أزمة لبنان الماليّة: مناورات في ظل الفراغ 

الجمعة 06 تشرين الثاني 2020
مصرف لبنان
مدخل مصرف لبنان في بيروت، 20 أيار 2020. تصوير باتريك باز، أ ف ب.

منذ حدوث الانفجار الكبير في مرفأ بيروت، واستقالة حكومة حسّان دياب التي تلت هذا الانفجار، تعيش البلاد فراغًا حكوميًا نتيجة فشل القادة السياسيين في الاتفاق على صيغة حكوميّة جديدة، في ظل الصراع على الحقائب الوزاريّة الذي يخفي صراعًا أقسى على المصالح والمنافع التي تحملها كل من هذه الحقائب. 

ومع الفراغ الحكومي، يغيب عن المشهد السياسي أي مسعى لصياغة خطّة ماليّة متكاملة تهدف إلى إخراج البلاد من حالة الانهيار المالي الحاصل، وفق توزيع عادل ومنطقي للخسائر بين الشرائح والفئات الاجتماعيّة المختلفة. في الواقع، كانت حكومة دياب قد قدّمت منذ أشهر خطّة ماليّة لهذه الغاية، وهي خطّة عملت عليها شركة لازارد التي عيّنها لبنان كاستشاري مالي منذ تخلّفه عن دفع ديونه في شهر آذار الماضي. لكنّ خطّة لازارد التي أتت في ضوء مفاوضات الشركة مع الدائنين الأجانب، ومفاوضات لبنان مع صندوق النقد، سرعان ما سقطت لاحقًا في مجلس النواب، نتيجة رفض أقطاب الحكم وكتل المجلس الرئيسيّة للكثير من بنودها، وبالتحديد تلك التي تمس بمصالح ورساميل القطاع المصرفي اللبناني وكبار النافذين في القطاع المالي. ومع سقوط تلك الخطّة، سقطت رؤية الدولة الرسميّة للتعامل مع الانهيار.

لكنّ غياب الخطّة لم يعني غياب أصحاب النفوذ في القطاع المالي عن الساحة، لا بل يمكن القول إن غياب الخطّة الرسميّة فتح الباب أمام جميع أشكال المناورات الممكنة لحماية المصالح المتقاطعة ما بين هؤلاء النافذين في النظام المصرفي وأقطاب الحكم أنفسهم. باختصار، لم يعنِ غياب الدور الحكومي سوى فتح الباب أمام المعالجات والقرارات النقديّة والماليّة الموضعيّة التي بادر المصرف المركزي إلى صياغتها من جانب واحد بمعزل عن أي رؤية رسميّة متكاملة، بينما بدا واضحًا أن هذه المعالجات جاءت على حساب الغالبيّة الساحقة من اللبنانيين، ولصالح تلك الفئة النافذة ماليًّا. 

من الناحية العمليّة، تنوّعت هذه الإجراءات من التفلّت من التدقيق في أرقام مصرف لبنان، إلى اختراع إجراءات محاسبيّة غريبة لإعادة رسملة المصارف، وصولًا إلى القرارات النقديّة المفاجئة والموجعة لمعظم اللبنانيّة، أمّا النتيجة فواحدة: لا يوجد خارطة طريق واضحة لتتم محاسبة السلطة على أساسها، فيما المصرف المركزي متروك لمعالجة المسألة على هواه، ولمصلحة الفئات التي يريد.

تطيير التدقيق الجنائي

منذ الانهيار المالي في تشرين الأوّل الماضي، اشترط صندوق النقد الدولي وجميع الداعمين الدوليين المحتملين كشف الحقائق المخفيّة في ميزانيّات المصرف المركزي قبل المضي قدمًا بأي برنامج دعم أو إقراض للبلاد. فبالنسبة إلى هؤلاء، ثمّة غموض كبير يتعلّق بحجم وطبيعة وأسباب الخسائر المتراكمة في ميزانيّات المصرف، وطالما أنّ المسؤوليّات المتعلّقة بهذه الخسائر لم تحدد بعد، لا يوجد ما يضمن عدم تكرار سيناريو تراكم هذه الخسائر في المستقبل، وبالتالي تعثّر البلاد مجددًا وتخلّفها عن دفع القروض التي سيؤمّنها صندوق النقد وسائر الداعمين. مع العلم أن خسائر المصرف المركزي المتراكمة بالعملة الصعبة تحديدًا تمثّل المصدر الأساسي لتعثّر القطاع المالي بأسره اليوم، فيما يرتبط جزء كبير من هذه الخسائر بعمليّات استثنائيّة مثيرة للجدل جرت خلال السنوات الماضية تحت مسمّى «الهندسات الماليّة»، وهي عمليّات درّت على أصحاب المصارف أرباح ضخمة واستثنائيّة، مقابل امتصاص المصرف المركزي لكميات من العملة الصعبة من الأسواق.

