هل تنجح محاولات إحلال العمالة المحلية مكان المهاجرة في القطاع الزراعي؟

المزارع عطا بركة في مزرعته في بلدة الكريمة. تصوير عمّار الشقيري

هل تنجح محاولات إحلال العمالة المحلية مكان المهاجرة في القطاع الزراعي؟

الأربعاء 23 أيلول 2020

في آذار الماضي، أعلنت الحكومة الأردنية وقف إجازات العمال المهاجرين؛ أي وقف تمكينهم من السفر إلى بلدناهم والعودة مرّةً أخرى إلى الأردنّ.[1] ثمَّ أعلنت عن منصّة إلكترونيّة نهاية نيسان، تُتيح عبرها للعمّال المهاجرين التسجيل لغايات السفر إلى بلدانهم بشكلٍ نهائيّ، نظرًا لـ«محدوديّة فرص العمل» داخل الأردنّ في ظل أزمة كورونا، بحسب وزير العمل نضال البطاينة، الذي توقّع في مقابلة تلفزيونية، ارتفاعًا ملحوظًا لنسب البطالة في الأردنّ بسبب آثار جائحة كورونا، مؤكّدًا أنَّ من بين الخطط لمواجهة هذا الارتفاع أن يتم «تنظيم أكثر لسوق العمل، لإحلال [العمالة المحليّة] أكثر، مكان العمالة الوافدة».

من خلال النظر إلى التصريحات الحكومية، والتقارير السنوية الصادرة عن وزارة العمل، يمكن القول إن الحكومة ترى إمكانيةً لحلَّ مشكلة البطالة في صفوف جزء كبيرٍ من الشباب الأردنّيين باستبدالهم بالعمالة المهاجرة. وفي التقارير الصادرة عن جهات رسمية، توصف البطالةُ في الأردنّ بأنَّها سلوكيّة «ناجمة عن عزوف الأردنيين عن بعض المهن المعروضة»،[2] وبأن القطاعات التي تشغّل العمالة المهاجرة «لا يرغب الأردنيون بالعمل بها». وبأنَّ العمالة المهاجرة عمالةٌ تكميليّةٌ، وليست إحلاليّة لسدّ النقص في سوق العمل.[3]

يتناول هذا التقرير سير عمليّة إحلال العمالة المحلية محل العمالة المهاجرة في القطاع الزراعي[4] كنموذج لقطاعات أخرى تعتمد على العمالة المهاجرة أكثر من المحليّة. فكيف بدأت الحكومة بتطبيق سياسة إحلال العمالة المحلية مكان المهاجرة في هذا القطاع؟ وما أثر عملية الإحلال هذه على كل من المُشغّلين والمشتغلين في القطاع الزراعي؟ وهل صحيح أنَّ عملية الإحلال ستقلص أعداد العاطلين عن العمل الذين وصلت نسبتهم إلى 23%؟ ولماذا يفضل أصحاب العمل العمالة المهاجرة على المحليّة في هذا القطاع؟

رغم أن جهتين رسميتين تقومان على حصر أعداد العمال المهاجرين في الأردن، وهما دائرة الإحصاءات العامة ووزارة العمل، إلّا أنه لا وجود لأرقام دقيقة حول أعدادهم، حيث لا تشمل  مسوح الأسر التي تجريها دائرة الإحصاءات العامّة «العمّال الذين يعيشون في مساكن خاصّة بالعمّال، أو الذي يعملون في البيوت [أو العاملين] في القطاع غير الرسميّ»، بينما لا تشمل أرقام وزارة العمل العمالة المخالفة.[5] لكنَّ مصادر حكومية، قدّرت وجود أكثر من 900 ألف عامل مهاجرٍ من مختلف الجنسيّات، فيما يبلغ عدد العمالة المهاجرة الحاصلة على تصريح عملٍ ساري المفعول نحو 225 ألف عامل، يشكّل العمّال من الجنسيّة المصريّة 47% منهم.

