أردنيّان في سجون الاحتلال: حول اعتقال هبة اللّبدي وعبد الرحمن مرعي

الثلاثاء 17 أيلول 2019
هبة اللبدي، وعبد الرحمن مرعي، المعتقلان لدى سلطات الإسرائيلي.

اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيليّة مواطنين أردنيّين اثنين، نهاية شهر آب وبداية شهر أيلول، من على جسر الملك حسين، أثناء توجههما للضفة الغربيّة لغايات حضور مناسبات اجتماعيّة. بعد ثمانية أيام على اعتقال عبد الرحمن مرعي، و20 يومًا على اعتقال هبة اللبدي، استدعت الخارجيّة الأردنيّة سفير «إسرائيل» لتطالب بالإفراج عنهما وتوضيح ظروف الاعتقال والتهم الموجهة لهما.

ماطلت سُلطات الاحتلال، وأجلّت محاكمة الاثنين أسبوعًا آخرًا بعد استدعاء السفير، وضربت موعدين لجلستين لهبة وعبد الرحمن. لم يكن هناك بحسب محامييّ المعتقلين أي لائحة اتهام ضدهما حتّى يوم أمس، 16 أيلول؛ ففي هذا اليوم وجهت لعبد الرحمن تهمة «مقاومة الاحتلال» و«المشاركة في احتفالات ضد إسرائيل بالضفة»، وشبهات على اللبدي بـ «التحريض للقيام بأعمال عسكريّة والاتصال بعميل أجنبيّ». وأجلّت محاكمتهما أسبوعًا آخرًا كذلك، ليمضي على توقيفهما حتى اليوم 28 يومًا لهبة، و15 يومًا لعبد الرحمن.

هبة اللبدي

خرجت هبة أحمد عبد الغني اللبدي (32 سنة) من بيتها في عمّان الساعة السابعة والنصف صباحًا من يوم 20 آب الماضي، برفقة والدتها وخالتها باتجاه جسر الملك حسين، بقصد زيارة جنين في فلسطين المحتلّة لحضور زفاف ابن خالتها. كانت الزيارة بالنسبة لأهلها في عمّان مثل أيّة زيارة سابقة لهبة التي تحمل الهوية الفلسطينية، مما يمكنها نظريًا من دخول الضفة الغربية دون عوائق، واستمر هذا الظنّ حتّى ظهيرة ذاك اليوم؛ إذ لم يردَّ أحد من ثلاثتهنّ على الهاتف حين قلقت العائلة على تأخر وصولهن إلى جنين.

«إحنا لما طوّلوا وما وصلوا، قلقنا، وجربنا نرن عليهم، على ماما وعلى خالتو، ما حدا كان يرد». تقول شقيقة هبة، منى اللبدي. بحدود الساعة الرابعة والنصف أجابت خالة هبة على الهاتف، وأخبرتهم عن اعتقال هبة «ردت علينا لما رجعولها [الاحتلال] موبايلها، وحكتلي إنو ضباط الاحتلال على الجسر بحكولهم إنه لازم تراجعوا الارتباط بخصوص هبة، وروّحوا». 

بدأت اتصالات العائلة بمكتب الارتباط العسكري، المكلف بتنسيق الشؤون الأمنية بين السلطة الفلسطينية و«إسرائيل»، للاستفسار عن مكان هبة، لكن دون أن يعرفوا مكانها. «بعدين على الخمسة ونص تقريبًا، أكّد الارتباط إنو هبة تم اعتقالها، بس ما كنا عارفين وين أخدوها»، تقول منى.

وكَّلت العائلة محاميًا لهبة ليل 20 آب، وفي اليوم التالي عرفت العائلة بمكان هبة وكانت بمركز تحقيق «بيتح تكفا»، صبيحة اليوم التالي 23 آب نشرت منى اللبدي على حساب شقيقتها هبة في فيسبوك «قوّات الاحتلال تعتقل هبة على الحدود، هي لا تستخدم ملفها الشخصي، يُرجى عدم التواصل مع ملفّها الشخصي أو التعليق عليها». بحسب أصدقاء لهبة كانت هبة قد أغلقت حسابها على فيسبوك منذ شهر تقريبًا قبل توجهها للضفة، وعندما دخلت فلسطين وبعد اعتقالها بساعات كان الحساب قد فُتح.  

تخرّجت هبة من قسم المحاسبة في جامعة عمّان الأهليّة، ومكثت سنة في الأردن قبل أن تنتقل للإمارات وتعمل كمحاسبة في أحد البنوك هناك، قبل سنتين عادت إلى عمّان، ومن يومها وهي بدون عمل.

يقول حاتم اللبدي، شقيق هبة، إن محاميها لم يستطع رؤيتها في بداية اعتقالها، إلا أن القنصل الأردني في تل أبيب زارها مرتين، كانت أولاهما في اليوم الثاني لاعتقالها.

