إغلاق معبر جابر: كيف أصبح المعبر الحدودي «بؤرة» جديدة للوباء؟

الإثنين 17 آب 2020
شاحنة تعبر الحدود الأردنية-السورية، 2018. المصدر: فرانس 24.

في السابع من آب الماضي، أعلنت وزارة الصحة الأردنية عن تسجيل إصابة بفيروس كورونا في منطقة التطوير الحضري في محافظة إربد تعود لمحامٍ، وبدأت فرق التقصي الوبائي بالبحث عن مصدر الإصابة، ليظهر لاحقًا أنها تعود لأحد العاملين في شركة تخليص بمركز جمرك جابر، على الحدود مع سوريا.

في اليوم التالي، توجهت فرق التقصي الوبائي إلى جمرك جابر، بعد اكتشاف حالة جديدة لأحد العاملين فيه، ليتم الحجر داخل الجمرك على جميع موظفيه وموظفي شركات التخليص، وفق ما تحدث به مصدر طبي من فرق تقصي الوبائي لـ«حبر»، لحين أخذ عينات منهم وظهور النتائج.

تفاجأ العاملون في شركات التخليص بقرار حجرهم، واحتجوا على إجبارهم على المبيت ليلتي الثلاثاء والأربعاء (11 و12 آب) داخل الجمرك، دون وجود عزل أو حجر للمصابين بهم، ما دفعهم للمطالبة بنقلهم إلى بيوتهم والالتزام بالحجر المنزل لحين ظهور نتائجهم، أو نقل المصابين منهم إلى المستشفيات، كما يقول مخلد محمد، أحد العاملين في شركة تخليص، لـ«حبر». ليل الخميس، نقل إلى أحد فنادق الحجر في مدينة إربد 140 شخصًا من موظفي شركات التخليص والموظفين الحكوميين غير العاملين بالجمارك والأجهزة الأمنية، كان مخلد من بينهم. فيما بقي جميع العاملين الحكوميين في الجمرك والأجهزة الأمنية، والمقدر عددهم بـ200 موظف، محجورين داخل المركز، بحسب تقدير مصدر في دائرة الجمارك.

«كنّا شغالين كويس، بس ما كنّا نعرف إنه في حالات بيننا، أو إنه نكون إحنا مصابين. مرة وحدة، طلبونا على فحص الكورونا وطلبوا أنه ما نروح على بيوتنا وننام في المركز. المشكلة فش مكان ننام فيه، ولا حتى نقعد»، يضيف مخلد. ويؤكد نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع، ضيف الله أبو عاقولة، أن الجهات الرسمية المختصة طلبت بشكل إجباري مبيت العاملين، لعدم نقل العدوى من العاملين لذويهم، مما قد يعني انتقال العدوى من مجموعة أشخاص إلى مناطق، وهو ما قد يشكل كارثة على المستوى الوبائي.

كيف عمل المعبر في الأشهر الماضية؟

منذ بدء الجائحة، أغلق معبر جابر، المنفذ الحدودي مع سوريا، أمام الركاب، لتستمر حركة الشحن بعد توقف مؤقت، إذ يتم من خلال المعبر التخليص الجمركي المحلي والترانزيت، وتنظيم بيانات البضائع الصادرة والواردة. ويقول أبو عاقولة إن العمل خلال الجائحة تراجع كثيرًا، وشهد قطاع التخليص أزمة عميقة، حيث أن عدد الشركات المرخصة يصل إلى 240 شركة، تشغّل نحو 500 موظف، لكن مع الأزمة، وصل عدد شركات التخليص العاملة حاليًا إلى 40 شركة فقط، تشغّل 100 موظف.

ويشهد جمرك جابر في الشهور الماضية مرور ما بين 80 إلى 100 شاحنة يوميًا محملة بالبضائع، أغلبها خضار وفواكه ومواد غذائية وبضائع أخرى، وفق أرقام نقابة أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع وهيئة النقل. ويتم العمل في المركز من خلال نظام المناولة (باك تو باك)، بحيث تفرغ الشاحنات الواردة من سوريا أو لبنان حمولتها داخل معبر جابر، وتنقل البضاعةَ شركةُ تخليص أردنية إلى وجهتها (سواء الأردن أو دول الخليج). أما البضاعة الصادرة، فيتم تحميلها مع شاحنات قادمة من سوريا ولبنان، بعد أن فرّغت حمولتها في المعبر. وتصل عدد الشاحنات التي تحمل البضائع الأردنية الصادرة على المعبر ما بين 10 إلى 20 شاحنة يوميًا.