إجراءات جديدة

منذ أكثر من 40 سنةً، يُدير عطا بركة مزرعته في بلدة الكريمة في الأغوار الشماليّة مع شقيقه، ومنذ ذلك الوقت، كان العمّال المصريون يقومون على مهام تهيئة الأرض، وزراعتها، ورشها بالعلاجات والمبيدات، وقطاف وتصنيف وتحميل المحاصيل في مركبات تنقلها إلى الأسواق المركزيّة.

في السنوات العشرين الأخيرة، تراوحت نسبة العمالة المهاجرة من مجموع العمالة في القطاع الزراعي بين 69% كحد أدنى، و93% كحد أعلى

وصل عدد العمّال المصريين في مزرعة عطا في السنوات الأخيرة 12 عاملًا يتقاضون مرتبات شهريّة تتراوح بين 250- 325 دينارًا، يعملون دون ضمان اجتماعيّ أو ساعات عمل محدّدة، ويسكنون ضمن مجموعات عمّال من نفس الجنسيّة في غرف ملحقة بالمزرعة.

تمتد مهام هؤلاء العمّال بين شهر أيلول وشهر حزيران، وهو موعد انتهاء موسم الزراعة بعد جني المحاصيل في وادي الأردنّ. «بشهر 6 بوخذ [العامل المصري] إجازة وبيروّح، بيقعد شهرين أو ثلاثة [بمصر]، وبيرجع تيبلش موسم جديد»، يقول بركة.

من حزيران وحتى أيلول، يتوقف إنتاج المزارع في منطقة وادي الأردن، ولا يستطيع أصحاب المزارع دفع رواتب العمّال، لذا يخيّرون العمّال بين السفر في إجازات إلى بلدانهم، أو العمل في مزارع أخرى في مناطق ما زال الإنتاج فيها متواصلًا مثل المناطق المرتفعة والصحراوية.

في هذا العام، بقي من وجدَ من العمّال عملًا في المناطق الصحراوية في الأردنّ، أمّا من لم يجد عملًا فقد سافر في إجازة إلى مصر، كما حدث لعمّال بركة، إذ لم يبق منهم غير العامل أشرف أبو طالب، بعد أن أوقفت الحكومة بداية شهر آذار الماضي إجازات العمالة المهاجرة؛ أيّ أوقفت خروج العمّال الأجانب من الأردنّ والعودة إليه مرّة أخرى؛ لأسباب تتعلّق بـ«مواجهة تفشي فيروس كورونا»، مبررة ذلك بأنَّ «الطاقة الاستيعابية للحجر عند العودة محدودة، وهي مخصصة بالدرجة الأولى لعودة الأردنيين». ثم عادت وزارة العمل وأعلنت السماح بعودة بعض هؤلاء العمّال.

خلال الحديث مع بركة كان العامل أبو طالب (40 سنة) يسقي الأشجار، أشار بركة إليه شارحًا السبب الذي يجعله يتمسّك به وبالعمّال المصريين بشكل عام دون لجوئه إلى استخدام عمّال أردنيين مكانهم، «أعطيني عامل بيطلع الساعة خمسة [الفجر]، والساعة وحدة الظهر في درجة الحرارة العالية، العامل المصري بيشتغل 12 ساعة عمل مزبوط».

العامل المصري أبو طالب في مزرعة بركة في بلدة الكريمة. تصوير عمّار الشقيري

تبلغ تكلفة استصدار التصريح الزراعي في السنة الأولى 400 دينار، وعند تجديده 320 دينارًا، يدفعها صاحب العمل أو العامل المصري بحسب الاتفاق بينهما.

يشكّل العمّال المصريون الأغلبية في هذا القطاع بالرغم من أنَّ الحكومة أوقفت تصاريح العمل بالقطاع الزراعي أكثر من مرة السنوات الماضية في محاولةٍ لتقليل أعداد العمّال المصريين وإحلال العمالة المحليّة مكان العمالة المهاجرة. 

