أسبوعان على إغلاق نقابة المعلمين: أزمة مستمرة

من مظاهرة المعلمين أمام مجمع النقابات المهنية في إربد، للمطالبة بالإفراج عن أعضاء مجلس نقابتهم. تصوير مؤمن ملكاوي، 1 آب 2020.

أسبوعان على إغلاق نقابة المعلمين: أزمة مستمرة

الأحد 09 آب 2020

استيقظ المعلمون الأردنيون يوم السبت الـ25 من تموز الماضي على خبر إغلاق فروع نقابة المعلمين الإثنتي عشرة وكفّ يدها عن العمل، وتوقيف أعضاء المجلس الـ13 بعد أن أسندت لهم تهم تتعلق بتجاوزات مالية والقيام بإجراءات تحريضية، وتزامن مع ذلك قرار نائب عام عمّان حسن العبداللات بحظر النشر في هذه القرارات. 

وتجدد قرار منع النشر اليوم الأحد من محكمة صلح جزاء عمّان، التي رفضت طلب تكفيل أعضاء المجلس مجددًا، بحسب محامي النقابة. يأتي ذلك قبل ساعات من موعد تنفيذ احتجاجات للمعلمين في محافظات المملكة تلبية لدعوة صدر الجمعة من أجل «استرداد الشرعية» مساء اليوم الأحد.

مساء يوم إغلاق النقابة قبل أسبوعين، خرج المعلمون في وقفات احتجاجية في العاصمة والمحافظات احتجاجًا على إجراءات إغلاق النقابة وتوقيف أعضاء المجلس. بينما أوضحت الحكومة في مؤتمر صحفي عقدته في اليوم التالي إن النقابة «نفّذت، وتلوح مجدّدًا بتنفيذ، وقفات احتجاجية وإضرابات واعتصامات تضرّ بمرافق الدولة الحيوية واستدامتها، وتتجاوز قانون الصحّة العامة وأوامر الدفاع التي صدرت بشكل أساسي لحماية صحّة المواطنين»، بحسب ما قاله الناطق باسم الحكومة أمجد العضايلة.

لاحقًا، دعا المعلمون لاعتصام مركزي على الدوار الرابع في الـ29 من تموز، وهو الاعتصام الذي انتهى بثلاث اعتصامات منقسمة على الدوار الخامس بعدما قامت الأجهزة الأمنية بمنع الوصول للرابع وتوقيف نحو 500 شخصٍ في ذلك اليوم، أفرجت عن معظمهم بعد انتهاء الفعالية. نفّذ المعلمون بعدها ما يزيد عن 25 اعتصامًا في المحافظات على مدار الأسبوع الماضي. وبحسب رصد «حبر»، تزامن مع تلك الوقفات توقيف للعشرات من المعلمين وأعضاء الفروع، وإحالة وزارة التربية والتعليم للعديد منهم إلى الاستيداع والتقاعد المبكر، بالإضافة لتمديد توقيف أعضاء المجلس يوم الخميس الماضي، وسط خوض تسعة منهم إضرابًا عن الطعام.

يرصد هذا التقرير ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين، بالحديث إلى معلمين وأعضاء هيئات مركزية ومحللين، في محاولة لفهم تفاعل الأطراف مع الأزمة الحالية، ودلالات استمرار وتجدد احتجاجات المعلمين. 

احتجاجات ميدانية متواصلة

صباح يوم الأول من عيد الأضحى، 31 من تموز، كان المعلمون قد أنهوا الأسبوع الأول من الاحتجاجات، مع حصيلة اعتقالات وصلت لـ27 شخصًا من أعضاء فروع ومعلمين وأعضاء مجلس، بحسب محامين يدافعون عن الموقوفين.

في مساء ذلك اليوم، انطلقت في الكرك مظاهرة شارك فيها عشرات المعلمين والمحتجين، طالبوا بالإفراج عن المعتقلين وإعادة فتح النقابة. وفي اليوم التالي، دعا فرع نقابة المعلمين في إربد المعلمين وعائلاتهم إلى المشاركة بوقفة احتجاجية مسائية، قُدر عدد المشاركين فيها بأكثر من 2500 شخص. 

