مساكن العاملين في مصانع النسيج

أردنيّون ومهاجرون: أوضاع عمّال مصانع الألبسة تزداد سوءًا

مدخل أحد مساكن عمّال الألبسة المحيطة بمدينة الحسن الصناعية. تصوير مؤمن ملكاوي.

أردنيّون ومهاجرون: أوضاع عمّال مصانع الألبسة تزداد سوءًا

الإثنين 27 تموز 2020

في السابع والعشرين من أيّار الماضي، نشرت وسائل إعلام محلية خبر إنهاء مصنع «ريتش باين» للألبسة خدمات أكثر من 200 عامل، بحجّة الأوضاع الاقتصادية التي خلفتها أزمة جائحة كورونا.

في اليوم التالي، قالت وزارة العمل إن فرق التفتيش لديها قد زارت المصنع، وسيعيد المصنع على ضوء هذه الزيارة النظر في إمكانية تجديد عقود العمّال. 

نهاية أيّار، جاء البلاغ رقم 7، والمعدّل لأمر الدفاع رقم 6، لينص على تجديد العقود التي تنتهي خلال الفترة بين 30 نيسان 2020، وحتى نهاية العمل بقانون الدفاع، شريطة أن يكون قد سبق تجديد العقد ثلاث مرات فأكثر قبل التاريخ المشار إليه وأن يكون العامل أردنيًا.

يعمل سند في المصنع ذاته منذ عام 2013، ومنذ ذلك الوقت وإدارة المصنع تجدّد عقود العاملين كل ثلاثة أشهر. «دخلت براتب 170 سنة 2013، وارتفع مع الحد الأدنى لـ190 وبعدين 220 ومع الزيادة السنوية خمس دنانير وصل 245، بس كان يوصل 300 وشوي مع الشغل الإضافي»، يقول سند.

في البداية تم إنهاء عقود سند وزملائه، لكن بعد البلاغ رقم 7، فقد جدّد عقده تلقائيًا، لكن هذا لم يعنِ عودة سند للعمل، إذ بقي في البيت ليحصل على نصف راتب، «أنا قاعد بالبيت وبوخذ نص راتب، ما بكفيني»، يقول سند الذي يعيل عائلته بعد أن تركت زوجته العمل في المصنع ذاته قبل سنوات لرعاية مولودهما.

يقول أحمد عوض، مدير المرصد العمّالي، إن واحدة من المشاكل الرئيسة في قطاع الغزل والنسيج تتمثّل في أنّ بعض العمّال استمرت خدمتهم بالمصنع ذاته لسنوات، ومع ذلك فإنهم ما زالوا يوقعون عقود «إذعان»[1] للمتدربين كل ثلاثة أشهر، ما يحرمهم من العلاوة السنوية والإجازات المستحقة للعامل الثابت.

ويؤكد عوض أنّ من بين الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون تأخر العديد من المصانع عن دفع الأجور والامتناع عن ذلك بحجة أزمة كورونا، فضلًا عن مشكلات تتعلق بالنظافة والطعام في مساكن العمال المهاجرين التي لا ترتقي لإجراءات التعامل مع الجائحة ومنع انتشار الفيروس.

تأثير البلاغ رقم 7 على عمّال الغزل والنسيج

يعمل عمر أبو هويدي، وهو أردني يبلغ من العمر 26 عامًا، في مصنع للألبسة منذ شهر تموز من العام الفائت، بعقد تجربة لثلاثة أشهر. وقد سبق أن تم تجديد عقده ثلاث مرّات من قبل، كان آخرها في شباط الفائت. وقبل أن ينتهي عقده، أُبلغ برفقة 90 عاملًا أردنيًا في أواخر نيسان بإنهاء خدماتهم من أحد مصانع مدينة الضليل. أمّا كيف أبلغوا بهذا، فكان عن طريق إنشاء مدير العلاقات العامة مجموعة عبر تطبيق واتساب، شملت كلّ العاملين، أرسل عليها جدولًا فيه أسماء المفصولين.

