة). أما المعتقل علي شويكي (31 سنة) فقد وُلد له توأمٌ (يوسف ويحيى) خلال فترة اعتقاله، ولم يستطع الاطمئنان عليهما أو على صحة زوجته إلا بعد شهر من الإنجاب.

عند سؤاله عن وصول معلومات لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن المعتقلين الأردنيين في السعوديّة قال الباحث في قسم الشرق الأوسط في مكتب المنظمة بعمّان، آدم كوغل، إن رواية واحدة على الأقل وصلته بالفعل، لكن لم توثق المنظمة هذه الرواية.

يستدرك كوغل أنَّ الاعتقالات في السعودية لا تقتصر على الأردنيين والفلسطينيين، بل تطال أشخاصًا من جنسيات مختلفة، وبينهم سعوديون. في قضايا مشابهة تتواصل المنظمة مع السلطات السعودية لكن دون أن تتمكّن من الحصول على أجوبة، «نبعتلهم كتابات رسميّة كثير ما بيردوا، من تقريبًا 10 سنوات ما ردّوا على أيّ إبلاغ، للأسف، [أو] أي طلب معلومات، بس لسّة بنبعتلهم».

زيارات واتصالات منتظمة

قبل أشهر، انتظمت الاتصالات بين المعتقلين وأسرهم، اتصالٌ واحد أسبوعيًا لمدة تتراوح بين 10-15 دقيقة، وانتظمت كذلك الزيارات، إذ وفّرت السُلطات السعوديّة لهم زيارات كل أسبوعين لبعض العائلات وكل شهر لبعضها الآخر، وسمحت بزيارة أخرى لزوجات المعتقلين (خلوة بين المعتقل وزوجته). فيما قالت لنا أسر معتقلين إنَّ الخارجيّة الأردنيّة أخبرتهم أنها ستقوم بتأمين زيارة جماعية للمعتقلين في السعوديّة قريبًا. 

تقول زوجة معالي عن اليوم الذي سُمح فيه لزوجها بمهاتفتها لمدة سبع دقائق، وكانت غادرت السعودية للأردن: «أنا كل فكري هو مع جماعة وهيك، فلما اتصل بحكيله شو أخبارك؟ لحالك؟ فبحكيلي: أنا لحالي آه، ما عندي حدا، ما بشوف حدا، ففهمت إنه بالانفرادي».

توزع المعتقلون الأردنيون على سجون في مدن ومناطق سعودية عدة: 10 معتقلين في ذهبان، وثلاثة في حائر، وأربعة في الدمام، وثلاثة في أبها، واثنان في عسير، وواحد لم يتسنّ لنا معرفة مكان اعتقاله، لكن كانت السُلطات السعودية دون إخطار الأهل تجري أحيانا تنقلات لمعتقلين أردنيين بين السجون.

يعتبر المحامي سالم المفلح مدير وحدة المساعدة القانونيّة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في مركز عدالة لدراسات حقوق الإنسان التوقيف في الأماكن الانفرادية عقوبة، ويجب اتخاذ القرار بشأنها من قبل سلطات التحقيق أو السلطات القضائية، «لا يمكن توقيف أي شخص بالحبس الانفرادي دون وجود أي مبررات، وهو[الحبس الانفراديّ] يدخل في مفهوم إساءة المعاملة» يقول المفلح.

الخروج للعلن

تخوّفت أسر المعتقلين في البداية من التواصل مع الإعلام لاعتقادهم أن ذلك سيؤثر سلبًا على وضع المعتقلين في السجون، فتوجهوا في البداية إلى بعض النوّاب الأردنيين، وقد قابل النائب موسى هنطش موظفين في السفارة السعودية لدى الأردن بين حزيران وتموز 2019 لكنه لم يحصل على معلومات إضافيّة عن المعتقلين.

وتوجهت لجنة متابعة شؤون المعتقلين في السعودية إلى وزارة الخارجية الأردنيّة والمركز الوطني لحقوق الإنسان، وعندما لم يحصلوا على أية معلومات عن المعتقلين أو أية بوادر لإحالتهم للمحاكمة أو الإفراج عنهم تحرّكت الأسر، «إحنا لحد يعني ما قبل شهرين [شهر تشرين الأول 2019] شعرنا إنه ما في نتيجة، بدينا نوخذ إجراءات» يقول المشايخ.