من هنا جاءت فكرة التدقيق الجنائي في ميزانيّات مصرف لبنان. فالتدقيق المحاسبي العادي غالبًا ما يكتفي بدراسة نماذج عن العمليّات الماليّة التي جرى تسجيلها في مؤسسة معيّنة، لإبداء الرأي بخصوص طريقة تسجيل القيود في هذه المؤسسة، وبمدى مراعاة المؤسسة للمعايير المحاسبيّة المعتمدة عالميًا. وفي حالة التدقيق المحاسبي العادي، عادةً ما يشير المدققون إلى أنّ الأرقام وصحّتها هي على مسؤوليّة إدارة المؤسسة نفسها، فيما تنحصر مسؤولية المدققين بالجانب المتعلّق بمدى مطابقة الأنظمة المحاسبيّة المعتمدة للقواعد المتعارف عليها. أما في حالة التدقيق الجنائي، فالتدقيق يهدف إلى الذهاب ما وراء الأرقام والقيود الموجودة، في محاولة لدراسة إمكانيّة وجود عمليّات كسب غير مشروع، أو تلاعب على الأنظمة المعتمدة لتحقيق أرباح عن طريق الاحتيال. ولعلّ أهم أهداف التدقيق الجنائي تتركّز على محاولة تقصّي أنماط العمليات التي تبدو طبيعيّة من الناحية المحاسبيّة البحتة، لكنّها في واقع الأمر تخفي احتيال غير قانوني.

بفعل ضغط صندوق النقد والداعمين الدوليين، وسعي مجموعة من الاستشاريين لإنجاح المفاوضات مع الصندوق، ذهب مجلس الوزراء إلى إقرار فكرة التدقيق الجنائي في أرقام مصرف لبنان، على قاعدة «مكرهٌ أخاك لا بطل». لكنّ المجلس تأكّد من وضع جميع الألغام المطلوبة لتفجير هذا التدقيق لاحقًا، من إسقاط فكرة اللجوء إلى شركة كرول المتخصصة بالتدقيق الجنائي، واللجوء إلى شركة استشارات ماليّة لا يقع التدقيق الجنائي في صلب تخصصها، وصولًا إلى تعيين وزير ماليّة للجنة غير متخصصة بهذا النوع من التدقيق للإشراف على هذا المسار. وهكذا، كان كل شيء معدًّا بعناية ليتمكّن المصرف المركزي من إسقاط هذا التدقيق بالضربة القاضية حين تصل الكرة إلى ملعبه.

شركة آلفاريز آند مارسال، التي تم تكليفها بإجراء التدقيق الجنائي، لم تحتج إلى كثير من الوقت لتبيان أهم المسائل التي ينبغي البحث فيها في أرقام وميزانيّات المصرف المركزي. طلبت الشركة من المصرف تزويدها بلائحة طويلة من المستندات المطلوبة، والتي كان أهمّها تلك المتعلّقة بنوعيّة العمليّات التي جرت في إطار «الهندسات الماليّة» التي قام بها المصرف خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى البيانات المتعلّقة بنوعيّة استثمارات المصرف والالتزامات المترتبة عليه، بهدف تحديد نوعيّة وحجم الخسائر التي ألمّت به مؤخّرًا. 

سقطت محاولة الكشف عن طبيعة الخسائر التي تراكمت في مصرف لبنان والتي أدّت إلى ضياع أموال المودعين، كما سقطت محاولة الكشف عن الأرباح الضخمة التي تمكّنت فئة صغيرة من كبار المودعين والمساهمين في النظام المصرفي من تحقيقها قبيل الانهيار.

