أوبر تبتلع كريم: كيف تؤثر الاندماجات والاستحواذات على شكل عالمنا اليوم؟

الثلاثاء 11 حزيران 2019

كان خبر استحواذ شركة أوبر على شركة كريم صادمًا لكثيرين، خصوصًا بسبب السرعة التي حصلت بها الصفقة، وعادت إلى الأذهان أخبار استحواذ أمازون في 2017 على موقع (سوق دوت كوم) الذي اختفى مؤخرًا، مع حلول أمازون باسمها الصريح بدلًا عنه، واستحواذ ياهو  (Yahoo)على موقع مكتوب في 2009. ومع كل صفقة من هذا النوع يزداد القلق عند المستخدمين النهائيين من ارتفاع الأسعار بعد تحوّل المتنافسين لفريق واحد، ضمن ظاهرة تبدو أكثر شدة وتسارعًا في السنوات الأخيرة، مهددة التنوع الاقتصادي وخيارات المستهلكين أكثر من أي وقتٍ مضى.

شركة خاسرة تستولي على منافس لدود

في 26 آذار\مارس من هذا العام أعلنت شركة أوبر أنها توصلت إلى اتفاقية تستحوذ بموجبها على شركة كريم، منافسها اللدود في الشرق الأوسط، مقابل 3.1 مليار دولار أمريكي، وتعتبر هذه الصفقة مثالًا على مئات صفقات الاستحواذ والاندماج والفوائد المتحققة منها للشركات، فبفضل هذا الاستحواذ ستدخل أوبر ثلاث أسواق جديدة دفعة واحدة هي الكويت والمغرب والعراق*، كما ستوسع حضورها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد أن كانت تعمل في تل أبيب فقط فيما تعمل كريم في مدن نابلس ورام الله وغزة.

بهذه الصفقة تخفف شركة أوبر من حدّة المنافسة التي تواجهها خارج الولايات المتحدة، والتي تشمل إضافة لكريم تطبيق «أولا كابس» (Ola Cabs) في الهند، وتطبيق «دي دي» (DiDi) الصيني الذي ينافسها في أمريكا اللاتينية بعد أن اشترى عملياتها في الصين عام 2016. ويضع هؤلاء مع المنافسين المحليين الأصغر حجمًا في كل بلد، ضغوطًا كبيرة على الشركة تضطرها لتخفيض أسعارها في مختلف دول العالم وزيادة عمولة السائقين، ما أدى إلى خسائر كبيرة بلغت على الأقل 2.8 مليار دولار في عام 2016، لتنخفض إلى 2.2 مليار دولار في عام 2017، و1.8 في عام 2018 بحسب التقارير المالية السنوية للشركة.

ويتزامن الاستحواذ مع طرح شركة أوبر أسهمها للاكتتاب العام للمرة الأولى في سوق نيويورك للأوراق المالية في 10 أيار\مايو الماضي، والذي جاء بنتائج مخيبة مع انخفاض سعر سهم الشركة دون 45 دولار، القيمة الإسمية التي طُرح بها، ليصل إلى 41.51 دولار مع نهاية جلسة يوم الجمعة.

في عام 2017، شهدت المنطقة العربية استحواذًا مشابهًا لشركة أمازون الأمريكية على موقع (سوق دوت كوم) للتسوق الإلكتروني، في صفقة قدّرت وسائل الإعلام قيمتها بين 650 و800 مليون، وفي شهر كانون الثاني المنصرم، أي بعد مرور أقل من سنتين على الاستحواذ، أعلنت أمازون أنها ستدخل الشرق الأوسط باسمها وليس عبر سوق دوت كوم، وبدأت طرود طلبيات المستخدمين من «سوق دوت كوم» مؤخرًا تصلهم وهي تحمل شعار أمازون فقط، كما أصبح موقع «سوق دوت كوم» في الإمارات، مثلًا، يحوّل المتصفح إلى موقع أمازون، بعد مشاهدة واجهة تشرح أن «سوق أصبح الآن (amazon.ae)»، ما يعني انتهاء وجود سوق دوت كوم، فهل تشهد شركة كريم مصيرًا مماثلًا في السنوات المقبلة وتتم التضحية بعلامتها التجارية لصالح أوبر؟