اعتصمت بعض الأسر أمام مبنى مجلس النواب، ومن ثم أمام مبنى وزارة الخارجية الأردنيّة بين شهري تشرين الثاني وكانون الأول 2019. «الاعتصامات والظهور للإعلام كان عبارة عن تحريك الملف وفضفضة للناس والأهالي أكثر منه احتجاج، لإنه الناس انتظروا أشهر» يقول المشايخ.

في إحدى المرات أعلنت اللجنة نيّتها تنفيذ اعتصام أمام الخارجيّة، اتصل موظفون من الوزارة بالأسر، «الوزير [أيمن الصفدي] حاب يشوفكوا»، نقلا عن المشايخ. والتقت اللجنة وبعض أهالي المعتقلين أخيرًا مع وزير الخارجية يوم 11 من شهر كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي.

في هذا الاجتماع طلب وزير الخارجية من أسر المعتقلين عدم الخروج للإعلام. «همة [الخارجية] بيقولك لا تعملوا أي إثارة إعلامية، حريّتكوا بدكم تعتصموا اعتصموا»، يقول قريب أحد المعتقلين الذي فضّل عدم ذكر اسمه. بعدها نفّذت أسر بعض المعتقلين وقفة أمام السفارة السعودية لدى الأردن يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

أسئلة حول ظروف الاعتقال

 باستثناء حالة واحدة، نفت أسر المعتقلين وقوع تعذيب أو سوء معاملة لأبنائهم خلال القبض عليهم أو أثناء فترة اعتقالهم في السجون، إضافة إلى ذلك قال بعضهم -نقلا عن أقاربهم المعتقلين أثناء زيارتهم- إن السُلطات السعودية توفّر العناية الطبيّة اللازمة لمن يعانون من أمراض مزمنةٍ منهم. «مهتمين فيه بالعلاج لإنه هو عنده مشاكل بالسكّر ومشاكل بالضغط. مشاكل في ألياف الظهر، يقول اهتموا فيه (…) حلف بالله، وهو رجل صادق، قالها [لزوجته] لم يمسني أحد لا بكلمة ولا باليد»، يقول شقيق عبد الحافظ أبو حميدة. 

وأفادت شهادات أسر اثنين من المعتقلين بانخفاض وزنهم. يقول المفلح حول هذا الشأن إن طول مدة التوقيف ودون إمكانيّة الاتصال بالعالم الخارجي يعتبر مؤشرًا دائمًا على وجود انتهاكات لحقوق الإنسان، «إذا أجمعوا جميعهم هذا لا يعني إنهم لم يتعرضوا لعدم توفير الضمانات الأساسيّة للمحاكمة العادلة (..)، مجرد اعتقال الشخص ووضعه في زنازين انفرادية هذا يعتبر مؤشر على إساءة المعاملة، أنا بعرف أن الأشخاص المحكوم عليهم أو المطلق سراحهم، هناك خوف من الإدلاء بشهادات».

تنص المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن تتعهد الدول الأطراف بأن تمنع، في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية، حدوث أي أعمال أخرى من أعمال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي لا تصل إلى حد التعذيب.

لم توقع أو تصادق السعودية، إلى جوار 18 دولة في العالم، على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيّة. فيما ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في المادة 10 منه، على أنَّ لكل إنسان «الحقُّ في أن تَنظر قضيتَه محكمةٌ مستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا مُنصفًا وعلنيًّا»، وتنص المادة 11 من نفس الإعلان على أنَّ «كلُّ شخص متَّهم بجريمة يُعتبَر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمة علنية تكون قد وُفِّرت له فيها جميعُ الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه». 

يقول المفلح إنَّ التعامل مع المعتقلين يكون على أساس قرينة البراءة المفترضة، وأن يوفر لهم  الضمانات الأساسية ومن أهمها الاتصال بمحامي، وتوجيه تهمة بشكل مباشر، وإحالته إلى سلطة قضائيّة مختصة بأسرع وقت ممكن. وحول عدم توقيع السعودية أو مصادقتها على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسيّة يقول إنَّ ذلك لا يعني جواز مخالفتهم للمعايير الدولية التي نظمتها الاتفاقات الدولية وخاصةً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة.

