عن أسطورة سوق «الدفاع والأمن» العالمي

الخميس 10 تشرين الأول 2019
زائر يعاين صواريخ معروضة في معرض سوفكس للأسلحة في عمّان، أيار 2016. تصوير خليل مزرعاوي، أ ف ب.

استضافت الحكومة البريطانية مطلع الشهر الماضي أكبر معرض أسلحة عالمي في معارض إيكسيل شرق لندن التي تدار بالشراكة مع حكومة أبو ظبي. شاركت في المعرض 1600 شركة من 70 دولة، وشملت المعروضات غواصات سويدية تستشعر الحركة كالدلافين، وسفنًا حربية ذكية بريطانية، ومسدسات أمريكية أوتوماتيكية متقدمة، ودبابات ذكية من غير سائق، وصواريخ «إسرائيلية» ذات استهداف دقيق مُجرّبة على عينات حية، ودرونز صغيرة قاتلة وقنابل لاصقة على شكل محار، وتجارب افتراضية في توجيه القنابل، وعدسات صغيرة تستشعر الحرارة، إضافة إلى آلاف المعروضات الأخرى. شاركت في المعرض أهم عشر شركات أسلحة دولية منها رياثون، بي إي إيه سيستيمس وإيربس بالمقابل كان الحضور العربي في المعرض واضحًا، إذ تعد الدول العربية من أهم مستوردي الأسلحة في العالم، ولها حصّة الأسد في السوق.

منذ العام 1993، يقام هذا المعرض مرّة كل عامين، ويتضخم كل عام مع تضخم سوق الأسلحة العالمي. يسمى المعرض بـ«معرض أدوات الدفاع والأمن الدولية»، حيث تم إدخال كلمة «أمن» في أوائل هذا القرن. عند النظر إلى رواد المعرض بإمكاننا الاستدلال إلى تغلغل أسطورة الطبيعة الأمنية والدفاعية لشركات الأسلحة في الحيز البصري؛ إنكارٌ جماعي يتعلق بحتمية استعمال هذه الأسلحة لاستهداف بشر أخرين، واصطناعٌ للأنسنة.

في المسلسلات الواقعية، يعرف المشاهد والممثلون أن هناك كاميرا في الغرفة تصوّر كل ما يجري، وأن ما يحدث في الغرفة إنما هو تمثيل، لكن المشاهد الذي يعلم هذا الأمر يقبله، ويتفاعل مع المسلسل كما لو أن ما يراه عبر الشاشة حقيقة. وكما في المسلسلات الواقعية، هناك توافق ضمني بين روّاد المعرض والباعة، وإيمان مشترك ضروري على شرعية المعرض، وعلى أن هذه الأسلحة ستستخدم لأسباب أمنية بحتة. يتكون هذا الإيمان على مستوى غير واعٍ ضمن هذه الطبقة من التجار والسياسيين، وبسبب تغلغل القوة السياسية والاقتصادية والقانونية لهذا السوق والمستفيدين منه، فإن لهذا الإيمان تأثيرًا عالميًا.

في كتابه الشهير «أساطير» يقدم الفيلسوف الفرنسي رولان بارت فكرة «الأسطورة المجتمعية»  في طور تحليله للظواهر المجتمعية الخاصة بالمجتمع الفرنسي في الستينيات. يُعرّف بارت الأساطير على أنها رموز اختلقها العقل البشري تقدم نفسها كما لو كانت جزءًا من الطبيعة، كأسطورة أن السلع الأغلى «قيمتها فيها»، بالرغم من أن مفهوم «القيمة» من أكثر المفاهيم غموضًا في عالم اليوم، أو أسطورة الموضة «كتعبير عن الذات» بالرغم من كونها تعبيرًا عن أشياء عديدة أخرى من بينها الفروق الطبقية، أو أسطورة «الإنسانية» كأساس لشرعنة القانون الدولي بالرغم من تفضيله الواضح «السلطة السياسية والاقتصادية» على «الإنسانية». وفي هذا السياق يحافظ سوق الأسلحة العالمي بهيئته الحديثة على أسطورة الدفاع والأمن بالرغم من دور شركات الأسلحة الواضح في الاستفادة من تفاقم العنف في العالم، وفي منطقتنا تحديدًا ودعمه، وبالتالي فإن أسطورة «الأمن والدفاع» هي اتفاق ضمني على غض البصر عن الواقع.