بعد مضي ثلاثة أسابيع لم يكن لدى العائلة أي معلومات عن سبب الاعتقال أو التهم الموجهة لهبة «القنصل طمّنا عليها، وقال معنوياتها عالية (..) ولا بنعرف أي تفاصيل. هي ما عليها إشي حتّى يوقفوها»، يقول شقيقها. وزار الصليب الأحمر هبة مرة واحدة، يوم الأربعاء 4 أيلول، عارضًا أن يوصل إلى هبة رسالة من عائلتها، بحسب شقيقها.

لكن في وقتٍ متأخرٍ من يوم 11 أيلول، قرّرت سلطات الاحتلال الإسرائيليّة «إزالة منع لقاء محام» عن هبة، بحسب محاميها رسلان محاجنة، وقررت عقد جلسة استئناف في محكمة عوفر العسكريّة قرب رام الله، يوم الخميس 12 أيلول. كانت تلك المرة الأولى التي تلتقي فيها هبة بمحاميها، كما كانت المرة الأولى التي تخرج فيها من مكان احتجازها في بيتح تكفا إلى المحكمة، بعد 23 يوم اعتقال.

تأجلت جلسة محاكمة هبة حتى يوم الاثنين، وسمح لوالدتها بالحضور بالإضافة لمحاميها الذي أكَّد لحبر أنها «تنكر كل الشبهات الموجهة إليها»، وهي بحسب محاجنة «التحريض للقيام بأعمال عسكريّة، والاتصال بعميل أجنبي»، ومددت المحكمة اعتقالها سبعة أيام أخرى.  

ناشدت العائلة وزارة الخارجيّة الأردنيّة بالمساعدة في إخراج تصريح زيارة لوالد هبة الذي لا يحمل الهوية الفلسطينية، ومتابعة أمورها، لكن الخارجية لم تتجاوب بالشكل الكافي، حسبما يقول شقيقها حاتم. وكانت وزارة الخارجية الأردنيّة وشؤون المغتربين قد قالت في 22 آب إنَّ الوزارة والسفارة الأردنيّة في تلّ أبيب «تتابعان موضوع احتجاز المواطنة الأردنيّة هبة عبد الباقي اللبدي منذ اللحظة الأولى لاحتجازها من قبل السلطات الإسرائيليّة».

تقول الناطقة باسم نادي الأسير الفلسطيني، أماني سراحنة، حول مثل هذه التوقيفات التي تنتهجها سلطات الاحتلال، إن قانون الاحتلال العسكري الإسرائيلي هو مجرد ذراع لتسيير ما تأمر به الأجهزة الأمنية. وحول مكان اعتقال اللبدي تقول السراحنة إن بيتح تكفا هو مركز تحقيق وتوقيف، وهو من أسوأ هذه المراكز إلى جانب المسكوبيّة وعسقلان والجلمة. «من ناحية ظروف الاحتجاز، تكون قاهرة وقاسية جدًا، والزنازين لا تصلح للبشر، ومستوى التحقيق بيكون أعلى في هذه المراكز من حيث شدته، ويكون فيه التوقيف انفرادي»، تقول سراحنة.   

عبد الرحمن مرعي

يوم الإثنين 2 أيلول، توجه عبد الرحمن مرعي (28 عامًا) مع والدته لجسر الملك حسين قاصدًا فلسطين بغرض حضور حفل زفاف ابن خالته في نابلس. بحدود الساعة الثامنة والنصف تقريبًا، كان على الجانب الذي تسيطر عليه «إسرائيل» من الجسر. «توقّف من الساعة ثمانية ونص تسعة [صباحًا]، حتى الساعة ثلاثة ونص أربعة وكانت والدتي تستنى فيه، هي ختمت جوازها وتستنى فيه»، يقول شقيق عبد الرحمن، أحمد مرعي. 

خرج عبد الرحمن بعدها يُرافقه أربعة جنود وضابط وأخبروا والدته أنهم يُريدونه لأيام قليلة، وحين استفسرت والدته عن سبب التوقيف أجابها الجنود بأن لا تفاصيل. وصل الخبر عائلة عبد الرحمن في الأردنّ. «إحنا حكينا ما بدنا نعمل بلبلة بالموضوع، خلينا نشوف يومين شو بيصير معاه، إحنا كنا متوقعين مليون بالمية إنو هو يطلع، ما فيه شك واحد بالمية إنو عليه إشي؛ لأنه إحنا بنروح وبنرجع وعارفين كيف أمورنا ماشية»، يقول أحمد. قبل توقيفه في ذاك اليوم بثلاثة أسابيع تقريبًا، كان عبد الرحمن مع شقيقه أحمد في زيارة إلى فلسطين ولم يسألهما أحدٌ أو تستجوبهما سلطات الاحتلال في تلك الزيارة، أو الزيارات المتكررة التي يقومون بها بين فترة وأخرى. 