يطالب كوغل السعوديّة بتوجيه تهم للمعتقلين، وفي حال عدم إسناد تهم لهم «فعلى السعودية إطلاق سراحهم». ويقول الخبير في حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فادي القاضي، بأنه ما من مانعٍ على من تعرّض للظلم سواءً جسديًا أو نفسيًا أو معنويًا أو ماديًا لأن يسعى إلى التماس جبر الضرر الذي وقع عليه، رغم عدم وجود تحديدٍ واضحٍ لمفهوم جبر الضرر في الاتفاقات الدوليّة، إلا أن جبر الضرر يسعى إلى تمكين الشخص المعني من العودة إلى وضعه الطبيعي أو أقرب ما يكون إلى ذلك قبل وقوع الضرر.

حملة الجوازات الأردنية

تمكّنا من رصد خمسة معتقلين تقول أسرهم إنهم يحملون جوازات سفر أردنيّة مؤقتة، فيما لم نستطع التأكّد ما إذا كانت وزارة الخارجيّة تتابع ملفهم. حيث لم تقدم لنا الوزارة أية معلومات عن المعتقلين من المواطنين وحملة الجوازات المؤقتة، معتبرة إياها «سرية ومكتومة» .

سأل المشايخ الوزارة في ما إذا كانت تتابع أوضاعهم «قلتلهم، الذي يحمل الجواز الأردني دون الرقم الوطني هل تصنفوه أردني ولّا لأ؟ قالّي ما بعرف».

ومثل الوزارة، لم تقدم السفارة الفلسطينيّة لدى الأردن إجابةً عمّا إذا كانت السلطة الفلسطينية تتابع شؤونهم، ولا أجابت حركة حماس على استفساراتنا في ما إذا كانت تتابع قضيتهم.

لكن قرار مجلس وزراء الداخلية العرب الخاص بمعاملة الفلسطينيين في الأقطار العربية ينص على أن تُعامل وثيقة السفر الخاصة باللاجئين الفلسطينيين الصادرة من أي قطر عربي نفس معاملة جواز السفر الخاص بمواطني ذلك القُطر، ويُعامل الفلسطيني الحامل لوثيقة سفر اللاجئين الفلسطينيين معاملة رعايا الدول المصدّرة لهذه الوثيقة في حرية الإقامة والعمل والتنقل، وفي حال ارتكاب الفلسطيني لأي جريمة في أي قطر عربي تسري عليه قوانين القطر الذي يقيم فيه.

كما تنصّ المادة 23 من اتفاقية وضع الأشخاص عديمي الجنسيّة لعام 1954 لجامعة الدول العربية على أن «تُعامِل الدول المتعاقدة عديمي الجنسيّة المقيمين بصورة نظامية في إقليمها معاملتها لمواطنيها في مجال الإغاثة والمساعدة العامّة».

الحكومة الأردنية ترفض الإفصاح عن المعلومات

اشتكت بعض أسر المعتقلين من عدم تأدية وزارة الخارجية دورها تجاه المعتقلين وأسرهم، خاصةً أن بعضهم كان بحاجة إلى إجراءات تتعلّق بالسفر من وإلى السعودية، وهو ما يزداد تعقيدًا في ظل اعتقال رب الأسرة الذي يعتبر بحسب الأنظمة السعودية «كفيلا» لهم، وهو من يتولى عادة إجراءات تأشيرات الخروج والعودة للتابعين له (زوجته وأبناؤه).

اتصلت زوجة المعتقل محمد أسعد (47 سنة) أثناء إقامتها بالرياض لمدة 5 أشهر بعد اعتقال زوجها مع السفارة الأردنية للاستفسار عن قضيته، «صراحة ما أفادوني بأي شيء».

ومن المشاكل التي واجهت العائلة عدم تمكن ابنته من الخروج من السعودية لمتابعة دراستها في الأردن «لجأت للسفارة عشان يعملولها خروج وعودة وترجع لدراستها هون»، لكن لم تستطع السفارة تأمين خروج لها، «انفرجت الأمور من خلال أمن الدولة [السعودي]». لكن كان ذلك بعد فوات الأوان إذ ضاع فصل دراسي على ابنتها. فيما حاولت أسر معتقلين توكيل محامين «وقالوا [في وزارة الخارجية] مش كل القضايا بيكون فيها محامي وهو حاليًا بمرحلة تحقيق» يقول ابن المعتقل إبراهيم باجس. 