يقول المرشد التربوي المشارك في الوقفة، رامز البطران، لـ«حبر» إن الدعوة للعائلات واختيار التوقيت المسائي ساهما في زيادة أعداد المشاركين برأيه. لاحقًا توالت الدعوات الصادرة عن فروع النقابات للمعلمين والمعلمات وعائلاتهم في المحافظات على مدار اليومين التاليين. 

تزامن مع ذلك تصريحات حكومية رسمية وشبه رسمية ربطت نشاط النقابة بجماعة الإخوان المسلمين. وكانت صحف دولية قد نقلت مثل هذا الربط بالإخوان عن مصادر في الحكومة منذ ما قبل حل النقابة. 

من مظاهرة المعلمين أمام مجمع النقابات المهنية في إربد، للمطالبة بالإفراج عن أعضاء مجلس نقابتهم. تصوير مؤمن ملكاوي، 1 آب 2020.

يقول الوزير السابق والمحلل السياسي محمد أبو رمّان إن الوقفات الاحتجاجية في الأسبوع الماضي شهدت مشاركة واسعة في المحافظات، التي تعتبر «العمود الفقري» للمعلمين بحسبه. ومن أبرزها محافظات لا تشكّل جماعة الاخوان المسلمين فيها تأثيرًا واسعًا بحسبه، كالمفرق والطفيلة، اللتين تمكنتّا من التظاهر في الأسبوع الماضي بأعداد كبير، بتقديره. «استمرار الربط بين الإخوان والنقابة [هو] لتجنب الحديث أن الدولة اليوم تواجه نحو 500 ألف معلم وعائلاتهم»، يقول، في تقدير لمجموع عائلات المعلمين البالغ عددهم 100 ألف. 

يذهب حسن البراري، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية إلى أن الاحتجاجات أصبحت مناطقية، يعبّر عبرها الناس «من الشمال إلى الجنوب إنهم غير راضيين عن الدولة»، بحسبه. ويرى أن الأزمة تعود «للانتصار» الذي حققته نقابة المعلمين في تشرين الأول الماضي بحصولها على مطالبها بعد تنفيذ إضراب عن التعليم نفذته لمدة شهر. يقول إن وقوف المجتمع مع نقابة المعلمين في الإضراب السابق جعل هذا الجسم النقابي يشكّل سابقة ومصدر خطر على الدولة على حد تعبيره، التي باتت تحتاج (الدولة) «لتأليب» المجتمع ضد هذا الجسم النقابي، «لكن كان عليهم أن يفهموا أن هذا ليس انتصار للمعلم؛ هذا تعبير عن سخط المجتمع»، يقول.

يقول فهد الخيطان، الكاتب ورئيس مجلس إدارة قناة المملكة، إن ردود الفعل من بعض أوساط المعلمين تجاه الإجراءات القضائية المتخذة «كانت متوقعة»، دون أن يرى هناك ربطًا بين ما حصل مع نقابة المعلمين وملف الإخوان المسلمين في الأردن. ويقول إن هناك نقابيين في السابق مثلوا التيار الإسلامي في النقابات المهنية ولم يسبق تحويلهم للقضاء. 

يعلق الخيطان على تصريحات رسمية لوزراء في الحكومة انتقدت ممارسات لنقابة المعلمين واعتبرتها تجاوزًا لدورها النقابي بالتزامن مع توقيف النقابة. فيقول إن ذلك يدخل في إطار النقد والموقف السياسي من قبل الحكومة، فـ«كل النقابات تنتقد من طرف الحكومات»، دون أن يربط ذلك بالحاصل مع النقابة حاليًا، نظرًا إلى أن ملفها معروض أمام القضاء. 

يرى محمود الخرابشة، النائب السابق في مجلس النواب إن النقابة مارست سياسة الاستقواء والاستعلاء «ولي الذراع» وذلك بالإشارة لأحد خطابات نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة قبل إغلاق النقابة قال فيها «نحن الدولة» ضمن قوله بأن المعلمين هم قطاع عريض بالدولة، كذلك عندما أقسم بعدم التنازل عن العلاوة «إن ارتدت» الحكومة، وهو ما اعتبره وزير الداخلية سلامة حمّاد لاحقًا تجاوزًا «لكل القوانين» وان الحكومة لن تسمح بتكرار ذلك. يقول الخرابشة إن النقابة في تلك الخطابات لم تكن تمارس دورها في خدمة المعلمين إنما عملًا سياسيًا وحزبيًا.

