معضلة في «العمري»: كيف أديرت أزمة سائقي الشاحنات على الحدود؟ 

طريق الزرقاء-الأرزق-العمري. عن جريدة الدستور.

معضلة في «العمري»: كيف أديرت أزمة سائقي الشاحنات على الحدود؟ 

الجمعة 15 أيار 2020

مع نهاية يوم أمس، مرّ على المملكة شهرٌ منذ اليوم الأوّل الذي أعلنت فيه الحكومة تسجيلَ أول إصابة بفيروس كورونا المستجدّ لسائق شاحنةٍ قادمٍ من الخارج، في الرابع عشر من نيسان. 

بعد 25 يومًا على تسجيل هذه الإصابة، صدرت تعليمات جديدة لضبط دخول السائقين للأردنّ، بعد أن كان الإجراء الوحيد لضبط دخولهم إلى المملكة اعتماد نتيجة فحصهم على الحدود. جاء ذلك إثر تسجيل أول إصابة في محافظة المفرق في السادس من أيار، وكانت لسائق شاحنة قدم من السعودية في 22 نيسان عبر منفذ العمري.

يستعرض هذا التقرير تسلسل الإجراءات الحكومية في التعامل مع السائقين والشحن البري منذ ما قبل الإصابة الأولى، وحتى التعليمات الصادرة مؤخرًا، وتأثير هذه الإجراءات على حركة السائقين وسلامتهم.

العمري والحركة التجارية مع السعودية

يعتمد الأردنّ على الشاحنات بالدرجة الأولى في تصدير بضائعهِ، في حين يعتمد على السفن بالدرجة الأولى في استيراد البضائع. ويبلغ عدد الشاحنات العاملة في الأردن بين 21 – 22 ألف شاحنة، وفقًا لآخر أرقام هيئة تنظيم قطاع النقل البريّ وأرقام نقابة أصحاب الشاحنات. يقول النقيب محمَّد الداود لحبر إنَّ عدد العاملن في هذا القطاع يتراوح بين 22 و25 ألف سائق.

ويبلغ حجم صادرات الأردن السنوية للسعوديّة قرابة 504 مليون دينار، وتشكّل السعودية السوق الأكبر لصادرات الأردن بين أسواق الدول العربيّة، كما وتستورد الأردن من السعودية أكثر من أي دولة عربيّة أخرى من البضائع بقرابة 2.4 مليار دينار في السنة، بحسب دائرة الإحصاءات العامة. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر السعودية ممرَ ترانزيت لصادرات الأردن إلى بعض دول الخليج مثل الإمارات التي تعد ثالث أكبر سوق لصادرات الأردن بعد السعودية والعراق. 

وتربط الأردن بالسعودية عدة منافذ بريّة تنتقل من خلالها البضائع عبر الشاحنات وهي: مركز المدوّرة، ويقع ضمن محافظة معان، ومركز الدرّة الذي يقع ضمن محافظة العقبة، ومركز العْمِري الذي يقع ضمن محافظة الزرقاء.

يقول سلطان الزعبي، أحد سائقي هذه الشاحنات، إن السائقين يحملون بضاعتهم ويعبرون بها إلى السعودية من أي من المنافذ الثلاث، حسب تفويض التاجر صاحب البضاعة. وبعد المرور من أحد المنافذ الثلاثة، كان الزعبي يتجه ببضاعته إلى عدة محافظات سعودية لإفراغ حمولته فيها مثل ينبع، وجدة، والدمام، والرياض. وفي مرات أخرى، وصل إلى محافظات سعوديّة أبعد مثل خميس مشيط وحائل.

عمل الزعبي في نقل الفوسفات، البوتاس، والكربونات، والألمنيوم، والحجر، الذي تُنقل للسعودية بشكل «شبه يومي» بحسبه. ونقل من السعودية إلى الأردنّ الحديد، والإسمنت، والمناديل الورقية، والعصائر والبلاستيك، ومواد أخرى. 

يقدِّر مدير عام هيئة تنظيم قطاع النقل البريّ، صلاح اللوزي، خلال حديث لحبر عدد السائقين الذي يعملون ما بين الأردن ودول الخليج، وبينها السعوديّة، بما بين 3600-4000 سائقٍ. يحصل هؤلاء السائقون على فيزا لدخول السعودية بشكل سنويّ على أن تكون مدّة الإقامة في السعودية 15 يومًا، بحيث يكون على السائق أن يدخل السعودية ويفرغ حمولته ويغادر قبل انتهاء المدة المحدّدة. 

