صروح هاوية: من هم أصحاب التماثيل التي أزيلت في أمريكا وبريطانيا؟

الإثنين 29 حزيران 2020
statue of Confederate general Albert Pike
تمثال الجنرال الكونفدرالي آلبرت بايك على الأرض في واشنطن، 19 حزيران 2020. إريك بارادات، أ ف ب.

يقوم المتظاهرون في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بتصحيح تاريخ مُحوَّر، جرى تمجيده ونصبه على المنصات في وضح النهار، في المساحات العامة في بلداتهم ومدنهم. على مدار الأسابيع الماضية، أطاح المتظاهرون وخرّبوا وأتلفوا، ودعوا إلى إزالة العشرات من المعالم الأثرية التي تكرّم شخصيات تاريخية، وتحجب التاريخ الدموي الذي تركته وراءها.

جاءت هذه الموجة الأخيرة من إزالة التماثيل، بعد مقتل جورج فلويد، الأمريكي من أصول أفريقية، على يد شرطة مينيابوليس في الخامس والعشرين من أيار، ما أثار انتفاضة من المحيط إلى المحيط، ضد العنصرية النظامية في إنفاذ القانون، التي تقتل الرجال السود بشكل غير متناسب، ودون أي مساءلة ذات مغزى.

تم القبض على فلويد، بزعم استخدامه فاتورة مزورة بقيمة 20 دولارًا. انتشرت على نطاق واسع صورة ديريك شوفين، ضابط شرطة أبيض من قسم شرطة مينيابوليس، وهو يضغط بركبته على عنق فلويد طوال تسع دقائق تقريبًا، حيث توسل الأخير بوالدته وصرخ مرارًا «لا أستطيع التنفس».

كانت كلمات فلويد الأخيرة هي نفسها الكلمات التي نطق بها الأمريكي من أصول أفريقية إيريك غارنر، الذي قتل خنقًا في عام 2014، على يد دانيال بانتيليو الضابط من قسم شرطة نيويورك، الذي لم توجه إليه تهمة القتل.

في المقابل، اتُّهم شوفين في البداية بالقتل من الدرجة الثالثة والقتل غير العمد من الدرجة الثانية. تم تحديث لائحة الاتهام الخاصة به لاحقًا إلى القتل من الدرجة الثانية، ووجهت اتهامات ضد الضباط الثلاثة الآخرين الذين تواجدوا في مكان الحادث، ومنهم من أمسك جسد فلويد.

كجزء من الاحتجاجات واسعة النطاق ضد القتل المروّع والعنصري لفلويد، بدأت الحشود في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وحتى بعض الدول الأوروبية، حملة لإزالة التماثيل والرموز العامة للشخصيات التاريخية الضالعة في امتلاك العبيد والاتجار بهم، [تكريس] سيادة العرق الأبيض والاستعمار.

في الواقع، يمكن فهم ركبة شوفين التي تضغط على رقبة فلويد وتؤدي في النهاية إلى وفاته، على أنها استعارة لكم من الشخصيات التاريخية الممجدة، بعضها خُلِّدَ بعشرات التماثيل في مدن مختلفة، قد «ضغطت ركبتها» تاريخيًا، على رقاب الأفارقة الأمريكيين، السكان الأصليين والأقليات الأخرى.

نصبت العديد من هذه التماثيل المزالة مطلع القرن العشرين. تمثّل التماثيل ما اعتبرته نخبة الطبقة السياسية إرثًا سيجرى الاحتفاء به وتاريخًا سيجري تحويره. إن وجود هذه التماثيل في المساحات العامة بدلًا من وضعها في المتاحف الوطنية هو ما يظهر الفارق بين التمجيد والتوثيق. خدم نصب هذه التماثيل في المساحات العامّة -لهذا السبب بالتحديد- إعادة تأكيد قوة وسلطة هذه الشخصيات خلال زمانها، بالإضافة إلى قوتهم وسلطتهم على التاريخ الذي صنعوه، حتى بعد وفاتهم. إن وجود تماثيلهم في الأماكن العامة هو مراجعة أبدية للتاريخ المشوه الذي تركوه وراءهم. كما أن ديمومة ومتانة التماثيل، من خلال المواد المستخدمة في بنائها، تخدم أيضًا عدم رؤيتها في الأماكن العامة. إذ يصبح تمجيدها طبيعة ثانية، ضمن الأشجار والمقاعد، حقيقة حياتية نادرًا ما يسائلها المارّة أو يشككون بها.