يرى البراري أن النقابة لم تكن موفقة في بعض خطابتها ومواقفها قبل إغلاقها، وأنها لم تكن دبلوماسية وأعطت الدولة «ذريعة للانقضاض عليهم»، لكنه لا يعتقد أن هناك استقواءً حصل من النقابة. 

في الثالث والرابع من آب، منعت الأجهزة الأمنية المعتصمين في إربد من تنفيذ وقفة احتجاجية جديدة كان فرع النقابة قد دعا لها، ما جعل الفرع يعلن عن تأجيل الوقفة «تغليبًا للمصلحة الوطنية» بحسب بيان صدر عنه حينها. لاحقًا أوقفت الأجهزة الأمنية معلمين ومعلمات تجمعوا للاحتجاج رغم التأجيل الرسمي، قبل أن تفرج عنهم في اليوم ذاته. 

كذلك، فرّقت الأجهزة الأمنية تظاهرة في جرش أدت لإصابات بين المحتجين. وشهدت وقفة الكرك في الرابع من آب مشادات بين المتظاهرين ورجال الأمن، أدت لإصابة سبعة من رجال الأمن بحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية، توعدت به من يقوم بالاعتداء على الأجهزة الأمنية. يقول نصّار الطراونة عضو فرع الكرك إن الأجهزة الأمنية بادرت في استخدام العنف في الاعتصام السلمي بحسبه. وتظهر مقاطع فيديو قيام الأجهزة الأمنية بإلقاء قنابل غاز مسيّل للدموع تجاه المحتجين في الكرك، وكذلك إلقاء بعض المحتجين للحجارة على سيارات الأجهزة الأمنية.

ترى هدى العتوم، النائب في مجلس النواب، وعضو مجلس نقابة المعلمين سابقًا، أن الحكومة ذهبت للتصعيد في حملات الاعتقالات في إربد، و«الاعتداء على المعلمين» في جرش والكرك، لا سيما اعتقال معلمات أردنيات، في خطوة تعمّق الأزمة وتظهر أن الحكومة تعيد ارتكاب أخطائها، بالإشارة مع آلية إدارة أزمة المعلمين في إضرابهم في أيلول الماضي. 

تقول العتوم إن الحكومة متأزمة الآن، «وصعدت إلى الشجرة». لكن بحسب أبو رمان، فإن الدولة غير قادرة على التراجع الآن، إذ أن تراجع الدولة عن إجراءات اتخذتها بحق المعلمين سيكون الثاني بعد الإضراب السابق للمعلمين، وهو ما يجعل هذا السيناريو غير مطروح الآن لدى الجهات الرسمية. من جهته، لا يشخّص الخيطان ما يحصل بأنه في إطار التصعيد. «لا أحد صعد على الشجرة، الجميع احتكم للقضاء»، يقول. 

مع نهاية الأسبوع الثاني من التوقيف، أحيل مجلس نقابة المعلمين إلى محكمة صلح عمّان، بعد أن انتهت المراحل التحقيقية بحسب محامي النقابة بسام فريحات، وبدأت يوم الخميس الماضي أولى جلسات المحاكمة. وعقدت اليوم الأحد الجلسة الثانية، دون أن توافق المحكمة على طلب تكفيل أعضاء المجلس الذي يخوض معظمهم إضرابًا عن الطعام منذ 14 يومًا، بحسب د. نهلة المومني ميسر أعمال مفوضية الحماية في المركز الوطني لحقوق الإنسان. 

تقول المومني إن المركز الوطني زار أعضاء المجلس في اليومين التاليين لتوقيفهم، وكان جميع أعضاء المجلس قد أعلنوا إضرابًا عن الطعام. لاحقًا نقل بعضهم الى المستشفيات وتأثرت أوضاعهم الصحية، ما استدعى إلى فك عدد منهم للإضراب. ولا يزال تسعة من أعضاء المجلس مضربين عن الطعام بما فيهم نائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة بحسبها، الذي يتواجد حاليًا في مستشفى المدينة الطبية. كما نُقل عضوان آخران في المجلس للمستشفيات، أحدهما الناطق باسم النقابة نور الدين نديم، الذي تم نقله لقسم العناية الحثيثة.