بدء تسجيل الإصابات

بعد تسجيل إصابات بفايروس كورونا المستجدّ في الأردنّ، اتخذت الحكومة عدة إجراءات للحدّ من انتشار الوباء، كان منها إعلانها يوم 14 آذار أنَّ «جميع المعابر الحدودية للمملكة، البريّة والبحريّة والمطارات مغلقة أمام حركة المسافرين، باستثناء الشحن [التجاري]». بعدها بثلاثة أيّام أعلنت وزارة النقل إيقاف العمل باثنين من ثلاثة منافذ حدوديّة بريّة مع السعودية، وهي الدِّرة والمدورة، فاقتصر دخول السائقين وخروجهم من العمري. بالإضافة إلى ذلك، ألغيت الفيزا السنويّة للسائقين واستبدلت بفيزا لمرة واحدة يحصل عليها السائق من حدود العمري كلّما أراد الدخول إلى السعودية.

بعد يومين من إعلان الحكومة الأردنيّة الإجراءات الجديدة، أخبرت السلطات السعودية الجانب الأردني بإيقاف العمل بمنفذ العمري، لتعود في نفس اليوم وتعلن عن فتحهِ أمام حركة الشاحنات مع تعديلٍ على حركة الدخول تمثلّت بالسماح فقط لسائقي البرّادات بالدخول إلى الأراضي السعوديّة، فيما سيكون على سائقي الشاحنات الأخرى دخول الجانب الآخر من الحدود في منطقة «حديثة» وتفريغ البضائع لتقوم شاحنات سعوديّة بتحميلها والدخول فيها إلى داخل الأراضي السعودية.

في هذه الفترة، حمّل السائقان الأردنيّان الزعبيّ وحسين العظامات وغيرهما في شاحناتهم أحجار البناء القادمة من سوريا على طريقة المناولة (Back to back) من معبر جابر على الحدود الأردنيّة السوريّة، وتوجهوا بالحمولة إلى الحدود الأردنيّة السعودية في العمري. 

يوم 14 نيسان، أعلن وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق باسم الحكومة أمجد العضايلة أنَّ على سائقي مركبات الشحن «القادمين إلى أراضي المملكة من الأردنيين والجنسيّات الأخرى (..) اعتماد دخولهم بوجود شهادة تثبت إجرائهم الفحص الخاصّ بفيروس كورونا وخلوّهم من هذا الوباء قبل دخولهم إلى أراضي المملكة». في نفس المؤتمر، خرج وزير الصحة سعد جابر ليقول «سُجَّل في المملكة 6 حالات هذا اليوم، [بينهم] سائقين كانا قد قدما من الخارج وهما سائقي شاحنات وتم فحصهم وثبوت إصابتهم». 

كانت تلك الحالة الأولى لإصابة سائق شاحنة قادم للأردن. خرج عضو لجنة الأوبئة ومسؤول ملف كورونا في الشمال، وائل الهياجنة، على شاشة قناة رؤيا ليقول في ساعة متأخرة من تلك الليلة «ما حدث اليوم غير مقبول، الدولة الأردنية قادرة على حجر هؤلاء السائقين الداخلين من الدول العربية الشقيقة، لكن يبدو أن المشكلة هناك بعض عدم وضوح في الإجراءات المتخذة على المنافذ الحدودية. هناك بعض التراخي وهناك أمور غير واضحة (..) نحن بحاجة إلى إجراءات صارمة حاسمة وسريعة. في الأوبئة لا ينفع أن ننتظر، الانتظار يقتل الجهود».

في ذلك الوقت، كان العظامات والزعبي وغيرهم قد دخلوا الجانب الآخر من الحدود في حديثة نحو السعودية، قبل سريان التعليمات الجديدة على السائقين التي تتعلّق بضرورة الفحص. أفرغ السائقون الحجر وعادوا إلى الأراضي الأردنية، فخضعوا للإجراءات الأردنيّة المتعلقة بفيروس كورونا؛ إذ فحصت شركة خاصّة مجموعة السائقين الداخلين، على نفقتهم، وظلوا ينتظرون نتيجة الفحص. بالمقابل لا تفحص السُلطات السعودية السائقين الداخلين إليها، إنما وفقًا لعدة روايات من سائقين، يجري فحص درجة حرارتهم فقط.

وبحسب خليّة أزمة كورونا في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، فقد تمت الاستعانة بالقطاع الخاص وفق اتفاقية بين وزارة الصحة وتسع مختبرات خاصة أعلن عنها في حينه، لضمان السيطرة على الوضع على جميع المعابر الحدودية، نظرًا إلى أن عدد كوادر وزارة الصحة غير كاف للتصدي لجميع جوانب التعامل مع الجائحة بما فيها أعداد فرق التقصي الوبائي التي تجري الفحوصات، حيث يوجد عدة منافذ حدودية، ولكن لا يوجد مختبرات لوزارة الصحة في كلّ منها.