بادر المصرف المركزي في بداية الأمر إلى رفض التعاون مع الشركة بشكل مطلق، إلى درجة رفضه حتّى السماح لها بمقابلة المسؤولين فيه أو العمل داخل المصرف نفسه، مع العلم أن طبيعة المهام الملقاة على عاتق الشركة تتطلّب في العادة هذا النوع من التعاون. وبعد أن تمّ تسليم حاكم المصرف المركزي لائحة المستندات المطلوبة من خلال وسيط هو مفوّض الحكومة في المصرف المركزي، كانت النتيجة رفض الحاكم تزويد الشركة بأكثر من مئة مستند مطلوب بذريعة السريّة المصرفيّة القانونيّة. مع العلم أن نقابة المحامين وهيئة التشريع والاستشارات وكبار رجال القانون أكّدوا أنّ السريّة المصرفيّة المنصوص عنها في القانون تطال حصرًا حسابات عملاء المصارف الدائنة، ولا يُفترض أن تطال أرقام وميزانيات مؤسسة عامّة كمصرف لبنان.

وهكذا، سقط التدقيق الجنائي بعد أن تبيّن للشركة أنّها غير قادرة على الحصول على أبسط قدر من المعلومات المطلوبة لإنجاز التدقيق المطلوب منها. ومع سقوط التدقيق الجنائي، سقطت محاولة الكشف عن طبيعة الخسائر التي تراكمت في مصرف لبنان والتي أدّت إلى ضياع أموال المودعين في المصارف اللبنانيّة، كما سقطت محاولة الكشف عن الأرباح الضخمة التي تمكّنت فئة صغيرة من كبار المودعين والمساهمين في النظام المصرفي من تحقيقها قبيل الانهيار، من خلال الهندسات الماليّة التي جرت والتي ساهمت في تضخيم هذه الخسائر. أما الأهم، فهو ضياع فرصة الكشف عن الأموال التي جرى تهريبها من النظام المصرفي إلى الخارج لمصلحة قلّة من كبار المودعين بعد تشرين الأول الماضي، على حساب الغالبيّة الساحقة من المودعين اللبنانيين الذين كانت ودائعهم حبيسة القيود التي فرضتها المصارف على السحوبات النقديّة والتحويلات إلى الخارج.

التحايل على إعادة الرسملة

كان المفترض أن تبادر المصارف اللبنانيّة خلال الفترة المقبلة، كأي نظام مالي يقع في حالة من التعثّر، إلى إعادة الرسملة لتعزيز ميزانيّاتها وضخ السيولة فيها، ولتتكمن من العودة إلى سداد مستحقّات مودعيها. ومن الناحية العمليّة، يمكن فهم إعادة الرسملة بكونها عمليّة تقوم من خلالها المصارف بزيادة رساميلها أو رؤوس أموالها إمّا من خلال اكتتاب مساهميها بمزيد من الأسهم، أو من خلال دخول مساهمين جدد لإنقاذها. ومن البديهي أنّ عمليّة إعادة الرسملة مثّلت منذ البداية شرطًا طبيعيًا من شروط استعادة الانتظام في النظام المالي، ولو أنّ أصحاب المصارف تعاملوا منذ البداية مع هذا الشرط على أنّه عبء كبير، كونه سيحمّلهم كلفة إنقاذ مصارفهم المتعثّرة، أو سيكلّفهم خسارة بعض السيطرة على مصارفهم بعد دخول مساهمين جدد.

عمليًّا، أعلن مصرف لبنان خلال الفترة الماضية عن خارطة الطريق التي يريدها لعمليّة إعادة رسملة المصارف، مستبقًا بذلك الخطّة الحكوميّة التي كان يفترض أن تحدد حجم الخسائر التي ينبغي أن يتحمّلها القطاع المصرفي، وحجم الأموال المطلوبة لإعادة رسملته. أمّا أغرب ما في الأمر، فهو تضمين التعميم الذي أصدره المصرف المركزي لهذه الغاية لبعض البنود التي لا يمكن فهمها إلا بكونها تحايل على مسار إعادة الرسملة، من قبيل السماح بزيادة الرساميل من خلال إعادة تخمين العقارات الموجودة أساسًا بحوزة المصارف أو الشركات العقاريّة التي تملكها، أو السماح للمساهمين بالاكتتاب بالمزيد من الأسهم من خلال تقديم عقارات بدل الأموال السائلة. وفي المقابل، نصّ التعميم على بعض البنود التي بادرت إلى تقدير حجم الخسائر الناتجة عن تعثّر الدولة في سداد سنداتها، دون انتظار نتيجة مفاوضات الدولة مع المصارف، والتي كان يفترض أن تحدد طريقة إعادة هيكلة الدين العام.