إلّا أن الموجة الأخيرة من إزالة التماثيل أجبرتها على الظهور من جديد في المقدمة غير الموضوعية للتاريخ، وطرحت السؤال: من هم الأشخاص وراء هذه التماثيل؟

كما كتب الأستاذ جوزيف مسعد مؤخرًا، فـ«إن إزالة وتدمير هذه التماثيل ليس أكثر من تصحيح جزئي للذاكرة التاريخية الزائفة والمُمأسسة التي تنشرها هذه الأصنام، وبمثابة خطوة صغيرة إلى الأمام نحو إعادة تعريف محتمل لما يجب أن تعنيه الهوية الأمريكية والفرنسية والبريطانية».

فيما يلي بعض الأمثلة على عشرات التماثيل التي تمت إزالتها خلال الشهر الماضي، في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة.

التماثيل المزالة في الولايات المتحدة الأمريكية:

تمثال كريستوفر كولومبوس

ريتشموند، فيرجينيا

نصب في عام 1927، وأسقط في 9 حزيران 2020

تمت إزالة حوالي 20 تمثالًا لكريستوفر كولومبوس من قبل المتظاهرين أو مسؤولي المدينة في ولايات مختلفة خلال شهر حزيران 2020. جرى إسقاط أول تمثال له من قبل المتظاهرين في الاحتجاجات الأخيرة في ريتشموند، فيرجينيا في 9 حزيران، عندما أطاح الآلاف من المحتجين المتضامنين مع السكان الأصليين بتمثال كولومبوس الذي يبلغ ارتفاعه 2.5 مترًا، وألقوا به في نافورة مجاورة. قال تشيلسي هيجز وايز، ناشط محلي كان حاضرًا أثناء المشهد: «يجب أن نبدأ من حيث بدأ كل شيء، يجب أن نبدأ مع الناس الذين وقفوا أولاً على هذه الأرض». مسؤولو المدينة في بوسطن، ماساتشوستس، هيوستن، تكساس، كولومبوس، أوهايو وسان فرانسيسكو، كاليفورنيا، وغيرها، أمروا بإزالة تماثيل كولومبوس وعملوا على إزالتها، بعد تخريبها أو توقع إزالتها من قبل المتظاهرين.

كان كريستوفر كولومبوس زعيمًا استعماريًا إيطاليًا مسؤولًا عن الإبادة الجماعية لمئات الآلاف من السكان الأصليين في الأمريكتين، وبالتحديد الأراواك. حتى يومنا هذا، لا يزال يوم كولومبوس عطلة وطنية تحتفل بها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية؛ احتفاءً بكولومبوس كواحد من أوائل قادة المستوطنين الذين وصلوا إلى جزيرة السلحفاة، في 12 تشرين الأول 1492. التركيز على «بطولة كولومبوس وخلفائه كملاحين ومستكشفين، وغضّ الطرف عن الإبادة الجماعية التي ارتكبوها، ليس ضرورة تقنية، بل خيارًا أيديولوجيًا، يصبّ -عن غير قصد- في تبرير ما تمّ القيام به». يقول المؤرخ الأمريكي هوارد زين في كتابه، «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية».

تمثال منزوع الرأس لكريستوفر كولومبوس في منتزه باسمه في بوسطن. 10 حزيران 2020. جوزف بريزيوسو، أ ف ب.

التماثيل الكونفدرالية المزالة في الولايات المتحدة الأمريكية:

تم إسقاط عشرات التماثيل التي تكرّم الكونفدرالية من قبل المتظاهرين، أو أُمِر بإزالتها من قبل مسؤولي المدينة، ضمن نفس موجة الاحتجاجات. تمجد هذه التماثيل قادة الكونفدرالية، وهي مجموعة من إحدى عشر ولاية جنوبية حاولت الانفصال حكوميًا عن الولايات الشمالية لأنها أرادت الحفاظ على نظام عبودية الأمريكيين من أصل أفريقي، ودافعت عن تفوق العرق الأبيض. هًزمت الكونفدرالية في نهاية المطاف من قبل جيش الاتحاد خلال الحرب الأهلية الأمريكية من 1861 إلى 1865.