في السنوات العشرين الأخيرة، تراوحت نسبة العمالة الأجنبية من مجموع العمالة في القطاع الزراعي بين 69% عام 2002 كحد أدنى، و93% عام 2013 كحد أعلى. فيما بلغت النسبة 74% عام 2017، وهي أحدث نسبة منشورة رسميًا.[6]

لماذا العامل المصري؟

يُقسّم العاملون في القطاع الزراعي إلى عدة أقسام؛ عمّال يعملون على نظام الراتب الشهريّ، ويطلق عليهم العمّال الدائمون، وأغلبهم من العمالة المهاجرة. يعمل هؤلاء العمّال بدون ساعات عمل محددة وبدون حمايات اجتماعيّة مثل الضمان الاجتماعي أو التأمين الصحيّ. وعمّال موسميون أو عرضيون، أردنيون وغير أردنيين؛ يعملون في جني المحاصيل أو الأعمال الزراعية المختلفة على نظام المياومة أو المقاولة أو الساعة، المهاجرون منهم، منهم من يحمل تصريحًا ساري المفعول وآخرون بتصاريح منتهية.

يفضل أصحاب المزارع العامل المصري الدائم الذي يتلّقى راتبًا شهريًا على العمالة الأردنية لعدة أسباب بينها؛ قبوله العمل في المزارع في ظروف عمل لا يقبلها في الغالب الأردنيّ، بينها العمل في درجات حرارة مرتفعة، وفي ساعات غير محددة قد تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، وبأجرٍ أقلّ من الذي يرضى به العامل الأردنيّ، بحسب مشغّلين.

كما يوفر سكن هؤلاء العمّال في غرف ملحقة بالمزارع إمكانيّة جعلهم متاحين في الأوقات الطارئة والاستثنائيّة مثلما حصل مثلًا في آثار عاصفة التنين التي ضربت الأردن آذار الماضي، بالإضافة إلى الاستفادة منهم في حراسة المزرعة التي تضمّ بعضها مخازن للمواد الزراعية والأسمدة، كما يفضل المزارعون العمالة الشهرية المهاجرة على العمالة الموسميّة أو العرضيّة المهاجرة لقلّة التكلفة.

يعاني القطاع الزراعي من تذبذب المردود المادي في كل موسم، ومن خسائر سنوية جرّاء بيع بعض المحاصيل بأقل من التكلفة، بسبب مشاكل في الحلقات التسويقيّة، بالإضافة إلى أن الطابع العام لمساحات الحيازات الزراعية صغير، وتتراوح أغلبها بين دونمين وخمسة دونمات للحيازة الواحدة.

محمد عطوة (40 سنة)، وهو عامل في منطقة الريّان في الأغوار الشماليّة، يقول: «أوقات تيجيك الميّة من المغرب للصبح وإنت لازم تكون واقف. أكثريّة المزارعين بتعتمد على العمالة المصريّة، بنتحمّل الشغل، ممكن أوقات نطبّق الليل مع النهار. الأردني بيكون متجوز وله بيت، بقدرش ييجي، اللي بييجوا زراعة [من مصر] هوه وأهله فلاحين، يكون عارف ومتحمّل الشغل، الشغل تقيل». 

«تظلّ تشتغل لمّا تفلّس [تتعب]»، يقول العامل الأردنيّ إياد شحرور (52 سنة) الذي ظلَّ يعمل في الزراعة كعاملٍ على نظام الساعة في منطقة أبو هابيل في الأغوار الشماليّة حتى شهر أكتوبر الماضي، بعدها قرّر ترك العمل لوجود فرصة عمل في إحدى الشركات بمحافظة إربد براتب 220 دينار تقريبًا مع اشتراكٍ في الضمان الاجتماعيّ.