مع دخول يوم السبت 7 أيلول، كانت أخبار توقيف عبد الرحمن وحالته الصحيّة قد انتشرت على وسائل الإعلام، كونه مريضًا بالسرطان. في اليوم نفسه، تواصلت الخارجية الأردنيّة مع والد عبد الرحمن. «حكوا له ثاني يوم بتيجي عنّا وبتكتب استدعاء رسميّ عشان الخارجية تبلش تتواصل (..) أنا ثاني يوم طلعت على الخارجيّة، خبرت بشكل رسمي لكن شو الإجراء اللي صار ما حد بيعرف»، يقول شقيقه أحمد. 

علمت العائلة أن عبد الرحمن موقوفٌ في سجن عوفر، وأنَّ نادي الأسير الفلسطيني كلّف المحامي محمود الحلبي بمتابعة قضيّة توقيفه. زار الحلبي عبد الرحمن في سجنه، ليتبين أن الأخير موقوفًا إداريًا، وأن السبب سيُعرف خلال جلسة محاكمته يوم الإثنين 16 أيلول. وطلب الحلبي من عائلة مرعي إرسال ملفه الطبيّ في مركز الحسين للسرطان، أملًا في أن يكون ذلك عاملًا في إطلاق سراحه، بحسب شقيقه أحمد.

في 10 أيلول، أي بعد ثمانية أيام على توقيف عبد الرحمن، و20 يومًا على توقيف هبة اللبدي استدعت الخارجية الأردنيّة السفير الإسرائيليّ في عمّان «مطالبةً بالإفراج الفوري عنهما»، كما طالب بيان الوزارة بإعلامها بتفاصيل الاعتقال والتهم الموجهة لهما ومجريات التحقيقات وضمان حقوقهما القانونيّة. بعدها بيوم واحد، أي في 11 أيلول، زار القنصل الأردني في تل أبيب عبد الرحمن مرعي في مركز اعتقاله في عوفر. 

ووفقًا لتقرير مركز الحسين للسرطان، تعرّض عبد الرحمن «لورم سرطاني في الأنسجة الرخوة في التجويف الأنفي الأيمن (..) منذ العام 2007». أجرى عدة عمليات جراحيّة في مستشفى رمبام في حيفا المحتلّة، ثم عمليات  جراحية في مدينة الحسين الطبيّة، ثم تلقّى 29 جلسة علاج شعاعي في مركز الحسين من أصل 33 جلسة، وأنهى العلاج على مسؤوليّته في آذار 2015. 

يورد تقرير مركز الحسين للسرطان كذلك أن عبد الرحمن قيد المتابعة الطبيّة، حيث أظهرت آخر صورة رنين مغناطيسي أجريت له في أيار 2019 عدم عودة أو انتشار الورم، لكن التقرير يؤّكد على أن عبد الرحمن بحاجة «للمتابعة الطبيّة كل ستة أشهر بعمل صورة رنين مغناطيسي للرأس وصورة طبقية للرئتين».

يوم أمس، 16 أيلول، عقدت جلسة محاكمة لعبد الرحمن مرعي، وخلالها طلب القاضي من الادعاء تقديم أدلّة وإثباتات على التهمة الموجهة لعبد الرحمن، التي ينقل الحلبي إنها «مقاومة الاحتلال» و«المشاركة في احتفالات ضد الاحتلال»، دون ذكر تفاصيل أخرى. وانتهت الجلسة بالتأجيل إلى الأسبوع المقبل، في 23 أيلول الجاري.  

كان عبد الرحمن قد تخرج من الجامعة الأردنيّة عام 2013 في تخصص العلاج الوظيفي، وعمل بشكل فردي ومع العديد من المؤسسات في الأردن، منها مستشفيات ومنها منظمات دولية. لكنه ترك العلاج الوظيفيّ مؤخرًا متجهًا إلى فن الخط العربي. «منذ سنة تقريبا توجه للتخصص في رسم اللوحات وابتعد قليلًا عن شغل المنظمات. عنده مًشغل في البيت، بنتج فيه وببيع اللوحات وفقا للطلب»، يقول صديقه المقرّب، محمَّد العلاونة.

توضح أماني سراحنة، الناطقة باسم نادي الأسير الفلسطينيّ، أن الاعتقال الإداري يكون بلا تهمة، ويكون الملف سريًا من ناحية أسباب الاعتقال، ويكون بناء على ما يُسمّى «خطرًا على أمن الدولة»، وهو يختلف عن المحاكمة على تهم واضحة، وغالبًا ما يكون بأمر من المخابرات، ليتبع ذلك جلسة محكمة تثبيت أمر الاعتقال الإداري.

وتواصلت حبر مع وزارة الخارجية وشؤون المغتربين أكثر من مرة عبر الأيام الماضية، لمعرفة آخر التحديثات على قضية المعتقلَيْن، دون أن تتلقى ردًا.

وبحسب «اللجنة الوطنية للأسرى والمفقودين الأردنيين في المعتقلات الصهيونية»، فإن عدد الأسرى في سجون الاحتلال ممن يحملون الجنسية الأردنية بلغ مطلع الشهر الحالي 21 أسيرًا، بالإضافة إلى 30 مفقودًا، بعضهم مفقود منذ حرب عام 1967.