ويتم تفريغ الحمولات ما بين الشاحنة الأردنية والشاحنة السورية أو اللبنانية إما بواسطة الرافعات الشوكية، على الرمبة «البسطة» للشاحنات، أو من خلال الونشات (الكرينات)، ومن خلال المبادلة اليدوية بأيدي العمالة المحلية.

ويسمح للسائق اللبناني المغادر نحو الأراضي السعودية بالدخول إلى الأردن دون توقف، برفقة أمنية، بشرط حصوله على إقامة سعودية. ويمنع على السائقين الأردنيين اجتياز معبر جابر نحو سوريا تحت أي ظرف، وفق تعليمات دائرة الجمارك.

«حذّرنا أنه رح يصير في عنّا إصابات بجابر، ما حدا كان يرد»، يقول أبو عاقولة، عازيًا توقعه تسجيل إصابات بين العاملين في شركات التخليص إلى الإجراءات التي تتم في المركز الجمركي، والتي يرى أنها غير سليمة ومخالفة لأسس السلامة العامة والوقاية من فيروس كورونا. إذ يجري التواصل المباشر ما بين السائق السوري أو اللبناني والعامل الأردني خلال عملية نقل الحمولة، وما بين السائق وموظف الجمرك خلال إنهاء معاملة التخليص أيضًا.

يشهد حسن (اسم مستعار)، وهو أحد أصحاب شركات التخليص، بعدم وجود التزام بإجراءات السلامة من قبل العاملين في شركات التخليص أو من موظفي الجمرك. «الكل مع الكل، فش لا كمامات، ولا قفازات، ولا إجراءات سلامة عامة. السائق السوري بتعامل معنا عادي، ومرات العاملين بالشركات بسلّموا مباوسة على بعض، غير أنه موظف الجمرك بكون واقف معنا على الرمبة «البسطة»، وبنفس الوقت ما في رقابة من أي جهة علينا».

كيف تفاقم الوضع الوبائي؟

في العاشر من آب الجاري، سجلت وزارة الصحة، ثمانية إصابات تعود للعاملين في مركز جابر الجمركي، حسب ما كشفه مصدر طبي بفرق التقصي الوبائي. وفي الحادي عشر سجلت أربع إصابات، أما في الثاني عشر فسجلت ثماني إصابات، ليصل مجموع الإصابات على المعبر حتى اليوم إلى 22 شخصًا، 12 منهم من موظفي شركات التخليص، و10 من موظفي الجمرك، وفق الإيجازات التي نشرتها الحكومة حول الحالة الوبائية.

ويعتقد الناطق الإعلامي باسم لجنة الأوبئة، نذير عبيدات، أن السبب في ظهور إصابات بفيروس كورونا في جمرك جابر الحدودي، هو الوضع الوبائي الخطير في سوريا، وحجم الانتشار الكبير هناك، مما يزيد احتمالية نقل العدوى من سوريا عبر السائقين القادمين لمعبر جابر إلى العاملين في شركات التخليص، الذين بدورهم ينقلون العدوى إلى موظفي الجمارك.

يعتقد الناطق الإعلامي باسم لجنة الأوبئة، نذير عبيدات، أن السبب في ظهور إصابات بفيروس كورونا في جمرك جابر الحدودي، هو الوضع الوبائي الخطير في سوريا.

ويوضّح عبيدات لـ«حبر»، أنه تم اعتبار المعبر بؤرة خطيرة بعد نقاش بين لجان في وزارة الصحة ولجنة الأوبئة، وتم الاتفاق على إغلاقه لمدة أسبوع، وتحديد آلية جديدة للعمل فيه. غير أن ظهور إصابات يعني وجود بعض التجاوزات من قبل الموجودين في المعبر، وتهاون بإجراءات السلامة العامة المعروفة لدى الجميع، وحجم الإصابات يؤكد ذلك. 