ولدى مطالبة العمّال بنسخ من عقودهم، والتي جُدّدت قبل بدء الأزمة بأيام، منحتهم الإدارة، بعد وساطة من مندوب مكتب العمل التابع للوزارة في الضليل، عقودًا كانوا قد وقعوها في شهر تشرين الأول الماضي، علمًا أنّ آخر تجديد لعقده كان في نهاية شباط، بحسب أبو هويدي.

فصْلُ أبو هويدي من العمل، حرمه من دخل قدره 220 دينار، كان يعيل من خلاله والدته وشقيقته وشقيقه المقعد، ليبدأ رحلة بحثه عن عمل آخر. «بنطلع الصبح تحت الشمس بنلفّ على رجلينا ندوّر ع شغل وما لقينا، والله حق باكيت دخان ما معنا».

وفي أحد مصانع مدينة الحسن الصناعية في إربد نهاية نيسان أُنهي عقد مالك، وهو أردني يبلغ من العمر 25 عامًا، تم الاستغناء عنه وعن زملائه، رغم توقيعهم في منتصف شهر آذار على عقود جديدة لمدة ستة أشهر تنتهي في 15 آب. ودفع له وزملاءه راتب نيسان ونصف راتب أيار.

مع الأوّل من تموز، عاد مالك إلى عمله في المصنع ذاته، بعد إبلاغه من قبل الإدارة أنّ المصنع بدأ مرحلة التعافي ويحتاج للعاملين. بالنسبة لبقية العاملين يقول «بخبروهم شوي شوي، وغالبًا رح يرجع الكل».

تعمل ماجدة، وهي أردنية تبلغ من العمر 36 عامًا، في مصنع منذ ثلاث سنوات، وقد سبق تجديد عقدها، لمدد تتراوح بين ثلاثة وسبعة أشهر، وكان آخر تجديد لعقدها قد تم في شهر شباط الفائت، ولمدة ثلاثة أشهر. لكن إدارة المصنع أنهت هذا العقد في الثلاثين من نيسان.

لكن بموجب البلاغ رقم 7، فقد أعيدت ماجدة، وأربعة من زملائها إلى العمل، وبحكم هذا البلاغ باتت عقودهم مجددة تلقائيًا، بعد توقيعها عقدًا مدته شهران، وقد انتهى بالتالي نهاية حزيران الماضي.

مع نهاية شهر حزيران، جدّدت الإدارة عقود ماجدة وزملائها شهرًا واحدًا فقط، وبذا لا تعرف ما الذي قد يحصل لها بعد نهاية الشهر.

وبحسب أرقام مركز تمكين للدعم والمساندة، حُرم أكثر من 1300 عاملًا وعاملة بين أردنيين ومهاجرين من أجور شهر نيسان إمّا بحجة توقف العمل أو لعدم قبولهم التوقيع على استقالات عرضتها عليهم إدارات المصانع.

أسرّة العمال التي تحتوي كل غرفة على ثمانية منها (يمين/أسفل). والمواد التموينية التي يشتريها العمّال لعدم توفير طعام كافٍ من الإدارة (يسار/أعلى).

يقول فرحان أفرام، رئيس الجمعية الأردنية لمصدّري الملابس، إنّ القطاع قرر إعادة كافة العمال الأردنيين إلى عملهم بمختلف المصانع ومجالاتها، وإن كانت إمكانية بعضها لا تسمح، فيصار إلى توزيعهم على المصانع الكبرى للحفاظ على مستوى العمالة وإبقاء العامل المحلي موجودًا.

يشير أفرام في حديثه لـ«حبر» إلى أنّ الجائحة ستدفع المصانع إلى رفع العمالة الأردنية التي لا تتعدى 30% بالقطاع من خلال الإبقاء عليهم وإنهاء خدمات آلاف العمال المهاجرين من مختلف الجنسيات، وذلك لأولوية العمال المحليين وعدم قدرة كافة المصانع على دفع التزامات الرواتب والأجور لكل العاملين، بحسبه.

ويقول أفرام إن على العامل مراجعة مكتب العمل في منطقته ليستطيع العودة إلى العمل أو توزيعه على المصانع الأخرى في حال تعرّض مصنعه السابق للإفلاس أو الإغلاق.