تمثال ألبرت بايك

واشنطن، مقاطعة كولومبيا

نصب في عام 1901، وأسقط في 19 حزيران 2020

كان ألبرت بايك كاتبًا وضابطًا كبيرًا في الكونفدرالية، معروفًا بتاريخه العنصريّ ومشاركته في منظمات تفوق العرق الأبيض. يشتبه أن بايك كان متورط مع كو كلوكس كلان، وهي منظمة أخوية أمريكية تؤمن بتفوّق العرق الأبيض، تأسست أواخر القرن التاسع عشر ولا تزال نشطة حتى يومنا هذا. وتستهدف بشكل أساسي الأميركيين من أصل أفريقي، السكان الأصليين واليهود، ولكنها تستهدف أيضًا أقليات أخرى.

كان تمثاله النصب الكونفدرالي الوحيد المتبقي في عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي كان في انتظار إزالته من قبل السلطات منذ العام 2017، التي لم تستطع إزالته دون موافقة الكونغرس الأمريكي. أطاح المتظاهرون بتمثال بايك وأضرموا فيه النيران في 19 حزيران، والذي يصادف عطلة جونتينث الوطنية، احتفالًا بتحرير الأمريكيين من أصل أفريقي وغيرهم من المستعبدين في الولايات المتحدة.

تمثال آلبرت بايك أثناء الإطاحة به في واشنطن، 19 حزيران 2020. إريك بارادات، أ ف ب.

تمثال ويليامز كارتر ويكهام

ريتشموند، فيرجينيا

نصب في عام 1891، أسقط في 6 حزيران 2020

كان ويليامز كارتر ويكام جنرالًا عسكريًا كونفدراليًا، يمتلك مزرعة في ريتشموند. أسقط تمثال له بالقرب من جامعة فرجينيا كومنولث من قبل المتظاهرين، وتم تخريبه بالجرافيتي والطلاء الأحمر في 6 حزيران.

المنصة الذي كان تمثال ويليامز كارتر ويكام يقف عليها في ريتشموند في اليوم التالي لإزالته. لورا بِروت، abc 8 News.

تمثال روبرت إدوارد لي

مونتغمري، ألاباما

نصب في عام 1980، أسقط في 1 حزيران 2020

كان روبرت إدوارد لي قائدًا عسكريًا للقوات الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية، وامتلك عدة عبيد خلال حياته. أطاح المحتجون بتمثاله في حرم مدرسة ثانوية تحمل اسمه في مونتغمري في 1 حزيران. اتهم أربعة من المتورطين بارتكاب جنايات تتعلق بإسقاط التمثال، لكن القاضي أسقط قضيتهم مؤخرًا. كما أقدم متنزهان وطنيّان على إزالة اسم لي من مبانيهما، ويبحث مجلس إدارة المدرسة الثانوية تغيير اسمها.

مع ذلك، لا يزال هناك تمثال يبلغ ارتفاعه 18 مترًا لروبرت إدوارد لي، يقف في قلب ريتشموند، فيرجينيا. دعا آلاف المتظاهرين مرارًا وتكرارًا إلى إزالة التمثال بعد تخريبه.

ثمثال روبرت إي لي بعد إزالته أمام مدرسة تحمل اسمه أيضًا. جيك كراندل، مونتغمري آدفرتايزر.

تمثال فرانسيس سكوت كي

سان فرانسيسكو، كاليفورنيا

نصب في عام 1988، أسقط في 19 حزيران 2020

أزال المتظاهرون تمثال فرانسيس سكوت كي، مؤلف النشيد الوطني الأمريكي، الذي امتلك العديد من العبيد خلال حياته. عارض كي إلغاء الرق رغم تحريره العبيد الذين امتلكهم. تمت إزالة تمثاله من قبل المتظاهرين في حديقة جولدن جيت في 19 حزيران (جونتينث).

إزالة تمثال فرانسيس سكوت كي في سان فرانسيسكو. جونغهو كيم، سان فرانسيسكو كرونيكل.

تمثال يوليسيس جرانت

سان فرانسيسكو، كاليفورنيا

نصب في عام 1896، أسقط في 19 حزيران 2020

أطاح المتظاهرون بتمثال الرئيس الثامن عشر للولايات المتحدة الأمريكية، يوليسيس غرانت، في حديقة جولدن جيت في 18 حزيران 2020. كانت إزالة تمثال جرانت مثيرة للجدل بين اليساريين الأمريكيين لأنه قاد جيش الاتحاد إلى هزيمة الكونفدرالية. ومع ذلك، فقد امتلك جرانت عبدًا في مرحلة ما، وكانت لديه سلطة على عبيد أخرين.