استُثنيَ سائقو البرّادات الأردنيّة التي تنقل الأدوية والخضار من الإجراءات السعوديّة التي تتعلق بإفراغ الشاحنات الأردنيّة حمولتها على الجانب الآخر من الحدود، إذ يدخل هؤلاء السائقون إلى المحافظات السعودية ويفرغون حمولاتهم ويعودون. فيما ظلّ سائقو الشاحنات السعوديّة بما فيها البرّادات يدخلون منفذ حديثة – العمري، ويفرغون البضائع في عمّان ومناطق أخرى.

خلال تواجد الزعبي في العمري بانتظار نتيجة الفحص يوم الثلاثاء 5 أيّار، جاءه خبر تأكد إصابة سائقين بفيروس كورونا، فاختلف صوته على الهاتف وبدا صوته متوترًا. «فحصنا فحص كورونا، بتطلعش [من العمري] غير تفحص كورونا وتدفع خمسين دينار، على حسابي»، يقول الزعبي.

في ساعة متأخرةٍ من ليل 7 أيّار، خرجت نتيجة الزعبي والعظامات سلبيّة، فوقعّا على تعهدٍ بحجر كل منهما نفسه في بيته لمدة 14 يومًا، وعدم الخروج من المنزل أو الاحتكاك بالآخرين. مثل هذا التعهد بالحجر المنزلي لم يسرِ على السائقين غير الأردنيين. 

الأصفار الثمانية 

فيما كانت المملكة تسجل في الأيّام ما بين 28 نيسان وحتّى 5 أيّار ثمانية أصفار إصابة متتالية داخل حدود المملكة، كان عدّاد الإصابات على الحدود يسجّل 22 إصابة لسائقي شاحنات، منهم تسعة سائقين أردنيين، و13 سائقًا أجنبيّا.

لم نستطع التحقق فيما إذا كانت الإصابات بين صفوف سائقي البرّادات الذي يدخلون السعودية لتفريغ حمولتهم، أم من مجموعات السائقين الذين يفرغون حمولتهم في الجانب الآخر من الحدود الأردنية السعوديّة في حديثة. لكن قبل دخولهم لحدود العمري يكون السائقون الأردنيون قد أخذوا نصيبهم من الهلع، إذ يكونون قد خالطوا في منطقة الفحص وعلى الحدود عشرات السائقين غير الأردنيين. «ثنين ومعهم شرطة [بغرفة]، والناس حشد على بعضها، إذا في مرض بده يصير فبالعمري»، يقول الزعبي الذي ذهب إلى بيته بعد توقيعه التعهد ومثله العظامات.

تؤكّد خليّة أزمة كورونا في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات لحبر إنَّ عضوًا من لجنة الأوبئة يتواجد بشكل دائم على هذا المعبر لمتابعة العمل والإجراءات بشكل عام. كما تمّ الإيعاز للسلطات على الحدود ولمدير الصحة المعني بمتابعة الوضع الصحي بشكل مكثّف، والتقيّد بالشروط الصحيّة. وفيما يتعلّق بشكاوى السائقين الأردنيين من الاختلاط بسائقين أجانب تقول الخلية إنه «يتم رصد أية شكاوى من هذه القبيل، وسنعمل جاهدين للوقوف عليها ميدانيا ومعالجتها».

يوم 26 نيسان، سُجَّل في الأردن إصابة سائقين بفيروس كورونا المستجدّ، ووفقًا لتصريح وزير الصحّة سعد جابر، أحدهما اكتشفت إصابته على الحدود، والآخر كان قد دخل 25 نيسان وتمّت إعادة الفحص، لتثبت إصابتهُ في اليوم التالي. 

بعد 23 يومًا على أوّل تسجيل أوّل إصابة لسائق على الحدود، و20 يومًا على اشتراط فحص كورونا للسائقين الذين يدخلون المملكة ظلّت الإجراءات المتبعة على الحدود كما هي. «لماذا لا يجري الحجر على السائقين القادمين من الخارج؟»، تسأل مذيعة في قناة المملكة الهياجنة في السابع من أيّار، ليجيب «سؤال المليون دولار. يبدو أن هناك تعقيدات معينة لاحقت تخصيص أمكنة على المناطق الحدودية ومنها أن عدد السائقين سينفذ إذا أبقيتهم جميعًا 14 في الحجر. طبعًا هذا ليس مبرر ولكن هذه الحقيقة الواضحة». 