ووفق ما نشرته وزارة الصحة السورية، وصل عدد الإصابات في سوريا 1593 إصابة، وعدد الوفيات إلى 60 وفاة، لغاية صباح الأحد. إلا أن ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماغتيموفا، قالت في مقابلة تلفزيونية قبل أيام إن إمكانيات إجراء الفحوص في سوريا «محدودة»، مما يرجّح وجود حالات غير مسجلة.

ويختلف مصدر طبي في وزارة الصحة، طلب عدم الكشف عن اسمه، مع حديث عبيدات، إذ يرى أن ما حدث في معبر جابر، سببه عدم التقييد في إجراءات السلامة العامة، ولا علاقة للوضع الوبائي في سوريا، حيث أن الوضع الوبائي في السعودية أشد خطورة من سوريا، لكن لم تُسجل إصابات كبيرة في معبر العمري، كما شهده معبر جابر مؤخرًا، بحسبه. ويوضّح المصدر أن ما حدث هو وجود مصابين بين العاملين على الجانب السوري، تعاملوا مع أكثر من شخص داخل المركز، ونقلوا إليهم العدوى. كما أن هؤلاء الذين نقلت العدوى إليهم تعاملوا دون حرص أو حذر داخل الجمرك، مما أدى إلى تفاقم الوضع.

وتواصلت «حبر» مع مديرية الإعلام في الجمارك للحصول على رد، إلا أن المسؤولين رفضوا التعليق.

وأنهت فرق الاستقصاء الوبائي العاملة في مركز حدود جابر، الأربعاء الماضي، أخذ عينات من جميع العاملين في المركز (ومجموعهم قرابة 340)، بهدف فحصها، حسب ما أعلنه مساعد الأمين العام للرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة، عدنان إسحق. وأكد إسحق أن الجهات الرقابية الصحية حجرت المخالطين المباشرين للمصابين 14 يومًا، وسيعاد فحصهم مرتين لاتخاذ الإجراءات حيال كل حالة وفقًا للنتائج المخبرية والفحوص، مضيفًا أن الوضع الوبائي في المركز «معتدل الخطورة».

وقررت وزارة الداخلية، بناءً على توصية لجنة تنظيم ومتابعة شؤون الحدود والمطارات، إغلاق مركز حدود جابر، اعتبارًا من صباح الخميس الماضي، الثالث عشر من آب الجاري، ولمدة أسبوع. وقررت اللجنة تكليف وزير الصحة، سعد جابر، باتخاذ الإجراءات الصحية والوقائية اللازمة للحجر على العاملين في المركز، وإجراء الترتيبات اللازمة لذلك، بعد تزايد أعداد إصابات الكوادر العاملة بالمركز بفيروس كورونا.

وأكد رئيس الحكومة، عمر الرزاز، الأسبوع الماضي على ضرورة أن يتم خلال فترة إغلاق المركز الحدودي لمدة أسبوع إعادة النظر في جميع الإجراءات ليس فقط في مركز حدود جابر وإنما أيضًا في مركزي حدود الكرامة مع الضفة الغربية والعمري مع السعودية، بعد أن أصبحت المعابر الثلاثة مصدرًا لانتقال الوباء إلى الداخل. ووجّه الرزاز حكومته لتزويده خلال الأيام القليلة المقبلة بتقرير وخطة عمل متكاملة لتطوير الإجراءات التي بدأ تنفيذ بعضها على أرض الواقع.

وأعلنت رئاسة الوزراء اليوم الإثنين عن أن الرزاز أوعز، إثر زيارته لمركز حدود العمري قبل يومين، بـ«إجراء مناقلات بين كوادر المركز»، مؤكدًا على أهمية تشديد الإجراءات المتبعة. فيما نقلت صحيفة الدستور عن مصدر طلب عدم ذكر اسمه أن «تحقيقًا موسعًا فُتح من قبل جهات ذات علاقة ستقوم باستجواب والتحقيق مع جميع الموظفين دون استثناء للكشف عن المقصرين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم»، وفق الصحيفة.

يرى مصدر طبي في وزارة الصحة أن ما حدث في معبر جابر، سببه عدم التقييد في إجراءات السلامة العامة.