أسواق تنمو وأخرى تجني الأرباح

تلعب الاستحواذات والاندماجات أثرًا كبيرًا على التنافسية عالميًا، ووصلت ذروتها في عام 2018، حيث بلغت قيمة صفقات الاستحواذ والاندماج في هذا العام أربعة تريليونات دولار، مرتفعة بنسبة 19٪ عن 2017، وبلغت قيمة هذه الصفقات في منطقة الشرق الأوسط وحدها 44 مليار دولار، مرتفعة بنسبة 50٪ عن 2017، بحسب تقرير مؤسسة «بيكر ماكنزي» القانونية.

ولكن أثر التوسع المستمر للشركات الكبرى على حساب الشركات الناشئة يتجاوز النطاق الداخلي للشركات المستحوِذة أو المستحوَذ عليها، ويمتد إلى تغيير أشكال قطاعات اقتصادية كاملة، فاستحواذات فيسبوك مثلًا قضت على احتمالات ظهور لاعبين كبار جدد في قطاع التكنولوجيا، مثل إنستغرام الذي استحوذت عليه مقابل مليار دولار في عام 2012، وواتساب الذي استحوذت عليه في 2014 مقابل 19 مليار دولار. ومثلها شركة مايكروسوفت الشهيرة بهذه السياسة منذ نشوئها، ومن بين استحواذاتها البارزة التي جعلتها تسيطر على حصة أكبر من سوق التكنولوجيا شبكة (لينكد إن)، واستحواذها الأخير على منصة تطوير البرمجيات «غيت هاب» (GitHub) الذي أتمته في تشرين أول\أكتوبر الماضي.

فإذا أخذنا في الاعتبار الاستحواذات المماثلة أيضًا من قبل غوغل وآبل وأمازون وياهو، فإننا نجد أن اللاعبين الرئيسيين اليوم في عالم التكنولوجيا هم تقريبًا خمس شركات، بينها شركتان وصلتا إلى قيمة تريليون دولار، بدلًا من أن يكون عدد هذه الشركات المؤثرة عشرين أو ثلاثين شركة، في حال أتيح لشركات رائدة أخرى النمو بمعزلٍ عنها مثل سكايب ويوتيوب وإنستغرام وفليكر.

كما إن هذه الصفقات غالبًا ما تخنق أي محاولات لصعود شركات رائدة في الدول البعيدة عن الاقتصادات الكبرى، وبالتالي احتمالات النمو في الأسواق الناشئة بالاعتماد على القطاع الخاص والقطاعات الحديثة، فكان يمكن لسوق دوت كوم مثلًا الاستفادة من نمو سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي بلغ بين عامي 2014 و2017 حوالي 97.6%، بمعدل نمو سنوي يبلغ 25%، وذلك بحسب التقرير الذي أعدته شركة «بين أند كومباني» (Bain & Company) بالتعاون مع غوغل، والذي يتوقع نمو حجم هذه السوق إلى 28.5 مليار دولار بحلول عام 2022.

قدّر هذا التقرير أيضًا أن يصير موقع سوق دوت كوم، الذي لم يكن قد أزيل بعد عند صدور التقرير في فبراير الماضي، المنصة الأكبر للتجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتوفيره ما يصل إلى 8.4 مليون منتج، بالتالي فإن هذا النمو الكبير مقارنة بأسواق أخرى، مثل الولايات المتحدة التي تبلغ نسبة هذا النمو فيها 53.23% تقريبًا في نفس الفترة (2014-2017)، بمعدل نمو سنوي يبلغ حوالي 15.3% حسب أرقام «إي ماركتر» (eMarketer)، وهذا سيصب في مصلحة أمازون خصوصًا، والاقتصاد الأمريكي عمومًا.