فيما يتعلّق بالمعلومات لم تفصح الخارجية للجنة متابعة المعتقلين الأردنيين عن أعداد المعتقلين أو في ما إذا كان هناك قنوات اتصال مع السعودية بشأنهم، معتبرةً الملف ذا خصوصيّة، حتّى عندما طلب رئيس اللجنة خضر المشايخ من وزير الخارجيّة أيمن الصفدي قائمة بأسمائهم رفض طلبه معتبرًا «أن القائمة لها خصوصية كونها (..) تحمل خصوصية لأهاليهم».

تطالب بعض الأسر بتوفير معلومات حول المعتقلين، ويقول المفلح إنَّ الأصل، إذا ما توافرت المعلومات للدولة الأردنية بالتهم المنسوبة لهؤلاء الأشخاص وطبيعة التعامل الذي تعرضوا له، أن يتم إفهام وتبليغ الأهالي بهذه الإجراءات، حيث لا يوجد أي مبرر لإخفاء أي معلومة.

في حادثةٍ مشابهةٍ لمعتقلين أردنيين في دولة عربية أخرى قابل فيها آدم كوغل من هيومن رايتس ووتش موظفين في وزارة الخارجية الأردنية، يقول كوغل: «حكينالهم بدنا نصدر بيان للموضوع»، فطلبت منه التريث تخوّفًا من إلحاق الضرر بمسار مفاوضات كانت الخارجية تجريها.

في اتصال هاتفي مع الناطق باسم وزارة الخارجية، ضيف الله الفايز، وجهنا سؤالًا حول شكاوى بعض الأسر من عدم توفير المعلومات عن أبنائهم المعتقلين فردّ أن الوزارة ترحب بأي شكوى منهم، فيما لم يجب على أسئلتنا الأخرى معتبرا المعلومات حول المعتقلين سرية. 

قدمنا للخارجية طلبًا للحصول على المعلومات حول المعتقلين الأردنيين، والفلسطينيين من حملة جوازات السفر الأردنية، فجاء ردهم: «المعلومات المطلوبة هي مصنفة من السرية والمكتومة ضمن سجل التصنيفات المعمول به في وزارة الخارجية وشؤون المغتربين».

أما المنسق العام الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء، عبير دبابنة، فتقول إن ملف المعتقلين عند وزارة الخارجيّة وهو أولى أولوياتها، «في تواصل يومي وحثيث بين وزارة الخارجية وبين مدير إدارة الشؤون القنصلية والمعنيين بالوزارة مع  السُلطات في دولة السعودية بهذا الشأن». 

كما رفض المركز الوطني لحقوق الإنسان التعليق أو الإجابة على أسئلتنا، بحجة أنَّ سلامة المعتقلين أهم من الخروج للإعلام، لكن مصدرًا في المركز فضّل عدم ذكر اسمهِ قال: «وصل طلب للمركز من ممثلين عن الموقوفين الأردنيين في السعودية قبل أيّام معدودة [قبل 23 كانون الثاني/ يناير 2020] وهو [أي المركز] بصدد القيام بما يستطيع ويسمح به ولايته في هذا المجال».

يقول المفلح إن دور المركز الوطني لحقوق الإنسان محدود لكن من الممكن أن يلعب دورًا في إيصال صوت أهالي المعتقلين للجهات الحكومية الأردنية المختصة، وفي رصد وتوثيق الحالات إذا وردت له، «فش ما يمنع إنه يوثق».

في اليوم الأخير من العام 2019 وصل أحد المعتقلين الأردنيين في السعودية إلى الأردن بعدما أفرجت السُلطات السعودية عنه فجأة، لم يصل أسامة العطاري (45 سنة) إلى بيته مباشرة، فقد تم اعتقاله من المطار فور وصوله الأردنّ، وفقًا للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، قبل أن تفرج عنه بعد ثلاثة أسابيع حسبما نقلت وسائل إعلام محلية.

محاكمات

أثناء العمل على هذا التقرير، أفرجت السلطات السعودية عن أردنيين اثنين في وقتين مختلفين، بدون إحالتهما للمحكمة، هما أسامة العطاري في اليوم الأخير من العام 2019، وعبد الحافظ أبو حميدة يوم 2 شباط/ فبراير 2020.