تقول المومني إن الجهات المعنية استجابت لطلبات للمركز الوطني تتعلق بتحسين ظروف التوقيف وزيادة الاتصالات، كما تم نقل أعضاء المجلس الموقوفين لمراكز إصلاح وتأهيل قريبة من مناطق سكناهم للتسهيل على عائلاتهم في الزيارة. 

بالتزامن مع الاحتجاجات، اعتقلت الحكومة على مدار الأسبوع الماضي العشرات من المحتجين، يقول محامي النقابة بسام فريحات إن الحكومة تقوم باعتقال والإفراج عن العديد من المعلمين في اليوم ذاته، ما يصعّب إحصاء الاعتقالات. وبحسب محامين للنقابة، بلغ عدد المعتقلين حتى اليوم السبت نحو 67 شخصًا حتى صباح الأحد، منهم 13 أعضاء مجلس النقابة، يتوزعون بين التوقيف الإداري والتوقيف من المدعي العام، بتهم التجمهر غير المشروع، ومخالفة أوامر الدفاع، ومقاومة رجال أمن، ومخالفة قانون الجرائم الإلكترونية. يقول محامي النقابة إن عدد المعتقلين يتغير خلال ساعات، لذا من الصعب ضبط الإحصائيات بدقة. 

كيف ينظم المعلمون أنفسهم؟ 

في الليلة السابقة لاعتصام إربد الثاني، في الثاني من آب، كان المرشد التربوي عضو الهيئة العامة في نقابة المعلمين رامز البطران 34 سنة، مع زوجته وبناته خارج منزله في إربد، عندما جاءت قوة أمنية للمنزل يعتقد بأنها كانت تهدف لاعتقاله. تلقى رامز اتصالًا من جاره يخبره ما يحصل، ولم يعد لمنزله منذ ذلك الحين. يقول إنه أرسل زوجته وبناته لمنزل عائلتها، ويعيش منذ أيام «في بلاد الله الواسعة»، مثله مثل العديد من أعضاء الفروع الذين يحاولون تجنب اعتقالهم كي يتمكنوا من العمل على «ضبط الصفوف» بحسبه.

يقول أحد أعضاء فرع إربد، فضل عدم ذكر اسمه، إن أعضاء الفروع يتوقعون اعتقالهم بالنظر إلى حملة الاعتقالات بحق أعضاء فروع ومعلمين في الأسبوعين السابقين، ما يجعلهم يقومون الآن بتوزيع المهام بينهم ووضع لجان تنظيمية بديلة في حال اعتقال القيادات الموجودة حاليًا، «لكن حتى لو ما في قيادة، المعلم يقود نفسه بنفسه الآن»، يقول عضو الفرع.

خلال الأسبوعين الماضيين، اعتقلت الأجهزة الأمنية عددًا من أعضاء الفروع ومعلمين ناشطين في المحافظات. ويصل عدد المعتقلين من أعضاء الهيئة المركزية 21 معلمًا بحسب رصد أجرته حبر حتى نشر التقرير، من ضمن 160 عضوًا هم مجموع أعضاء الهيئة المركزية، منهم رؤساء فروع الكرك ومادبا. بينما يحتل فرع الكرك العدد الأكبر من الاعتقالات ضمن الهيئة المركزية بخمسة اعتقالات من الفرع نفسه. 

من مظاهرة المعلمين أمام مجمع النقابات المهنية في إربد، للمطالبة بالإفراج عن أعضاء مجلس نقابتهم. تصوير مؤمن ملكاوي، 1 آب 2020.

يقول البراري إن الحكومة تحاول «رفع كلفة» تأييد المعلمين عبر حملة من الاعتقالات، وهو ما يراه أبو رمان قد يوّلد ردودًا من الصعب توقعها. من جهة أخرى، ترى العتوم إن الاعتقالات الواسعة أدت لظهور هتافات وشعارات من الصعب السيطرة عليها الآن، وذلك لغياب قيادات تنظم الاحتجاجات ومطالبها بحسبها. 