تغلغل هذه الأسطورة واضح في الحيز البصري الجمعي أيضًا، فعند النظر إلى صورة مدراء شركة رياثون الأمريكية (أحد المصدّرين الرئيسيين للأسلحة المستخدمة في المنطقة ومُصنّع القبة الحديدية الإسرائيلية) لا نربط فورًا بين الأرباح التي يحرصون عليها وتفاقم العنف حول العالم، وهذا تأكيد على أنه قد تم فصل التمثيل اللغوي والاجتماعي لشركات الأسلحة عن واقع تدخلها العنيف في حيواتنا اليومية. إذ تأخذ هذه الأساطير بعدًا لا واعيًا في العقل البشري يجزم بحتميتها من دون أي مبررات واضحة، بالرغم من وعينا التام بزيفها. في هذا السياق، يعرض المقال بعض الجوانب السياسية والاقتصادية والقانونية التي تصب في الحفاظ على هذه الأسطورة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من المنظومة الدولية.

في ظل تدهور الأوضاع السياسية والإنسانية في العالم العربي، لا تكف الدول المسيطرة على مجلس الأمن الدولي، التي تحظى فيه بحق النقض «الڤيتو»، عن إصدار قرارات الإدانة تجاه ما يحصل في العالم العربي، سواء في اليمن، خاصة بعد اغتيال جمال خاشقجي، وفي سوريا وليبيا، وغيرها من الأماكن. لكن يكفينا النظر إلى أرقام مبيعات الأسلحة من دول الڤيتو إلى الأطراف المتصارعة في العالم العربي لنكتشف زيف هذه الإدانات المتكرّرة، خاصة في ظل غياب تنظيم قانوني يتواءم والادعاءات الإنسانية للمجتمع الدولي.

وراء هذه المبيعات التي ضمنت مستويات عالية من التقدم التكنولوجي للحروب في المنطقة، شركات عالمية كبرى تحافظ على هذا التجرّد من أي مسؤولية سياسية حول تزويدها بالأسلحة عبر اللجوء إلى ما يسمّى «المجمع العسكري الصناعي»، وهو علاقة تجمع بين الحكومات وكلٍ من القوات المسلحة والشركات المنتجة للسلاح، إمّا عن طريق العلاقات الشخصية أو قوة رأس المال، ومن خلال هذه العلاقة تتمكّن الشركات من ممارسة الضغط على العملية التشريعية، وعلى صياغة القوانين، محلّيًا ودوليًا، بلغة تضمن الصفة الاقتصادية البحتة لشركات الأسلحة بعيدًا عن أي تساؤلات إنسانية أو سياسية.

حافظت الحرب الباردة وما لحقها من حروب الولايات المتحدة في المنطقة على مستويات شبه ثابتة من من مبيعات الأسلحة حتى أوائل هذا القرن. ومع عولمة الأسواق العالمية نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن، ومع خصخصة صناعة الأسلحة وتقدّم التكنولوجيا العسكرية، تطوّر السوق العالمي للأسلحة كأي سوق أخر، وسُمّي «سوق الدفاع» عوضًا عن سوق الأسلحة من باب شرعنة بيع الأسلحة لغويًا، وبالتالي أصبح بإمكان أي شركة بيع أي شركة أو دولة أخرى طالما هناك ترخيص من الدولة الأم يسمح لها بتجارة الأسلحة مع هذه الدولة أو شركاتها. ومع تنظيم سوق السلاح العالمي، ازدهر السوق الأسود للأسلحة، ولذا صار بإمكان تنظيم كداعش الحصول على أسلحة مصنّعة من قبل شركات أميركية وأروبية وروسية وصينية إمّا عن طريق النهب أو الشراء. وقد وصلت المبيعات العالمية في سوق الأسلحة النظامي إلى أرقام لم يصلها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع توقعات أن الرقم أكبر بكثير في الواقع فيما لو حسبنا مبيعات الأسلحة في السوق السوداء.

تترأس الشركات الأمريكية هذا السوق العالمي بعدما تضاعفت مبيعاتها في آخر عشرين عامًا، وتليها في السوق الشركات الروسية والألمانية والفرنسية والبريطانية. أي أن أهم شركات الأسلحة العالمية متواجدة في دول الڤيتو صاحبة السلطة العليا في مجلس الأمن في الأمم المتحدة.