وبحسبه، فقد أنهيت عقود ما يقارب 10 آلاف عامل مهاجر من مختلف الجنسيات الوافدة منذ بداية الجائحة، إلّا أنّ عودة عمل القطاع وبقاء العمال في الأردن بسبب إغلاق المطار، فضلًا عن أمر الدفاع رقم 6 حصر الأعداد المتوقع عودتها بين 3000 و5000 عامل.

يقول محمد الزيود، الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل، إن عدد العمّال الذين فقدوا وظائفهم بالقطاع خلال الأزمة بلغ 849 عاملًا، منهم 510 خلال فترة التجربة و339 بعقود محددة المدّة، أعادت الوزارة من خلال بلاغ الدفاع رقم 7 نحو 555 منهم إلى عملهم.

المهاجرون من العاملين في مصانع الألبسة بلا عمل ودخل

بعد مرور شهرين على بدء أزمة كورونا، أضرب عشرات العمال المهاجرين من الجنسيتين الهندية والبنغالية أمام المصنع الذي يعملون فيه في مدينة الحسن الصناعية، احتجاجًا على عدم دفع أجورهم منذ شهر آذار.

تقول ليندا كلش، مديرة مركز تمكين، إنّ العمّال وثّقوا لحظة طردهم والاعتداء عليهم بالضرب من خلال التصوير وتقدموا بشكوى رسمية لدى المركز الأمني بمدينة الرمثا، قابلها صاحب المصنع وابنه بشكوى إيذاء ضد 15 عاملًا، بتهمة الاعتداء وإتلاف أموال المصنع، كما تم تهديدهم باستخدام العاملات لتقديم شكاوى كيدية بالتحرش.

المكان المخصص لتجفيف ملابس العمّال بعد غسيلها والذي يشيرون أنه يفيض بمياه الصرف الصحي شتاءً (يمين/أسفل). مغاسل تنظيف الصحون والأواني (يسار/أعلى).

وبحسب شكاوى وصلت مركز تمكين، فإنّ بعض المصانع اتخذت إجراءات بالفصل التعسفي، من بينها مصنع في منطقة الضليل، حيث فصل حوالي 120 عاملًا سيرلانكي الجنسية بعد توقيعهم على استقالات وصفت بالجبرية، لدفع نصف أجر شهر نيسان. ومصنع آخر عرض على 13 عاملًا هنديًا التوقيع على استقالات مقابل دفع نصف أجر نيسان وتذكرة الطيران للعودة إلى بلادهم، إلّا أن شيئًا لم يحصل حتى بداية حزيران.

محمد، عامل هندي يبلغ من العمر 24 عامًا جاء من بلاده للعمل في مصنع للألبسة منذ أكثر من سنة، براتب 110 دنانير إضافة إلى الأجر العينيّ المتمثل بالطعام والمسكن والعمل الإضافي الذي يمتد أحيانًا حتى التاسعة ليلًا، إلّا أنّ المصنع لا يلتزم عادة بدفع الأجور الأساسية والإضافية.

تتفاوت قيمة الحوالة التي يرسلها محمد إلى أهله في الهند بين 100 و200 دينار، ويعود هذا التفاوت إلى اختلاف مواعيد دفع المصنع لأجره، وقد توقف ذلك منذ نيسان بسبب فصله من العمل وإنهاء خدماته رفقة زملائه من الهند أيضًا.

يشتكي محمد من سوء المعاملة التي قابلتهم بها إدارة المصنع، وعدم التماسها حاجتهم للمال في ظل عدم استطاعتهم الحصول عليه خلال جائحة كورونا لشراء مستلزماتهم، من أدوات تعقيم ومنظفات تقيهم من الفيروس داخل غرفهم السكنية.

يقول أفرام إنه قد تم تسيير خمس رحلات لعودة عمّال بالقطاع إلى بلدانهم، واحدة إلى الهند، وثلاثة إلى بنغلادش، وواحدة إلى سريلانكا. وكان عدد العمّال المغادرين في كل رحلة حوالي 300 عامل.