عامل ينظف منصة تمثال يوليسيس غرانت بعد إزالته. يولاندا م. جيمس، سان فرانسيسكو كرونيكل.

تمثالي ستاند واتي

تاهليكوا، أوكلاهوما

نصبا في 1913 و1921 وأسقطا في 13 حزيران 2020

كان ستاند واتي قائدًا لأمة شيروكي، وهي قبيلة من السكان الأصليين في أمريكا. خدم كجنرال في الجيش الكونفدرالي، ووقع معاهدة مع قادة شيروكي آخرين، تخلوا فيها عن أراضيهم الأصلية في جورجيا وأخرجوا السكان الأصليين من قبيلة شيروكي منها. أزالت أمة شيروكي في 13 حزيران تمثالين لواتي، من ضمنها تمثال يحتفي بجنود الكونفدرالية، من ساحة الكابيتول في تاهليكوا. نصب التمثالان من قبل اتحاد بنات الكونفدرالية، في عامي 1913 و1921.

عمّال يزيلون التماثيل الكونفدرالية في تاهليكوا، أوكلاهوما، في 13 حزيران 2020. المصدر: kosu.org.

أما عن التماثيل المزالة أو المهددة بالإزالة في المملكة المتحدة:

تمثال إدوارد كولستون

بريستول، إنجلترا

نصب في عام 1895، أسقط في 7 حزيران 2020

كان إدوارد كولستون قائدًا لشركة بريطانية لتجارة الرقيق خلال القرن السابع عشر، كانت مسؤولة عن الاتجار بعشرات الآلاف من العبيد من الدول الأفريقية وعبر المحيط الأطلسي لبيعهم في الولايات المتحدة. وقليلون من هم أكثر شهرة من كولستون في جرائمهم في العبودية.

كانت مشاهد المتظاهرين الذين أسقطوا نصبًا تذكاريًا كبيرًا لتاجر الرقيق سيء السمعة في بريستول، إنجلترا في 7 حزيران، وإلقاء الضريح الذي يبلغ طوله 5.5 مترًا في ميناء بريستول القريب مريحة للنفس. وتسعى الشرطة الآن لتحديد أولئك الذين أزالوا التمثال.

متظاهرون في بريستول يرمون تمثال كولستون في النهر. جوليا سبادافورا، جيتي إيمجز.

تمثال وينستون تشرشل

لندن، إنجلترا

نصب في عام 1973

تعرَّض تمثال رئيس الوزراء البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية ، ونستون تشرشل، في ساحة البرلمان في لندن إلى التخريب والاستهداف من قبل المتظاهرين المناهضين للعنصرية خلال الأسابيع القليلة الماضية. وقد دفع هذا مجلس المدينة لوضع تدابير لحماية التمثال، الذي ما يزال قائمًا في الحديقة اليوم. أدان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون محاولات المتظاهرين إزالة النصب التذكاري، إذ غرّد عبر تويتر: «من السخيف والمخزي أن يكون هذا النصب التذكاري القومي معرض لخطر هجوم متظاهرين عنيفين». يضيف: «تمثال ونستون تشرشل في ساحة البرلمان هو تذكير دائم بإنجازاته في إنقاذ هذا البلد -وكامل أوروبا- من الطغيان الفاشي والعنصري». 

بتوجيه من تشرشل ارتكب الجيش البريطاني العديد من الجرائم ضد دول استعمرها وغزاها، بما في ذلك الهند، إيرلندا، العراق ودول أخرى. كما دافع تشرشل عن استخدام الغاز السام ضد العراقيين، الأكراد والأفغان. لعبت سياساته خلال الاستعمار البريطاني للهند دورًا أساسيًا في تفاقم المجاعة البنغالية عام 1943، مما تسبب في وفاة ما يقرب من ثلاثة ملايين شخص. لا يزال إرثه الإجرامي فريد وآثاره ماثلة حتى يومنا هذا.

عمال يزيلون الألواح التي نصبت لحماية تمثال تشرتشل عقب تخريب متظاهرين له، أثناء زيارة للرئيس الفرنسي ماكرون للندن. تولغا آكمن، أ ف ب.