كان ردّ العضايلة مشابهًا تقريبًا حيث صرح لقناة المملكة أيضًا بأنه «ممكن أن يكون حدث خلل ما، لكن هذا الخلل سيُعالج». وبرر العضايلة سبب التأخر في الحجر على السائقين بأنه، قبل الأزمة، كان في الأردن 1400 سائق لديهم تأشيرات للدخول إلى السعودية. «كل يوم نستقبل 250 شاحنة إذا تم حجرهم، خلال 4 أيام كل السائقين الذي يذهبون إلى المملكة السعودية سيتم حجرهم، بالتالي تتوقف عملية النقل بين البلدين». 

لكن على الأرض، لم يجري التقدم بحسب ما قاله سائقو شاحنات لحبر؛ إذ بقي الوضع على حالهِ من تجمّع واختلاط بين السائقين الأردنيين والعرب والأجانب عند الفحص، واشتراط الفحص للسائقين، رغم أن ذلك لم يكشف إصابة واحدٍ منهم، سائق قرية الخناصري الذي نقل العدوى -مباشرة أو عبر مخالطين- إلى 70 شخصًا داخل المملكة حتى 14 أيار. يضيف الهياجنة في المقابلة «أتمنى أن تكون الخناصري آخر عنقود منفذ العمري».

بدء الحجر الصحي على الحدود

يوم الثلاثاء 9 أيّار، صدرت أخيرًا تعليمات جديدة للعمل في مركز حدود العمري لمنع تفشيّ وباء فيروس كورونا، بعد 25 يومًا من تسجيل أول إصابة لسائقٍ على الحدود. خلال شهر بين اليوم الأوّل الذي أعلنت فيه الحكومة عن أول حالات إصابة لسائقي شاحنات قادمين من الخارج 14 نيسان وحتى 13 أيّار، سجّلَ الأردن 90 إصابة لسائقي شاحنات على الحدود، كلها على منفذ العمري ما عدا واحدة على معبر جابر. وكان 38% من السائقين المصابين أردنيين، و62% أجانب، بحسب رصد أجرته حبر. 

نصّت التعليمات على أنه وفي حال كان السائق غير أردني، يطلب منه فحص كورونا على حسابه الشخصي ثم ترافقه دوريةٌ إلى أن يفرغ حمولتهُ في الأردنّ ومن ثم العودة إلى حدود العمري ليغادر الأردن دون السماح له بالنزول من الشاحنة. يؤكّد اللوزي أن الشاحنات الأجنبيّة التي تدخل الأردن قد تعبر إلى وجهة أخرى، فيما يسمى شاحنات الترانزيت، وفي هذه الحالة ترافق الشاحنة قوة أمنية إلى حين وصولها. 

أما فيما يتعلّق بالسائق الأردني فسيكون ملزمًا بفحص فيروس كورونا على حسابه الشخصيّ والانتظار في الشاحنة لحين ظهور نتيجة الفحص. إذا كانت النتيجة إيجابية، ينقل إلى المستشفى حسب الأصول، أما إذا كانت النتيجة سلبية يتحرك السائق برفقة أمنية حتى المركز الحدودي. يعقم الدفاع المدني الشاحنة هناك ليستلمها سائق آخر ويوصلها إلى مقصدها داخل الأراضي الأردنية. أما سائقها الأصلي الذي أتى بها عبر الحدود، فينقل إلى مراكز الإيواء إذا أراد العودة للسعودية للتحميل، حيث سينتظر في مركز الإيواء شاحنته التي سيجلبها السائق الذي دخل بها محملة، ليعاود السائق الأصلي الخروج إلى السعودية. أما إذا أراد السائق العودة إلى بيته، فعليه المرور بموقع الحجر الصحي على الحدود لمدة 17 يومًا، يتعهد بعدها بالحجر المنزلي 14 يومًا.

منذ صدور التعليمات جرى حجر السائقين الأردنيين العائدين من السعودية في مدارس عسكرية في منطقة العمري «كإجراء مؤقت (..) إلى حين الانتهاء من العمل على إقامة موقع للحجر الصحّي وتجهيزه الذي يتكوّن من كرفانات ومخيّمات، للقادمين عبر حدود العمري»، حسبما جاء في رد خليّة أزمة كورونا على أسئلة حبر. وكان العضايلة قد صرح في اليوم نفسه الذي أعلن فيه صدور التعليمات الجديدة أنه «اليوم تمّ إرسال 100 كرفان لحجر السائقين القادمين من الخارج».