درس شحرور حتّى الثانوية العامة، وعلى مدى سنوات كان يعيل أولاده الثلاثة من عمله في المزارع، كان عمله فيها يبدأ يوميًا في فترات الصباح، قبل أن تنزل ذروة الشمس كما يقول، وكان يعمل لمدة أربع ساعات فقط، بين الساعة 7-11 صباحًا أو بين 6-10 صباحًا لقاء دينار ونصف، أو دينارين للساعة 

يعلّق الأمين العام الأسبق لوزارة العمل حمادة أبو نجمة على كون العامل الأردني لا يقبل بظروف العمل المتاحة في القطاع الزراعيّ، فيما يقبلها العامل المهاجر مضطرًا للعمل في الظروف الصعبة والقاسية، وبساعات العمل الطويلة أحيانًا، وانخفاض الأجور، والاستخدام المتنوع للعمل. «الأردني بحاجة لفرصة عمل براتب على الأقلّ يفي بالغرض، (..) والعمل [في القطاع الزراعي] مش مستقرّ، مش دائم، وهذه مشكلة، الأردني لمّا يكون العمل مش مستقرّ، ومش دائم ما بتوفي معه، هو بده استقرار دخل لأسرته».

ترى الحكومة أنَّ عمليّة الإحلال هذه هي الحلّ لمشكلة البطالة بين فئة كبيرة من الأردنيين «فعدد العمّال الأجانب الموثقين الحاصلين على تعليم ثانوي أو أقلّ يقارب ثلاثة أضعاف[7] العاطلين عن العمل الأردنيين من نفس التحصيل العلمي».[8]

ارتفع عدد العاطلين عن العمل الأردنيين ممن تحصيلهم العلمي ثانوي أو أقل، وهم يشكلون 51% من المجموع الكليّ للعاطلين عن العمل في الأردن؛ إذ يصل عددهم إلى 166 ألف عاطل عن العمل وفقًا لأرقام 2019، فيما لا تتوفر أرقام عن عدد العمّال المهاجرين من نفس المستوى التعليمي لنفس السنة.

في المقابل، يرى مزارعون في سياسة الإحلال هذه ضررًا عليهم؛ إذ يقلّ العمال الشهريون بسبب وقف تصاريح العمل في هذا القطاع منذ سنوات، ولا يُقبِل العمّال الأردنيون مكانهم على هذا العمل بالمقابل؛ الأمر الذي يرفع رواتب العمالة المصرية الشهرية الدائمة المتبقيّة بسبب شحّ أعدادهم. أو يلجأ المزارعون إلى استخدام العمالة المصريّة والأردنيّة التي تعمل على نظام الساعة، الأمر الذي رفع الكُلف على المزارعين. إذ يتقاضى هؤلاء العمّال بين دينارين إلى دينارين ونصف في الساعة، وبعدد ساعات قد يمتد من 10 إلى 12 ساعة في اليوم، بالإضافة إلى تكفّل أصحاب العمل بأجرة جلبهم وإعادتهم إلى مساكنهم.

يقول المزارع ياسر أبو قران، إنَّ تكلفة بيت البلاستيك مثلًا للزراعة المحميّة تبلغ 1600 دينار، منها 600 دينار أجور عمالة، «وإذا روّح المصري، بيجوز تدفع الـ600 [للأردني] وتفشل بشغلك، العمالة الأردنية دخيلك منين أجيب؟».

مؤخرًا، أصدرت الحكومة نظام رسوم تصاريح العمل لغير الأردنيين في أيلول 2019 متيحةً المجال لما يسمّى التصريح الحرّ لأوّل مرة، وترى الحكومة أن هذا سيقضي على أعمال السمسرة وتجارة التصاريح، وسيوفّر عمالة، ما يؤدي إلى خفض تكاليف العمالة، بحسب تصريح سابق لوزير العمل.