عمليًّا، كمنت الإشكاليّة في هذا النوع من القرارات في كونها لا تقدّم أي أموال سائلة جديدة في مسار إعادة رسملة المصارف، وهو ما سيعني تعقّد أزمة المودعين في القطاع وتعميق آثار الانهيار المالي الحاصل في البلاد. مع العلم أنّ إعادة تخمين العقارات الموجودة أساسًا سيسمح للمصارف بنفخ رساميلها بشكل وهمي من خلال تضخيم قيمة عقاراتها، ودون أن يتكبّد المساهمون في هذه المصارف عناء تقديم أي رساميل فعليّة جديدة. أمّا الاكتتاب من خلال تقديم عقارات جديدة، فمن المستبعد أن يقدّم أي حل بالنسبة إلى أزمة القطاع المصرفي، خصوصًا في ظل صعوبة تسييل أو بيع أي عقار في الوقت الراهن مقابل السيولة النقديّة.

معالجات نقديّة مكلفة

قبل ثلاثة أسابيع، استفاق اللبنانيون على قرارات مفاجئة، من قبيل تخفيض سقوف السحب النقدي بالليرة اللبنانيّة في المصارف اللبنانيّة إلى أقصى حد ممكن، حيث وصلت هذه السقوف في بعض المصارف إلى أقل من أربعة ملايين ليرة لبنانيّة شهريًا (أقل من 575 دولار بحسب سعر الصرف اليوم). تبيّن لاحقًا أن المصرف المركزي فرض تخفيض كميّة السيولة التي يتم تسليمها للمصارف بالليرة اللبنانيّة، في محاولة لفرض ضوابط على السيولة بالليرة اللبنانيّة، بعد أن جرى فرض هذه الضوابط على السيولة بالدولار منذ تشرين الأوّل من العام الماضي. أمّا الهدف، فهو محاولة التعامل مع أزمة سعر الصرف، عبر الحد من حجم الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة، بعد أن تسبب طبع النقد لدفع قيمة الودائع بالعملات الأجنبيّة بالليرة اللبنانيّة في تضخّم جنوني وانخفاض في سعر صرف الليرة. 

وبين طبع النقد لدفع قيمة هذه الودائع، وتخفيف العبء المترتّب على المصارف الناتج عن تعثّرها في السداد للمودعين، ومن ثم فرض الضوابط المستجدة على السحوبات بالليرة للتعامل مع تداعيات هذه الظاهرة على سعر الصرف، كانت النتيجة دفع المواطن اللبناني ثمن هذا النوع من المعالجات مرّتين. أولًا من خلال فقدانه القيمة الشرائيّة نتيجة انخفاض سعر صرف الليرة بعد التوسّع في طبع النقد لدفع قيمة الودائع بالعملات الأجنبيّة، وثانيًا من خلال فقدان القدرة على سحب أمواله بالليرة من المصارف، وهو ما أدّى إلى عدم قدرة بعض اللبنانيّين على سحب رواتبهم الشهريّة.

ما يجري في لبنان باختصار هو نتاج تقاعس أقطاب الحكم عن تحمّل أبسط مسؤوليّاتهم، مثل تشكيل حكومة بأجندة واضحة تستهدف التعامل مع آثار الانهيار، من خلال خطّة واضحة ومتكاملة. ما يملأ الفراغ اليوم، فليس سوى مزيج من القرارات المتخبّطة التي تقوم بها السلطة النقديّة في البلاد، والتي تستهدف مصلحة كبار المصرفيين وشركائهم في الحكم بالدرجة الأولى. أمّا النتيجة على المستوى المعيشي، فليست سوى المزيد من الضغوط الكارثيّة الناتجة عن التضخّم الهائل الذي بلغ نسبة 120% في أوّل ثمانية أشهر من هذا العام، بالإضافة إلى كل تداعيات فشل الدولة في تقديم أبسط الخدمات البديهيّة للمواطنين.