لبنان: من أزمة ماليّة إلى انفجار شامل

الخميس 26 كانون الأول 2019
مظاهرة أمام مصرف لبنان المركزي بتاريخ 11 تشرين الثاني 2019. تصوير أنور عمرو

يوم اندلعت ثورة 17 تشرين الأوّل في لبنان، فرضت الأحداث تلقائيًّا الإضراب الشامل في مختلف المؤسسات العامّة والخاصّة، بما فيها المصارف، بحكم إقفال الغالبيّة الساحقة من الشوارع في بيروت والمناطق. لكنّ المصارف امتنعت بعدها عن العودة إلى مزاولة عملها الطبيعي، حتّى بعد أن بدأت سائر المؤسسات التجاريّة بفتح أبوابها تدريجيًّا. وسرعان ما بدأ الجميع يكتشف أن ثمّة اضطرابات ماليّة أشد تعقيدًا من اضطرابات الشارع تمنع المصارف من فتح أبوابها، وأن هناك مرحلة جديدة كليًّا دخلها الاقتصاد اللبناني، عنوانها الانتقال من التأزّم والنزف البطيء إلى الانهيار الاقتصادي الصريح والشامل. 

قيود مصرفيّة وهلع شعبي

استمرت فترة إقفال المصارف من 17 تشرين الأوّل ولغاية الأول من شهر تشرين الثاني. وخلال هذه الفترة، كانت المصارف تؤكّد أنّها تنتظر استتباب الأمور على المستوى الأمني قبل العودة إلى مزاولة أعمالها. لكنّ طول العطلة كان يؤكّد أنّ هناك مسألة أخرى يخشاها النظام المصرفي في البلاد، خصوصًا أنّ المصارف اللبنانيّة اعتادت على التعامل في الماضي مع الأحداث الأمنيّة المشابهة عبر حصر الإقفال في فروع محدّدة ولأقصر مدّة ممكنة، ولم يشهد النظام المصرفي تمديدًا متكررًا لعطلة مماثلة دون أسباب واضحة.

السبب الفعلي لهذا الإقفال الطويل كان يكمن تحديدًا في خشية المصارف من عدم قدرتها على التعامل مع موجة السحوبات والتحويلات الماليّة المقبلة بعد الإقفال، وهذا ما تأكّد لاحقًا بعد أن تبيّن أن المصارف اللبنانيّة توافقت قبل فتح فروعها على فرض ضوابط غير رسميّة وغير مقوننة على استعمال الودائع لديها. ومع فتح أبواب الفروع في بداية تشرين الأول تبيّن أن السحوبات النقديّة بالدولار أصبحت محدودة بسقف أسبوعي لكل حساب (بدأ بـ(2500) دولار وانخفض تدريجيًّا حتّى بلغ حدود الـ(100) دولار في بعض المصارف)، أمّا التحويل إلى الخارج فقد أصبح ممنوعًا إلا في الحالات الإنسانيّة الإستثنائيّة أو إذا كان مقابل إيداعات نقديّة مباشرة، فيما تم وضع ضوابط صارمة على كل عمليّات شراء الدولار أو استعماله. 

سرعان ما أثارت هذه الإجراءات الهلع على المستوى الشعبي، فتهافت المودعون على سحب القيمة الأسبوعيّة المسموح بها وفق السقوف التي وضعتها المصارف. وبذلك، تحوّل كل يوم عمل مصرفي إلى استنزاف إضافي ثابت لسيولة المصارف اللبنانيّة، فيما تناقل اللبنانيون فيديوهات الإشكالات التي تحدث داخل الفروع. مع كل هذه السحوبات، كان الجميع يسأل عن قدرة النظام المالي على التحمّل، خصوصًا أن احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبيّة كان يعاني أساسًا، قبل الثورة، من استنزاف مستمر نتيجة التحويلات إلى الخارج.

تبعات اجتماعيّة كارثيّة

مع امتناع المصارف عن توفير الدولار للمورّدين بسعر الصرف الرسمي، اتجه الجميع إلى السوق الموازية لدى الصرّافين، وهو ما أدّى تلقائيًّا إلى ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية إلى مستويات بلغت حدود الـ(2243.7) ليرة مقابل الدولار الواحد في بعض الأحيان، أي أعلى بنسبة 49% من سعر الصرف الرسمي البالغ (1507.5) ليرة مقابل الدولار الواحد. وهكذا بدأت الأسعار في السوق ترتفع بشكل تلقائي بالتوازي مع ارتفاع سعر الصرف، خصوصًا أن لبنان من الدول التي تعتمد على الاستيراد بالدرجة الأولى لتوفير البضائع في السوق. لا يوجد حتّى الآن أرقام رسميّة لمستوى التضخّم بعد انهيار سعر الصرف، لكنّ متوسّط سعر الصرف في الشهرين الماضيين يشير إلى ارتفاع في الأسعار بنسبة ستتراوح بين 30% و35%، وهو ما سيعني تآكل مدخول اللبنانيين بهذه النسبة. 