لا يشترط التصريح الحرّ على العامل المهاجر العملَ عند صاحب عمل واحد، ويعمل من يملكه من العمالة المهاجرة على نظام الساعة بشكلٍ قانونيّ. وفي حين كانت رسوم تصريح العامل في قطاعات الزراعة والإنشاءات الدائم الشهري 400 دينار، فإنَّ تكلفة استصدار التصريح الحر، في القطاع الزراعي، كانت 1400 دينار، يدفعها العامل المهاجر، لكن عادت وزارة العمل وخفضت رسوم التصاريح الحرة في شباط 2020 في نظام جديد بعد خمسة أشهر على النظام الأول بسبب «قلة الإقبال على هذه التصاريح» لتصبح رسومه 600 دينار للقطاع الزراعي.

كورونا وإعادة النظر في الاستراتيجية

بعد مرور خمس سنوات على بدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية 2016- 2025، بدأت جائحة كورونا وفرضت على وزارة الزراعة أن تعيد النظر بالأولويات وتعلن عن استراتيجية جديدة آب الماضي، تحت رؤيا «قطاع زراعي منظم ومتطور» واستحداث 65 ألف فرصة عمل جديدة في القطاع الزراعي.

هذه الاستراتيجية الجديدة هي جزء من خطة حكوميّة لإحلال العمالة المحلية مكان المهاجرة، تشمل وقف تصاريح العمل الدائم في القطاع الزراعي، وعدم السماح للمخالفين منهم أو الذين انتهت تصاريح عملهم بالعودة، وفتح منصّة لمن يرغب منهم بالرحيل بشكل نهائيّ، وتنظيم القطاع الزراعي وتطويره، وتدريب العمالة الأردنية على العمل بالقطاع الزراعي، وإصدار نظام يحكم العمل في القطاع بحيث يضمن للعمالة المحلية حمايات اجتماعيّة لم تكن موجودة من قبل لتشجيعهم على الالتحاق بالعمل.

سجّل في منصة حماية المخصّصة لمغادرة العمالة الأجنبيّة بشكل نهائيّ إلى بلادها 12,569 عاملًا من الجنسيّة المصريّة، غادر منهم على دفعات 9668 عامل بالفعل، وذلك حتى نهاية آب 2020.

يقول عطوة إنه لم يزر مصر منذ عشرين شهرًا، أمّا زميله محمود الدكروري (30 سنة) فيقول إنه لم يحصل على إجازة منذ 22 شهرًا. للدكروري ابن في الصفّ الأوّل، وابنة تبلغ من العمر ثلاث سنوات، تركها حين كان عمرها سنة وبضعة أشهر.

العامل المصري محمد عطوة في مزرعة بمنطقة الريان. تصوير عمّار الشقيري

وقعت الحكومة في الخامس من حزيران مذكرات تفاهم واتفاقيات بين وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية وهيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية[9] لأجل «تأسيس مراكز تشغيل وتدريب للأردنيين في مجال الزراعة». فيما سيشمل برنامج خدمة العمل تدريبًا لبعض الشباب الملتحقين فيه على العمل بالقطاع الزراعي، وفقًا لمحمد الزيود، الناطق باسم وزارة العمل.

لسنوات سابقة، كان التدريب المهني للقطاع الزراعي الذي تقوم عليه مؤسسة التدريب المهني يواجه «إقبالًا ضعيفًا جدًا»، وفقًا للناطق الإعلامي باسم المؤسسة جميل القاضي، الذي يلخص معوقات التدريب في القطاع الزراعي بعدم وجود برامج توعوية من الجهات المعنية بأهمية العمل في قطاع الزراعة، وشعور الفئات المستهدفة بعدم جدوى العمل فيه لضعف المردود المادي، واتجاه معظم الشباب للعمل في القطاعات التي لا تتطلب مجهودًا عضليًا، واعتماد المزارعين على الأنماط الزراعية التقليدية القديمة، وعدم وجود برامج زراعية متطورة تحفز المزارعين على تغيير النمط الزراعي.[10]

يقول أبو نجمة إنَّ تدريب الشباب الأردنيين ليحلّوا مكان العمالة المهاجرة دون تحسين ظروف العمل ووضع حمايات لهؤلاء العمّال في هذا القطاع لن يكون فعّالًا لإحلال العمالة المحليّة مكان المهاجرة، «التدريب أوكيه شيء إيجابي لكن الأهم، القاعدة الأساسيّة، إنك إنت تحسّن ظروف العمل وتحطّ الحمايات اللازمة بعدين بتدرب الناس. حتى لو كان التدريب على مستوى عالي طيب مهو عارف [العامل الأردني] بالنتيجة بده يروح يشتغل بدون أي حمايات».