يقول البطران إن الاعتقالات التي حصلت في الأسبوع الماضي أثرت على الشارع، وأظهرت بعض الوقفات مشتتة، ذلك أن التنظيم بحسبه كان يتطلب تنقلًا بين المحافظات والاجتماع والتشاور، وهو ما كان صعبًا في الفترة الماضية. لكنه يرى في دعوة فرع إربد لتجديد الفعاليات الاحتجاجية في المحافظات اعتبارًا من الأحد القادم إشارة إلى إعادة تنظيم صف المعلمين بعد اعتقال قيادات من الصفوف الأولى.

وكانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أصدرت بيانًا الجمعة عبّرت فيه عن «قلقها البالغ» إزاء قيام الحكومة الأردنية إغلاق نقابة المعلمين واعتقال أعضاء مجلسها واستخدام قوة «غير ضرورية أو مفرطة» ضد مئات المتظاهرين، وطالبت بالإفراج عن الموقوفين من قيادات النقابة والمعلمين. لاحقًا في اليوم نفسه، أصدرت مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني الأردني بيانًا قالت فيه إن هناك حالة غير مسبوقة من التأزيم والتعدي على أحكام الدستور والقانون، ودعت الى الإفراج الفوري عن المعتقلين وفتح فروع النقابة وضمان حق التنظيم النقابي.

وكان الاتحاد الدولي لنقابات المعلمين حول العالم أصدر بيانًا نهاية الشهر الماضي دعا إلى الإفراج عن أعضاء مجلس النقابة. واعتبر الأمين العام للاتحاد، ديفيد إدواردز، ما قامت به الحكومة الأردنية «غير مقبول على الإطلاق»، مشجعًا 384 منظمة عضو تتوزع في 178 دولة للاتصال بالسفارات الأردنية وبحكوماتهم للضغط على الحكومة الأردنية من أجل «الإفراج الفوري وغير المشروط» عن أعضاء المجلس الموقوفين، وإعادة العمل النقابي، وتوفير «ضمانة قوية» للحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية للمعلمين، بحسب البيان. 

كذلك، أرسل الاتحاد الدولي للنقابات في الثالث من آب رسالة للملك حمّل فيها الحكومة مسؤولية سلامة بعض قيادات النقابة، الذين أصبحت صحتهم وسلامتهم في خطر نظرًا للإضراب عن الطعام ولما اعتبره «المعاملة السيئة» التي يتلقونها عقب «اعتقالهم غير القانوني»، وفق الرسالة. وطالب الاتحاد الملك بالتدخل الفوري للإفراج عن أعضاء المجلس والمعلمين المعتقلين وإلغاء قرار النائب العام بوقف عمل النقابة والامتناع عن أي هجمات أو تضييق عليها، كما جاء في الرسالة.

إحالات إلى التقاعد

يوم الأربعاء الماضي، استقبلت انتصار الصمادي، عضو الهيئة المركزية لنقابة المعلمين في فرع جرش، خبر إحالتها للتقاعد وهي في زيارة اجتماعية. تقول إنها فهمت مباشرة بأن الإجراء عقابيّ لنشاطها في الاحتجاجات، بعدما كانت قد حاولت المشاركة في اعتصام الرابع في الأسبوع الأول للأزمة، قبل أن يتم اعتقالها في مركز أمن المهاجرين والإفراج عنها مساء ذلك اليوم.

تقول الصمادي، وهي عضو فرع جرش حاليًا وفي الدورات الانتخابية الثلاث السابقة ومديرة مدرسة البركتين في جرش، إنها خدمت فعليًا 23 سنة في وزارة التربية والتعليم، وكانت تنتظر حصولها على الدرجة الخاصة في سلّم الترقيات، لكّن إحالتها للتقاعد يعني عدم قدرتها على ممارسة عضويتها في الهيئة المركزية بحسب قانون نقابة المعلمين الأردنيين، إلا في حال تمكنت من إيجاد فرصة عمل في مدرسة خاصة. 

تظهر كشوفات أسماء المحالين للتقاعد إحالة ما يزيد عن 150 شخصًا خلال الأسبوع الماضي للاستيداع والتقاعد، عملًا بأحكام نظام الخدمة المدنية وقانون التقاعد المدني لسنة 1959، الذي يحدد الخدمة المقبولة للتقاعد بـ25 سنة للرجال و20 سنة للنساء، وتظهر الكتب الصادرة عن وزير التربية والتعليم إحالة من لم يكمل خدمة 25 عامًا إلى الاستيداع لحين إكمال المدة المقررة من الخدمة.