سلة غذائية واحدة للعالم

عند التعامل مع العلامات التجارية العالمية، غالبًا ما تعود الخيارات المتاحة بشكل أو بآخر لشركات قليلة في كل مجال، في شباط 2013 أصدرت مؤسسة أوكسفام تقريرًا بعنوان «خلف العلامات التجارية: العدالة الغذائية وشركات المأكولات والمشروبات «العشر الكبرى»»، والذي أنتجت فيه الرسم البياني الشهير الذي يوضح ملكية عشر شركات كبرى لمعظم العلامات التجارية المعروفة في مجال الأطعمة والمشروبات وبعض المنتجات الأخرى، وتقول أوكسفام في هذا التقرير أنه «في عالم يحتوي 7 مليارات مستهلك للغذاء و1.5 مليار منتج له، أقل من 500 شركة تتحكم بـ(70)٪ من خيارات الغذاء»، وتوضح كيف تؤدي هذه الاحتكارات الكبرى مثلًا إلى حصول الشركات بسهولة على الأراضي الرخيصة لتحصل منها على المحاصيل التي تحتاجها، ومن خلال الضغط على المزارعين الصغار، تصبح قادرة على الحصول على العمالة الرخيصة أيضًا، خصوصًا في دول العالم الفقيرة.

وتمتد هذه الاحتكارات لقطاعات أكثر حيوية وتأثيرًا على حياة البشر، مثل قطاع الزراعة الذي تسيطر فيه ثلاث شركات على 70٪ من قطاع الكيماويات الزراعية، وتسيطر أربع شركات متعددة الجنسيات على 90٪ من تجارة المحاصيل العالمية، وفي الوقت نفسه ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي على المزارعين بنسبة 40٪ بين عامي 2000 و2010، حسب التقرير الصادر عن «لجنة خبراء الأنظمة الغذائية المستدامة الدولية» (IPES-Food) في شهر شباط الماضي. ويقول تقرير آخر صادر عن نفس الجهة في عام 2017 أن «المؤسسات المهيمنة أصبحت أكبر من أن تطعم البشرية بشكل مستدام، وأكبر من أن تعمل وفق شروط منصفة للأطراف الأخرى في النظام الغذائي، وأكبر من أن تقدم أنواع الابتكار التي نحتاجها»، مشبهًا هذه المؤسسات بالبنوك «التي أصبحت بحلول عام 2007 أكبر من أن تفشل».

وهنا تُطرح مشكلة أخرى في هذه التكتلات، تتمثل في الآثار الكبيرة التي لها على اقتصادات الدول وأسواق العمل فيها، ما يجعل الحكومات عاجزة عن الضغط عليها ومكرهة على مواءمة القوانين والسياسات مع مصالحها، فالحكومة الأمريكية مثلًا عاجزة عن الضغط من الناحية الضريبية على شركتين مثل أمازون وولمارت، إذ أن أمازون توظّف 563 ألفًا فيما توظّف وولمارت 1.4 مليونًا في الولايات المتحدة، وكنتيجة لذلك وما يتبعه من تسهيلات ضريبية للشركات الكبرى في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، لم تدفع أمازون ضريبة دخل فيدرالية عن عام 2018، بل وتمكنت من استرجاع 129 مليون دولار من ضرائبها، في حين تبلغ أقل ضريبة دخل فردية 10%.

قد تكون صفقات الاندماج والاستحواذ خيارًا مربحًا أو حتى اضطراريًا للعديد من الشركات مقابل التنازلات التي قد تضطر لتقديمها على حساب أرباحها أو حتى وجودها، ولكن هذه الصفقات، في الوقت نفسه، تزيد من تمركز رأس المال العالمي والموارد الضرورية لحياة البشر في يد أطرافٍ تصبح أقل وأكبر كل عام.


*تنويه، ذكرت نسخة سابقة من المقال أن أوبر ستدخل السودان بفعل استحواذها على كريم، لنكتشف لاحقًا، بعد تنبيه أحد القرّاء، أن كريم ستخرج من السودان نهاية شهر حزيران 2019.