أمّا في العالم العربي، فهناك تراجع واضح في تصنيع الأسلحة خاصة بعد حربيْ الخليج وفقًا للباحثة شانا مارشيل، إذ تراجع العراق عن كونه أهم مُصنّع للسلاح في المنطقة، وتقدمَ الأردن والإمارات في تصنيعه. وتتركز صناعة الأسلحة في الأردن في مركز الملك عبد الله الثاني للتصميم والتطوير (كادبي) الذي تم تأسيسه عام 1999، وهو مركز تابع للحكومة، ومموّل بشكل كامل من ميزانية الدفاع التي تعتمد بشكل رئيسي على معونات الولايات المتحدة. لكنّه يحظى باستقلالية إدارية ومالية عن باقي الوحدات العسكرية. وينظم المركز كذلك معرض سوفكس للأسلحة، وتعدّ أدوات السيطرة على الشغب الشعبي أهم منتجاته. بشكل عام يعد المركز ناجحًا كشركة أسلحة، إذ وصلت مبيعاته إلى العراق، وعُمان، وأذربيجان، وكينيا. لكن بالرغم من أرباحه، لكادبي أهمية سياسية تفوق أهميته الاقتصادية من خلال شراكاته مع شركات الأسلحة العالمية.

المجمع العسكري الصناعي وسوق الأسلحة

في آخر خطاب له أمام الشعب الأمريكي عام 1961، حذر الرئيس الأمريكي أيزنهاور من تفشي «المجمع العسكري-الصناعي»، الذي هو، كما ذكرت، تقارب علاقة شركات الأسلحة والحكومة واعتماد كل منهما على الأخر.

تعد هذه الظاهرة من أهم العوامل المؤثرة على الحروب منذ النصف الثاني للقرن الماضي، وتفاقمت أثار هذه العلاقة مع التزايد التدريجي لخصخصة العمليات العسكرية خاصة بعد صعود النهج النيولبيراليّ ثمانينات القرن الماضي. هذه العلاقة المميزة بين الشركات والحكومات حظيت بدفعة مهمّة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 ، ليصبح لشركات السلاح دورٌ أساسيٌ في تجهيز الحرب، وحتى في توريد المقاتلين عن طريق شركات المتعاقدين العسكريين، إذ زاد الدعم الحكومي لهذه الشركات، وتواجد ممثّلو شركات الأسلحة في الجلسات التشريعية وخاصة ما يتعلق منها بميزانية الدفاع.[1]

يعطي القانون الأمريكي الشركات الحق بأن تكون لها آراء سياسية، بل ومعتقدات دينية، وبالتالي للشركة حق تقديم الدعم المادي للمرشحين للرئاسة أو للكونغرس الذين تصب أجنداتهم في مصلحتها، ويحق لها التحدث والتفاوض مع أعضاء الكونغرس. عزّز هذا التوجه القانوني التأثير التشريعي للشركات وساهم في ضمان زيادة أرباحها، ولذا فإن الشركات الكبرى مثل بوينغ ولوكهيد مارتن تخصص الملايين لإدارة عملياتها في أروقة المؤسسات الحكومية الأمريكية، وتشير الأبحاث إلى تواجدٍ مماثلٍ لشركات الأسلحة في الاتحاد الأوروبي والصين. بالمقابل، أصبح تواجد ممثلي هذه الشركات ملحوظًا في الغرف الموازية للهيئات التشريعية في الأمم المتحدة إلى حد مقلق بالنسبة للمنظمات المجتمع المدني والحقوقين من مختلف التيارات. لا يمكن التقليل من دور هذه الشركات في العملية التشريعية إذ يتيح لها رأس مالها فرض قوة أكبر من المنظمات المدنية المتواجدة في ذات الأروقة لمحاولة إقناع الممثلين السياسيين بأجنداتهم المدنية وبالتالي إعاقة أي محاولات تشريعية محلية لخفض الميزانية العسكرية، أو حتى تنظيم سوق الأسلحة.