سمع السائق سعد صندوقة الذي يعمل على برّاد بالتعليمات الجديدة وهو في طريقه من الرياض إلى الحدود الأردنيّة بعدما أفرغ حمولته من الأدوية. وصل مساء الإثنين 11 أيار على الحدّ بين حديثة والعمري ووقف هناك بعد إجراء فحص كورونا. «إحنا ومجموعة سائقين معاي رافضين ندخل»، يقول صندوقة، إذ احتجّ ومعه مجموعة سائقي برّادات على هذه التعليمات الجديدة، وهو ما يؤكّده اللوزي قائلًا «السوّاقين مضربين وما بدهم». 

يقول صندوقة الذي يملك الشاحنة التي يعمل عليها «أنا محمَّل بضاعة ناس، لمّا بدي أجيب سائق على العمري قديش بدو يوخذ؟ أقل شي بدك تعطيه 150 دينار»، موضحًا أن الدخل المتأتي من النقلة الواحدة يتفاوت، لكنه جنى في رحلته الأخيرة قرابة 400 دينار، بعد دفع كلفة الديزل وتكاليف الرحلة وفحص الكورونا.

وفقًا للتعليمات الجديدة سيدفع صندوقة خمسة دنانير عن كل يوم إيواء بالإضافة إلى تكلفة الطعام، حيث سيبقى هناك منتظرًا عودة السائق بسيّارته محملة من الأردن، وعند الحدود يغادر بها صندوقة إلى السعودية. فيما لو لم يرغب بالخروج إلى السعودية مرة أخرى ينقل بباصات الجيش إلى بيته، بعد أن يكون قد أمضى 17 يومًا في الحجر الصحي.

أمضى صندوقة ثلاثة أيّام مع إجراءات الحدود حتّى وصل الرياض، وهناك تختلف المدة التي يمضيها السائق لتفريغ حمولته باختلاف ما ينقله. في حالة الأدوية التي ينقلها صندوقة، يقضي عادة يومًا إلى يومين، شرط ألا تكون نهاية الأسبوع قد حلت وإلّا سيضطر للبقاء منتظرًا حتى بدء دوام المؤسسات. وفي حال كانت الحمولة من الخضار والفواكه، قد يمتد انتظاره لأسبوع إذ يبقيه صاحب البضاعة منتظرًا. «التاجر ينتظر يشدّ السوق، بيقولك خليك برا، لما يشوف سوق الخضار يشدّ، ممكن 10 ممكن 15 يوم»، يقول صندوقة. خلال هذه الفترة يمضي مثله مثل بقيّة السائقين وقته على جوانب الطريق في شاحنته، حيث ينام ويأكل.

غادر صندوقة الأردن قبل حلول رمضان بخمسة أيام، دون أن يهيئ نفسه لرحلة طويلة. «بدهم يحجرونا 17 يوم، [هذا] يدمرنا. أنا مش مهيأ، معيش أوكل (..) حاط خبزة ناشفة، خبز بيّات بيروح وبيجي معانا بالصحاري، ببلّ فيها وبوكل وشقفة جبنة، نتحمّل على حالنا على أساس مروح على أهلو، معيش أكمل مصاريف»، يقول صندوقة. 

ووفقًا للتعليمات الجديدة «يستمر العمل بالأسلوب الحالي لحين جاهزية ساحة التبادل، حيث أنه وبعد جاهزية ساحة التبادل سيتم العمل على نظام Back To Back»، أو ما يعرف بـ«المناولة». فعلى عكس معبر جابر المهيأ لتبادل البضائع بوجود مستودعات وساحات خاصة إلى جانب الآليات، فالعمري غير مهيأ لتطبيق نظام المناولة، كما يقول السائق الزعبي. وقبل يومين، أعلن اللوزي على قناة المملكة أنه ومع نهاية الشهر، سيكون منفذ العمري، الذي يستخدمه ما بين 500-600 شاحنة يوميًا، جاهزًا بالكامل لنظام المناولة. 

على جانب الطريق أمام الصحراء الممتدة بين السعودية والأردن، يقف صندوقة مع مجموعة سائقين يرفضون الدخول، فمن أمامهم إيجار البيت المتراكم عليه من ثلاثة أشهر وقسط الشاحنة والإجراءات الجديدة إن دخلوا الحدود الأردنيّة، ومن خلفهم خطر الاختلاط بسائقين من عدة جنسيات آسيوية وعربيّة؛ مأزقٌ دفع صندوقة لتمني الإصابة بالفيروس حتى يخرج منه.