ورغم مدة الخدمة التي يحددها القانون، إلا أن الحكومة تحدد مطلع كل عام «مسطرة التقاعد» أي الحد الأدنى لمدة الخدمة المقبولة للتقاعد، وفق ما تشرح النائب العتوم. يقول الخرابشة إن لدى الحكومة صلاحيات تقديرية فيما يتعلق بالإحالة للتقاعد لمن أتم سنوات الخدمة الفعلية، وأن القانون أعطى لمن يشعر بالظلم الحق في الطعن على القرار لدى القضاء الإداري. وكان مجلس الوزراء قد أعلن بداية العام عن قرار إحالة موظفي القطاع العام للتقاعد عند لمن بلغت خدماتهم الخاضعة للتقاعد 30 عامًا فأكثر. 

يقول محامي النقابة الفريحات إن في إحالة معلمين لم تستكمل خدماتهم الفعلية مدة التقاعد إشكاليات أخلاقية وقانونية، ذلك لما وصفه محاربة المعلمين في أرزاقهم نتيجة تعبيرهم عن مواقفهم واحتجاجاتهم، إضافة لإحالة أشخاص في داخل السجون، مؤكدًا نية النقابة الاعتراض على قرار الإحالة للتقاعد «التعسفي» لدى المحكمة الإدارية. 

وكانت حبر حاولت التواصل هاتفيًا مع نجوى قبيلات الأمين العام للشؤون الإدارية والمالية في وزارة التربية والتعليم، وتيسير النعيمي وزير التربية والتعليم، ونواف العجارمة أمين عام وزارة التربية والتعليم للشؤون التعليمية لأخذ تعليق حول الاحالات للتقاعد، دون تلقي إجابة.

ماذا بعد؟ 

بحسب الدعوات الصادرة عن فروع النقابة في المحافظات، فإن المعلمين يحضرون لوقفات احتجاجية الأحد للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين وإعادة فتح فروع النقابة والاعتذار للمعلمين وتنفيذ بنود الاتفاق بين الحكومة والنقابة الموقع في تشرين الأول الماضي.

وناقش وزيرا التربية والتعليم والداخلية عصر السبت إجراءات فنية وإدارية متخذة لبدء العام الدراسية 2020/2021 في ظل جائحة الكورونا. وجدد وزير التربية والتعليم تيسير النعيمي في اللقاء تأكيده على أن الحكومة قامت بتنفيذ 90% من مطالب المعلمين في الاتفاقية المبرمة مع النقابة العام الماضي. بينما يؤكد المعلمون بأن الحكومة لم تنفذ كامل بنود الاتفاقية، وأنها لم تتحاور وتتشاور مع النقابة في بعض الإجراءات والقرارات المتعلقة بتأجيل تنفيذ بنود فيها.

يقول أبو رمان إن السيناريو الحالي لتداعيات إغلاق النقابة واعتقال المجلس هو الأسوأ بالنسبة الدولة، لكنه يرى إن هناك مساحة لتدخل أطراف تذهب بالأزمة نحو الحلّ. فيما يقول الخيطان إن الحكومة ليس لديها صلاحيات للتدخل الآن، نظرًا لوجود القضية والملفات بيد القضاء. «لم أسمع أن هناك شيء لدى الحكومة خارج المسار القضائي»، يقول. 

وكانت وسائل إعلامية نشرت أخبارًا عن وجود مساعٍ يقودها رئيس مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان، رحيّل الغرايبة، لحل الأزمة بين المعلمين والحكومة، لاحقًا نفى الغرايبة لحبر أن تكون الحكومة قد طلبت وساطة مع المعلمين، لكنه أوضح أن أعضاء من نقابة المعلمين ووجهاء وسياسين قاموا بزيارته وطلبوا منه السعي لإيجاد حلّ للأزمة.

يقول الخرابشة إن مرحلة الوساطات قد مضت وأن الدولة تريد «فرض هيبتها وقانونها». ويرى الخرابشة أن على النقابة التوجه لخوض حوار مع وزارة التربية والتعليم التي يجب عليها أن تبقي باب الحوار مفتوحًا، «دون أن يكون هناك منتصر أو مغلوب»، بحسبه.