يقول أبو نجمة إنَّ تدريب الشباب الأردنيين ليحلّوا مكان العمالة المهاجرة دون تحسين ظروف العمل ووضع حمايات لهؤلاء العمّال في هذا القطاع لن يكون فعّالًا لإحلال العمالة المحليّة مكان المهاجرة.

لا حمايات اجتماعيّة أو أنظمة تحكم شروط العمل بالقطاع الزراعي. جرى شمول العمّال في القطاع الزراعي في قانون العمل منذ العام 2008، على أن يصدر نظام خاص بهم «يتضمن تنظيم عقود عملهم، وأوقات العمل والراحة والتفتيش». لكن قانون العمل بقي دون نظام يحكم عمل العمالة المهاجرة في القطاع الزراعي خلال هذه السنوات. يقول البطاينة في مقابلة تلفزيونية إن غياب نظام العمالة الزراعية هو أحد أسباب عزوف الأردنيين عن العمل بالقطاع الزراعي.

أعلنت وزارة العمل، مؤخرًا، عن مسودة نظام عمّال الزراعة، شملت المسودة تحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميًا على ألّا تزيد عن 48 ساعة أسبوعيًا. ويجوز لصاحب العمل تشغيل العامل لديه مقابل دفع أجر إضافي، وتوفير مكان سكن مناسب، وأن تضع كل منشأة زراعية تستخدم ما لا يقل عن 40 عاملًا نظامًا داخليًا خاصًا بها يتناول أوقات الدوام والراحة، ومخالفات العمل والعقوبات، وأن يلتزم صاحب العمل بإشراك عمّال الزراعة لديه بالتأمينات المشمولة بأحكام قانون الضمان الاجتماعي.

يغلب على طابع العمل في الزراعة العمل الموسمي والعرضي، وبدون ساعات محددة خاصة تلك التي تحتاج لتدخل العمّال في الأوقات الطارئة، الأمر الذي يجعل بنود هذه المسودة صعبة التطبيق وفقًا لمزارعين، فيما يعمل الكثير من أفراد عائلات أصحاب الحيازات بهذا القطاع، ويسمون عمالة من أسرة الحائز. وعددهم 119 ألف عامل، ولا يدخلون ضمن حسابات العمالة المحليّة كونهم لا يتلقون أجرًا على العمل.

بالإضافة إلى ذلك تغلب على شكل الحيازات الزراعيّة النباتيّة في الأردن الصغر، «وتفتت الملكيات وصغر وحدات الإنتاج»؛[11] الأمر الذي كان يحول دومًا دون تطوير عمل هذه الحيازات لتكون قويّة، إذ تبلغ نسبة الحيازات الزراعيّة في الأردنّ التي مساحتها بين أقل من دونمين إلى خمسة دونمات 65% من مجمل الحيازات الزراعية النباتية في المملكة، «المزارع ما معاه إمكانيّة يدفع [عن] 10 عمّال 500 ليرة بالشهر»، يقول بركة عن إشراك عمّاله بالضمان الاجتماعيّ،[12] فيما يقول عن تحديد ساعات معيّنة للعمّال الذي ورد في مسودة النظام المقترح، «العامل ما يتقيّد بوقت، عارف ليش؟ بجوز تكون في ريح بالليل، ريح بالنهار، بجوز يصير تحميل سيارة الصبح، بجوز السوق يطلب الخضرا المسا ما بتقيّد بوقت».