وبمعزل عن ارتفاع الأسعار في الأسواق، تسببت إجراءات ضبط السيولة في المصارف بأزمات إجتماعيّة كبرى. فسقف السحب الأسبوعي بالدولار الذي بلغ حد (100) دولار في بعض المصارف، أدّى إلى عجز كثير من اللبنانيين عن سحب قيمة رواتبهم الموطّنة بالمصارف بالدولار الأميركي، فيما أصبح آخرون عاجزين عن سحب مدخراتهم أو فوائدها للإنفاق اليومي. 

وعلى أي حال، أدركت المصارف سريعًا أن كمية السيولة المسحوبة بالليرة اللبنانيّة تتحوّل بدورها إلى طلب على الدولار الأمريكي في السوق الموازية، وهو ما يؤثّر على سعر الصرف فيها. وهو ما دفعها في مرحلة لاحقة إلى فرض ضوابط على السحب بالليرة اللبنانيّة، بلغت مستوى الـ(1.5) مليون ليرة في بعض المصارف، مما أدّى لمفاقمة حجم المشاكل الإجتماعيّة الناتجة عن هذه التطوّرات.

قطاعات اقتصاديّة حيويّة تعاني

امتدّت أزمة توفّر الدولار سريعًا لتتحوّل إلى كارثة طالت جميع القطاعات الاقتصاديّة، وفي مقدّمها القطاعات الحيويّة. فعادت من جديد مظاهر إضراب محطّات المحروقات، على خلفيّة عدم توفّر الدولار بالسعر الرسمي للإستيراد، وعادت مشاهد اصطفاف اللبنانيين في طوابير طويلة أمام هذه المحطات قبيل الإضرابات. وللسبب نفسه، بدأت أزمة موازية في قطاع المخابز، عنوانها التقليص من وزن ربطة الخبز وتوقّف المخابز عن إنتاج أصناف معيّنة منه. فالقيود التي تفرضها المصارف على تحويل وشراء الدولار، جعلت من استيراد العديد من أصناف المواد الأوليّة التي تدخل في صناعة الخبز مسألة متعذّرة، وهو ما بدأ يدخل القطاع بأسره في أزمة يبدو أنّها ستكون مؤلمة على المستوى الاجتماعي.

لكن، يبدو أن أخطر هذه الأزمات سيكون في القطاع الصحي. فتعذّر شراء الدولار في المصارف وفق سعر الصرف الرسمي، واضطرار الشركات إلى تحمّل فارق سعر الدولار في السوق الموازية، بدأ يهدد إمكانيّة الحصول على العديد من أصناف من الأدوية والمعدّات الطبيّة. مع الإشارة إلى أن اللبنانيين أصبحوا في الوقت الحاضر يبحثون عن بعض أصناف الدواء في عدّة صيدليّات قبل العثور عليه، بينما أصبح الإتصال بالمستشفى للسؤال عن توفّر بعض المعدّات الطبيّة قبل الإتجاه إليها مسألة طبيعيّة.

أزمة ثورة أم أزمة نظام؟

يحلو لبعض المعترضين على ثورة 17 تشرين الأوّل أن يلقي باللوم على الاحتجاجات في كل ما يتعلّق بما يجري على الساحة الاقتصاديّة اليوم، كما فعل وزير الاقتصاد السابق رائد خوري. لكنّ هذا التصوّر اليوم ينطوي على كثير على السذاجة والتبسيط لأزمة ماليّة كانت تراكم أسباب الإنفجار منذ سنة 2011. فمنذ سنة 2011، ولغاية شهر تموز من هذا العام، كان قد بلغ العجز التراكمي لميزان المدفوعات مستوى الـ(18.5) مليار دولار، نتيجة تراكم العجوزات السنويّة المتتالية منذ ذلك الوقت. وبينما يلخّص هذا الميزان صافي التحويلات الماليّة بين لبنان والخارج، كانت هذه العجوزات المتكررة مجرّد تمهيد لإنفجار فقاعة النموذج الإقتصادي اللبناني، الذي لطالما اعتمد (قبل 2011) على فائض التحويلات الماليّة من الخارج إلى النظام المصرفي لتوفير الدولارات المطلوبة لتمويل الاستيراد وتثبيت العملة. 

كان عام 2019 بحد ذاته الذروة في ما يخص هذه السحوبات، مع بلوغ عجز ميزان المدفوعات مستوى الـ(4.4) مليار دولار في أوّل تسعة أشهر فقط من هذا العام، مقارنةً بـ(1.2) مليار دولار في الفترة المماثلة تمامًا من العام السابق. دلّ هذا الرقم بوضوح على انعدام الثقة في استمراريّة النظام المالي، وقدرته على مواجهة الأزمة التي يمر بها، خصوصًا أنّ الأزمة كانت تكشف عن عيوب بنيويّة عميقة دون ظهور أي نيّة لدى السلطة بالتوجّه نحو إصلاحات جذريّة وجديّة. 