بالإضافة للحمايات القانونية التي تحرص عليها الشركات، تلجأ هذه الشركات إلى طرقٍ «ملتوية» لضمان مصالحها، فمثلًا قبل عدة أشهر تم طرد موظف إداري في الحكومة الأمريكية (كان موظفًا سابقًا في شركة رايثون الأمريكية للأسلحة) بعد التثبت من دوره في نشر معلومات كاذبة حول الوضع العسكري في إيران، بهدف الإبقاء على حالة الطوارئ التي سهلت إصدار الموافقات الحكومية لعقد بيع أسلحة بين شركة رايثون والسعودية بقيمة ملياري دولار أمريكي. مثال آخر على تفشي التأثير السياسي لهذه الشركات يتعلق بشركة «أنظمة بي أيه إي» البريطانية التي تعد رابع أكبر شركة أسلحة عالمية. باعت هذه الشركة عام 2007 طائرات «يورو فايتر» للسعودية بقيمة عشرين مليار جنيه إسترليني. هذه الطائرات تم لاحقًا استخدامها في الحرب على اليمن، وسمّيت الاتفاقية، وبكل جدية، اتفاقية «السلام». هذا العقد كان بمثابة تجديد لاتفاق اليمامة الذي أبرم عام 1985 بقيمة 43 مليار جنيه إسترليني، وضم آنذاك 72 طائرة تورنيدو و30 طائرة هوك وطائرات أخرى تدريبية. شابت الاتفاقيتين تساؤلات عديدة متعلقة بالفساد، تشمل تساؤلات حول رشاوى من الشركة للعائلة المالكة السعودية، وتسهيلات عبر العلاقات الخاصة.

في عام 2014، تمت الموافقة على اتفاقية تجارة الأسلحة العالمية في الأمم المتحدة، جاءت الاتفاقية بعد سنوات طويلة من النقاش. تُلزم الاتفاقية الدول بصياغة سياسة تجارة أسلحة متوائمة مع قرارات الأمم المتحدة والامتناع عن ترخيص بيع الأسلحة في حال كان من الممكن استخدام هذه الأسلحة في جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية أو هجمات ضد المدنيين بشكل عام. واجهت الاتفاقية ردود فعل مختلفة، بعض الخبراء عدها انتصارًا اخلاقيًا ومنهم من عدّها أقل من الواجب لغياب لغة قوية وواضحة وغياب وسائل تنفيذية. وبالإضافة لضعفها الموضوعي، فإن دولًا كبرى في سوق الأسلحة مثل روسيا والصين امتنعت عن التوقيع، وتراجعت الولايات المتحدة عن الاتفاقية في عهد ترامب. وتشير بعض التقارير إلى دورٍ مهم لعبته الشركات وحكومات الڤيتو في إضعاف الاتفاقية وإخراجها بشكلها الضعيف الحالي. بالتالي، وفي ظل غياب تشريع دولي يحكم تجارة الأسلحة، غالبًا ما يعتمد تنظيم السوق على التراخيص المحلية في الدول الأم.

محاولات لكسر أساطير سوق الدفاع العالمي؟

يُرغم تفشي أسطورة سوق «الدفاع» العالمي الناشطين والمحامين للجوء إلى ما يسمى بالتقاضي الاستراتيجي، الذي غالباً ما يعني بناء الجدل القانوني على مساحات غامضة أو ضيقة من القانون لتحدي المنظومة العامة، فمثلاً قامت «الحملة ضد تجارة الأسلحة»، وهي منظمة حقوقية بريطانية، برفع دعوى ضد الحكومة البريطانية حول سياسة ترخيص بيع الأسلحة للسعودية. جادلت المنظمة أن الأدلة المتوافرة تؤكد أن الأسلحة المصدّرة ستستخدم لخرق مبادئ قوانين الحروب، وحكمت محكمة الاستئناف لصالح المنظمة بإدانة قرار بريطانيا بترخيص بيع الأسلحة للدول المشاركة في التحالف ضد اليمن في سابقة قضائية تاريخية، لكن مازال القرار موقوفاً إلى أن تؤكده المحكمة العليا.

في قضية مشابهة في بلجيكا، قدمت مجموعة من منظمات المجتمع المدني شكوى إدارية للتصدي لسياسات بيع الأسلحة للسعودية نتج عنها إيقاف ستة تراخيص وإلغاء اثنين بعد أن وجدت المحكمة أن الحكومة لم تراع المعايير الأوروبية  لترخيص بيع الأسلحة،[2] في حين فشلت المحاولات لرفع قضايا مشابهة في هولندا وإسبانيا حيث رفضت المحكمتان طلب الحصول على المعلومات المرتبطة بسياسات ترخيص الأسلحة في الحالتين باعتباره «أسرار دولة»،[3] وبسبب غياب أي مصلحة لإقامة الدعوى من قبل هذه المنظمات برأي المحاكم.