وضع تحالف مناهضة العنف والتحرّش في عالم العمل عدة ملاحظات على المسودة من خلال كتاب إلى وزير العمل، واصفًا إياها بأنها «قاصرة ولا تفي بالغرض ولا تغطي الغالبية العظمى من التفاصيل المطلوب تنظيمها»، إذ يقول التحالف إن للعاملين بالقطاع الزراعي خصوصيّةً، كون شكل العمل فيه موسمي أو مؤقت أو عرضي. بالإضافة إلى استثناء المسودة بعض الفئات العاملة مثل النساء العاملات في هذا القطاع. إلى جانب غياب بعض التفاصيل عن المسودة مثل التفتيش على هذا القطاع.

يعلق مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض «حيازات صغيرة أو مش صغيرة بالآخر هاي مؤسسات أعمال لازم تدفع مع تخفيض الاشتراكات [في الضمان الاجتماعي]» مضيفًا إن مسودة النظام الجديد تحرم العاملين من الضمان الاجتماعي إذ تلزم صاحب العمل بدفع اشتراكات العمّال إذا انطبقت عليه بنود نظام الشمول «بنطبقش عليهم هذول الناس، لإنه نظام الشمول بيقلك إنه العامل بيشتغل في المؤسسة الفلانية بشكل منظم [بينما] هذول بيشتغلوا يومية وموسمية».

يقترح عوض على الحكومة تطوير أدوات تتواءم مع طبيعة علاقات العمل كأن تدعم الدولة اشتراك العاملين إذا كان العامل يعمل لحسابه الخاص في هذا القطاع، أو يشغّل عمّالًا آخرين، «أنا صاحب عمل بدفع عنه حتى لو اشتغل عندي أسبوع وروّح».

في النهاية، يرى أبو نجمة أنه وفي الوقت الحالي لا يمكن إحلال العمالة المحلية مكان المهاجرة، وما لم يتم تغيير نهج العمل في القطاع الزراعي بحيث «يكون ملائم لمتطلبات وطموحات العامل الأردني، ستبقى المشكلة كما هي».

  • الهوامش

    [1] بعد ستة أشهر تقريبًا على قرار وقف الإجازات أعلنت وزارة العمل إمكانية عودة جزء من العمّال المغادرين.

    [2] تقرير وزارة العمل السنوي لعام 2018 ص 17.

    [3] تقرير وزارة العمل السنوي لعام 2018.ص21

    [4] يشمل القطاع الزراعي قطاع النباتي والحيواني، ركزنا في هذا التقرير على الجانب النباتي كونه الأكبر. إذ تبلغ الحيازات الزراعية النباتية 75 ألف حيازة مقابل 26 ألف حيازة حيوانية.وتبلغ مساحة الحيازات النباتية 2.2 مليون دونم مقابل 0.62 مليون دونم للحيواني.

    [5] الاستراتيجية الوطنيّة للتشغيل 2011 -2021 ص 34.

    [6] بحسب دائرة الإحصاءات العامّة.

    [7] هذه الأعداد تعود للعام 2011.

    [8] الاستراتيجية الوطنية للتشغيل 2011-2020 ص 35

    [9] تأسست هذه الهيئة في العام 2019، خلفًا لصندوق التدريب والتشغيل

    [10] بلغ عدد الملتحقين بمختلف برامج المؤسسة لغايات التدريب أكثر من 23 ألف متدرب# منهم 946 متدربًا في القطاع الزراعي خلال العام 2019-2020، تلقوا تدريبًا ضمن 21 تخصصًا، لكن كان بين هذه التخصصات عشرة تخصصات لا ترتبط بشكل مباشر بالزراعة إنما بصناعة الأغذية، وثلاثة تخصصات لها علاقة بصيانة آلات تستخدم في الزراعة، فيما توزعت التخصصات الأخرى على إنتاج النباتات العطرية والطبيّة والزينة والفطر، وثلاثة تخصصات ركّزت على زراعة النخيل.

    [11] وزارة الزراعة، الاستراتيجية الوطنية للتنمية الزراعية 2016-2025، ص 8

    [12] الإحصاءات العامّة أرقام 2017.