ومع استمرار النزف في النظام المالي اللبناني، كان لبنان يراكم لحظة بلحظة أسباب الانفجار المالي، وكانت المسألة مسألة وقت قبل أن يصبح الانهيار واقعًا. وهكذا، كانت أحداث 17 تشرين الأوّل مجرّد مناسبة لكشف كل تلك التراكمات، التي كانت ستنكشف عاجلًا أم آجلًا. 

بدائل مطروحة

إذًا، لم يعد الانهيار مجرّد سيناريو أو احتمال، بل واقعًا يقتضي أن يتعامل اللبنانيون معه ومع كلفته الباهظة. في هذه الأثناء، اتجهت السلطة بشكل تلقائي إلى التواصل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لدراسة إمكانيّة الحصول على رزم دعم تمكّن لبنان من أزمته الحاليّة. يبدو هذا الخيار كأحد الحلول المفضّلة لدى حملة سندات الدين السيادي اللبناني، إذ يسمح هذا الخيار بتأمين “حقنة” مباشرة من الأموال التي يحتاجها النظام المالي لشراء بعض الوقت في الفترة القادمة، وسداد جزء من الدين العام الذي سيستحق خلال الفترة الماضية. لكنّ حقنات صندوق النقد الدولي لن تأتي دون الشروط التقليديّة التي يفرضها هذا النوع من رزم الدعم، من قبيل تحرير سعر الصرف كليًّا -بدل التدهور المحدود الحالي- وخصخصة المرافق العامّة، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من آثار على المستوى الاجتماعي. 

في الوقت نفسه، سمح تطبيق أدوات ضبط السيولة بشكل الحالي بطرح أفكار أكثر جرأة، من قبيل التفاوض على الدين العام وفوائده مع المصارف، وإجراء عمليّات اقتصاص معيّنة من الفوائد المرتفعة التي جناها كبار المودعين مقابل الاقتصاص من الدين العام. فالشق الأكثر تعقيدًا وصعوبة من الأزمة اليوم يتعلّق بالدين العام واستحقاقاته، وخصوصًا بالنسبة إلى الدين المقوّم بالدولار الأميركي. وبينما كان الحديث عن هذه المسائل مستهجنًا في السابق، لكونه يساهم في إبعاد أصحاب الودائع عن النظام المالي اللبناني، أصبح الحديث عنها اليوم واقعيًّا، مع اعتراف الجميع بعجز لبنان عن سداد هذه السندات في المستقبل، ومع تطبيق أدوات ضبط للسيولة تمنع خروج الودائع من النظام المصرفي. مع العلم أن استحالة استقطاب ودائع جديدة في الفترة القادمة أصبحت من المسلّمات، وهو ما يعني الخروج من مربّع البحث عن ما يرضي كبار المودعين والمصارف.

الأولويّة لمن؟

السؤال إذًا يتعلّق بالفئة التي ستدفع الكلفة النهائيّة. حتّى الآن، من الواضح أن جميع الإجراءات المطبّقة تذهب باتجاه تحميل الكلفة إلى عموم اللبنانيين من أصحاب الدخل المحدود، بينما تحيّد في المقابل الفئات التي استفادت من هذا النموذج الإقتصادي طوال الـ(29) سنة الماضية. فأدوات ضبط السيولة طبّقتها المصارف بشكل غير مقونن وغير منظّم، وهو ما يعني تطبيقها على صغار المودعين في الفروع، بينما لا يوجد أي إطار قانوني أو رسمي يضمن تنفيذ هذه الإجراءات بشكل عادل على الفئات الأكثر نفوذًا. وبينما تبحث السلطة عن حلول تضمن حقوق الدائنين من خلال دعم المؤسسات الدوليّة، لم تتجرّأ على البحث عن ما يمكن أن يخفف من عبء أو كلفة هذا الدين على اللبنانيين.

وهكذا، يصبح من الواضح أن أمام الشارع المنتفض في لبنان تحديات كبيرة على مستوى الاقتصادي، لن تقل شأنًا عن التحديات السياسيّة القائمة اليوم. وإذا كان اللبنانيون قد اعتادوا متابعة الاستحقاقات السياسية التقليديّة والمناورات التي تجري بالتزامن معها، إلّا أن التطوّرات الحاصلة على المستوى المالي تفرض نوعًا آخر من المتابعات لطريقة تعاطي المسؤولين مع الانهيار الحاصل، والفئات التي سيحمّلونها كلفة هذا الانهيار.