وعرَفَت -مؤخرا- أسر 11 معتقلا أردنيا على الأقل، واثنان من حملة جوازات السفر الأردنية المؤقتة، أن السُلطات السعوديّة حدّدت يوم 8 آذار/ مارس 2020 موعدًا لأول جلسة محاكمةٍ لهم. لم تُبلغ السُلطات السعودية الأسر بوجود جلسة محاكمةٍ إلا عندما اتصلت بعض الأسر بالجهات السعودية فعرفوا حينها موعد الجلسة. ولم يسمح لهم بتوكيل محامين بعد، فيما شملت قائمة الأردنيين ممن أحيلوا إلى المحكمة ماهر الحلمان المعتقل منذ العام 2018 ، وأيمن العريان ونبيل صافي المعتقلان من دفعة الاعتقال الأولى في شباط/فبراير 2019، ومعهما 6 معتقلين منذ شهر آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2019.

وقد أُحيل هؤلاء المعتقلون إلى «المحكمة الجزائية المتخصصة»، وهي محكمة خاصة أنشِئت في السعودية عام 2008، وتتولى الفصل في الجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله.

يعلق كوغل بأنَّ المحكمة المختصة بالرياض يُمكن أن تجدّد التوقيف دون شروط. وبحسب المادة 19 من نظام مكافحة جرائم الإرهاب فإن للنيابة العامة السعودية «إصدار أمر توقيف أي متهم في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في النظام مدة أو مددًا متعاقبة لا يزيد أي منها على ثلاثين يوما ولا تزيد في مجموعها على اثني عشر شهرا. وفي الحالات التي تتطلب التوقيف مدة أطول، يُرفع الأمر إلى المحكمة المختصة لتقرير ما تراه في شأن التمديد». 

أما في حال تمَّ توجيه تهم للمعتقلين وحُكموا بعقوبات سالبة للحرية فإنَّ على السعودية بحسب «اتفاقيّة نقل المحكوم عليهم بمعلومات سالبة للحرية بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية» إخبار الأردن بهذه العقوبات. وتنص الاتفاقية على أن يتعاون الطرفان «إلى أقصى مدى ممكن» لإكمال مدة المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية لإكمال مدة محكومياتهم داخل دولة جنسية المحكوم عليه. لكن تشترط الاتفاقية أن تكون الجريمة الصادر بشأنها حكم الإدانة معاقبًا عليها في تشريعات الطرفين، وأن يكون الحكم قطعيًّا وواجب التنفيذ، وبموافقة الطرفين والمحكوم عليه وأن لا تقل مدة الحكم عن ستة أشهر.

خاتمة

خلال العمل على هذا التقرير، أحجمت عدة جهات رسميّة عن الإدلاء بالمعلومات والتصريحات، فلم تجب السفارة السعودية لدى الأردن على الاتصالات والرسائل المتكررة لهم، فيما علّلت أطراف حقوقية أردنية شبه حكومية رفض التصريح بتخوّفها على وضع المعتقلين في السجون، والتزمت جهات أخرى الصمت مثلما التزمته في الأشهر السابقة «لإفساح المجال أمام الاتصالات الدبلوماسيّة» كما قالت حماس.

حتّى أن خبراء حقوقيين في بعض مؤسسات حقوق الإنسان المحلية رفضوا التعليق بسبب ما قالوا إنه تعرّضُ زملاءٍ لهم للمساءلة أثناء زيارات للسعودية بسبب تعليقهم على حوادث مشابهةٍ. وهكذا لم يكن الصمت والتخوّف عند بعض أسر المعتقلين وحسب، إنما طال كذلك جهات رسميّة وأخرى حقوقيّة.

أخيرًا، بين المعتقلين الأردنيين في السعودية من سبق وتعاقد تجاريًا مع الحكومة السعوديّة، وآخرون عملوا لسنوات في دوائر حكوميّة سعوديّة، وأمضى 4 منهم على الأقل من أعمارهم في السعودية أكثر مما أمضوا في  بلدهم الأردن، منهم مشهور السدّة ذو الـ64 عاما التي أمضى منها 45 عاما في السعودية، يرى المشايخ أن السبب الذي جعل التبرعات لفلسطين فعلا قد يُعتقل عليه المتبرع، بعدما كانت مسموحةً في الماضي وبعلم السلطات السعودية: «السياسة تغيّرت».


تمّ إعداد هذا التقرير بدعمٍ من منظمة «صحافيون من أجل حقوق الإنسان» (JHR).