لا يرى أبو عاقولة في إغلاق مركز حدود جابر لمدة أسبوع إعاقةً للقطاع، نظرًا إلى أن الهدف من الإغلاق منع انتشار كورونا وحماية لموظفي التخليص العاملين ذاتهم، لكنه يدعو إلى الإسراع في ترتيب وتنظيم العمل في المراكز الحدودية، تفاديًا لعدم إطالة مدة الإغلاق، لأهمية حركة «الترانزيت» بالنسبة لقطاع التخليص والشحن. وطالب بتصنيف عمل قطاع التخليص كمهنة خطرة كونه على تماس مباشر مع السائقين والبضائع والأوراق النقدية والبيانات الواردة معهم، مما يعرض العاملين فيه للإصابة بالفيروس.

قرارات متباينة حول عمل المعبر

في الخامس والعشرين من حزيران الماضي، وبعد أشهر من العمل بنظام المناولة (باك تو باك) في ساحة التبادل التجاري في مركز جابر الحدودي، قررت الحكومة وقف العمل بهذا النظام، والسماح لسائقي الشاحنات السورية أو اللبنانية بالدخول للأردن، بحيث تتجه إلى في مركز حدود العمري لتفرّغ بضاعتها بالمناولة هناك، ثم تنقل هذه البضاعة إلى بشاحنات أخرى لدول الخليج أو لداخل الأردن، نظرًا إلى أن ساحة التبادل في العمري مجهزة بشكل أفضل، وفق مدير مديرية نقل البضائع على الطرق في الهيئة، علاء البقور. أثار ذلك استياء أصحاب الشاحنات المبردة الأردنيين، الذين كانوا ينقلون البضائع الآتية من سوريا والمفرغّة في معبر جابر إلى دول الخليج، حيث كانت نحو 30 شاحنة أردنية مبردة تعمل على ذلك يوميًا. 

وفي السابع عشر من تموز، تراجعت الحكومة عن قرارها، وأعادت فتح ساحة التبادل التجاري بالشروط السابقة، لكنها اشترطت كذلك حصول الشاحنات السورية أو اللبنانية على موافقة مسبقة من هيئة النقل، شريطة ألا تزيد عدد الشاحنات التي يجري تفريغها في المعبر على 30 شاحنة سورية يوميًا، لضمان عدم تكدس الشاحنات داخل المعبر، وفق البقور.

وأكدت نقابة أصحاب الشاحنات، على لسان نقيبها محمد خير الداوود، قرار الحكومة بالسماح للشاحنات الأردنية (البرادات) بالمناولة مع الشاحنات السورية، داخل حدود جابر، بعد احتجاج السائقين، وخسائر لحقت بالشاحنات خلال فترة الإيقاف.

يقول أحمد الذيابات، وهو صاحب شاحنة تبريد، إن المشكلة الحقيقية التي تواجه قطاع النقل في الأردن بشكل عام، وقطاع التخليص والشاحنات تحديدًا، تكمن في القرارات التخبطية المتسرعة والمستمرة، حيث أنه من الممكن أن يستيقظ صباحًا ليجد أنه سيتم فتح معبر جابر خلال أيام، بعد قرار إغلاق، دون أن يُقَّدم مبرر واضح. «في غمض عين، الشباب ببعثوا على الواتس أنه وقّف شغلنا على الكامل»، يضيف الذيابات، «وهيك ببساطة بتنقطع رزقنا ورزق أولادنا، (..) وبعدها بأسبوعين أو 10 أيام، حكولنا أنه لأ عادي ارجعوا اشتغلوا مثل الأول».

بعد قرار الحكومة الأخير، عادت الحركة إلى نشاطها جزئيًا داخل معبر جابر، كما يتحدث سائقون، غير أن وتيرة العمل ارتفعت خلال إجازة عيد الأضحى، إذ ارتفع حجم دخول الشاحنات السورية إلى مركز جابر.

وبحسب تأكيد مصدرين مختلفين في وزارة النقل لـ«حبر»، فقد دخلت بعد إجازة العيد 300 شاحنة سورية ولبنانية، دون الحصول على موافقة من الهيئة، الذي زاد من التعامل المباشر بين السائقين السوريين والأردنيين، وهو ما قد يكون وراء ظهور إصابات بشكل مفاجئ.

وردًا على سؤال وجه له في مؤتمر صحفي عقد اليوم، قال وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة إن التنقلات التي أجريت في مركز حدود العمري جاءت إثر «ثغرة» تم اكتشافها على الحدود، لكنه أضاف أنه ليس لديه علم بمسألة الشاحنات الـ300 اللواتي دخلن عبر معبر جابر.