أوضاع سكن لا تراعي الجائحة

بحسب ما أطلعنا عليه عدد من العمال، تعاني بعض مساكن العاملين في مدينة الحسن الصناعية في إربد، من أوضاع لا تتناسب مع التعامل الواجب مع جائحة كورونا، إذ يعيش في بعض الغرف ثمانية أشخاص، ينامون على أسرّة طابقية. كما تفتقد الغرف إلى المعقمات وأدوات الوقاية.  

كما قال عدد من العمّال الهنود إن مياه الصرف الصحي تحيط بالغرف، لدرجة أن الكلاب الضالة تحوم حولها. يقول محمد إنّ السكن لم يشهد أي زيارة من قبل إدارة المصنع أو الصحة منذ بدء الجائحة وحتى بداية بداية حزيران، فضلًا عن عدم تقديم أي نوع من المعقمات أو تنظيف الحمامات والمغاسل من قبل عامل خاص بها، ما يهدد العمّال بتفشي الفيروس بينهم بحالة إصابة أي عامل فيهم.

وفق أرقام مركز تمكين، فقد تم تقديم شكاوى ضد ثلاثة مصانع في مدينة الحسن، تتعلّق بسوء أحوال مساكن العمال المهاجرين وعدم توفير أي نوع من المعقمات والمنظفات للحماية من الجائحة، فضلًا عن فيضان مياه الصرف الصحي في بعض الغرف التي لا نوافذ تهوية فيها.

رفوف الأحذية في مدخل سكن العمّال (يمين/أسفل). أحد العمّال يعلّق ملابسه على سريره لعدم توافر الخزائن (يسار/أعلى). 

وبحسب عمر بشابشة، مدير التفتيش بمديرية صحة الرمثا، فقد نفذت المديرية 28 جولة تفتيشية منذ 15 آذار، فضلًا عن 17 زيارة لمساكن العاملين في المصانع داخل مدينة الحسن وحولها. مبينًا أنّ الفترة ذاتها لم تشهد سلبيات تستحق الإنذار للمصانع أو مخالفتها  لتكتفي بالتنبيه والإرشاد.

أمّا بعد 23 حزيران وحتى الأول من تموز فقد نفذت المديرية سبع زيارات لسكنات وخمس زيارات لمصانع داخل حدود مدينة الحسن، إلى جانب زيارتين خارجها، نتج عنها ستّ متابعات لإنذارات سابقة أظهرت استمرار مخالفة واحدة تتعلق بعدم التقيد بالتدابير الصحية، بحسب قول البشابشة.

منصة شكاوى العمل

بحسب عمال مهاجرين قابلناهم، فإنهم لم يستطيعوا تقديم شكاوى، عبر منصة حماية التي توفرها وزارة العمل، وذلك لأن المنصة مقتصرة على اللغة العربية التي لا يجيدها معظم العمال المهاجرين.

وتذكر إدارة مركز تمكين أنّ الوزارة رفضت استقبال أي شكاوى في مقرها، مطالبة كافة الراغبين بالتقدم بتلك الشكاوى عبر الدخول إلى منصة «حماية» الخاصة بوزارة العمل، حتى وإن كانوا أجانب لا يفهمون لغة المنصة.

يقول الزيود إنّ وزارة العمل، ومن خلال المنصة استقبلت 7473 شكوى ضد منشآت بكل عام، معترفًا بوجود بعض المشكلات التي تواجه العمّال خلال هذه العملية، مشيرًا إلى أنّ العمل جارٍ على تحديث الخدمة باستمرار.

  • الهوامش

    [1] عقود الإذعان هي، بحسب حمادة أبو نجمة مدير بيت العمال، العقود التي لا يملك أحد طرفيها إلا أن يوافق على صيغتها كما هي، وليس بإمكانه التدخل في صياغتها وتعديلها، وذلك بسبب طبيعة العلاقة بين طرفي العقد القائمة على أن الطرف الذي يعد العقد له من السلطة والنفوذ ما يمكنه من فرض شروطه، ومن ذلك عقود التأمين وعقود الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء والاتصالات. ولكنه رغم ذلك يعتبر عقدًا مشروعًا وملزمًا لأطرافه.