في حين قدمت المنظمة الفرنسية «أسر» شكوى قضائية لمنع نقل شحنة أسلحة للسعودية بناءً على أرجحية استخدام هذه الأسلحة لارتكاب خروقات ضد القانون الدولي الإنساني، ردت الحكومة قائلة أنه لا توجد أي أدلة تثبت استخدام الأسلحة الفرنسية بالذات لارتكاب هذه الخروقات. قدمت المنظمة شكوى أخرى ضد سياسات ترخيص الأسلحة الفرنسية للسعودية بشكل عام، ردت الحكومة بالدفاع عن موقفها قائلةً إن قرار ترخيص الأسلحة يندرج تحت الشؤون الخارجية للدولة وخارج سلطة القضاء، ومازالت المحكمة في طور تقييم القضية.[4]

أما في قضية فيصل بن علي الجابر، وهو مهندس يمني وأخيه تم استهدافه وشقيقه عام 2012 من قبل مسيّرة أمريكية تم التحكم بها من قاعدة أمريكية في ألمانيا. فتوجهت عائلته بمساعدة منظمات المجتمع المدني لكل من المحاكم الأمريكية والألمانية، رُفِضت القضية في المحاكم الأمريكية كونها، برأي المحكمة، متعلقة بسؤال سياسي خارجٍ عن اختصاص المحكمة. أمّا في المحاكم الألمانية، فأكدت المحكمة مخاوفها من التراخي الأمريكي في التمييز بين المدنيين والعسكريين عند الاستهداف، لكن مازالت المحاكمة في مرحلة الاستئناف ومن المتوقع أن ينتج عن القضية رفع مستويات الرقابة على نشاطات القواعد الأمريكية المتواجدة في أوروبا  بشكل عام.

كالعادة تقف الإجراءات البيروقراطية كغياب الشفافية، أو رفض القضية لأسباب إجرائية بسيطة، أو غياب الرقابة القضائية على القرارات السياسية أمام محاولات التصدي لتطبيع الأساطير التي تشرعن سوق الأسلحة العالمي. خاصة في ظل غياب أي تنظيم قانوني للمسؤولية الجنائية للإداريين في شركات الأسلحة بالرغم من كونهم مستفيدين من الحروب، ومساندين لها (مع التأكيد أن هناك محاولات قضائية ومدنية جارية لإدانة الإداريين في شركات الأسلحة جزائيًا).

يرى بارت أن الأسطورة تحافظ على منصبها عن طريق «إكثار المعلومات»، فكلما عادت الفكرة ذاتها بأساليبٍ مختلفة عن طريق الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي أصبحت جزءاً أكبر من الواقع حتى لو رفضنا هذا التطبيع، وهكذا تفرض شركات الأسلحة حتميتها حتى على مستوى الوعي الفردي وذلك لإنه في ظل كمّ المعلومات التي نتعامل معها بشكل يومي، لا تتيح «الكثرة» مجالًا للتساؤل عن الأساطير المبطنة كأسطورة سوق «الدفاع».

  • الهوامش

    [1] ‘The increase in military spending budget in the USA from 2001-3 was more than the entire budget of most countries, as such 9/11 tipped the scale of the debates at the US Congress as the public were now demanding the increase and congress men who objected to excessive military spending were liable to losing future re-elections.’ Deborah Cowen, The Deadly Life of Logistics: Mapping Violence in Global Trade (U of Minnesota Press 2014). Also refer to: Mark Erbel and Christopher Kinsey, ‘Privatizing military logistics’ in Routledge Guide to Critical Security Studies (Routledge 2016).

    [2] See judgments Conseil D’État, Section Du Contentieux Administratif N° 242.029 of 29 June 2018, Conseil D’État, Section Du Contentieux Administratif, n° 242023 of 29 June 2018, Conseil D’État, Section Du Contentieux Administratif, n° 242025 of 29 June 2018, and Conseil D’État, Section Du Contentieux Administratif,  n°. 242.030 of 29 June 2018; Conseil d’État, Section du Contentieux Administrativ, XVe Chambre, n°. 244.804 of 14 June 2019.

    [3] Tribunal Superior de Justicia Madrid, 00369/2010 of 31 March 2010, Gerechtshof Amsterdam, 24 January 2017, ECLI:NL:GHAMS:2017:165, at. 5.1-5.4

    [4] Mémoire en Défense by the Secretary General of Defence and National Security, 23 November 2018