إنجيليّون مدعومون من البيت الأبيض يصدّرون أجندة أصولية إلى أمريكا اللاتينية

فلسطيني يشاهد التلفاز في مقهى في القدس، فيما ترامب يتحدث عن قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى المدينة. 6 كانون الأول 2017. أحمد غرابلي، أ ف ب.

إنجيليّون مدعومون من البيت الأبيض يصدّرون أجندة أصولية إلى أمريكا اللاتينية

الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019

أعد هذا التحقيق كل من «تحقيقات كولومبيا الصحفية» (CJI)، و«مركز أمريكا اللاتينية للصحافة الاستقصائية»، ونشر على شبكة Univision الأمريكية الناطقة بالإسبانية في 12 آب/أغسطس 2019. 

تعرّض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعاصفة من الانتقادات جرّاء سياسته التي تقضي بالفصل بين العائلات المهاجرة عند الحدود [الجنوبية للولايات المتحدة]، في الوقت الذي لقي فيه الرئيس الهندوراسي خوان أورلاندو هيرنانديز احتفاءً باعتباره حليفًا استراتيجيًا للبيت الأبيض في حزيران/يونيو من العام الماضي. تعد هندوراس ثاني أكبر مَصْدَر لمهاجري أميركا الوسطى إلى الولايات المتحدة.

وثّقت بيانات وسائل الإعلام الرسمية الاجتماعات مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو، وقد دار فيها نقاش مكثف حول أزمة اللجوء ووضع اللاجئين الهندوراسيين غير الموثقين.

لم تذكر أي رواية رسمية الأحاديث الموازية التي أجراها بنس وبومبيو ومجموعة من القادة الإنجيليين الأصوليين مع الرئيس هيرنانديز لإقناعه باتخاذ قرارات على مستوى وطني مستندة إلى تفسيراتهم الحرفية للإنجيل. 

استغل كل من بنس وبومبيو من ناحية – وكلاهما مسيحيّان إنجيليّان – الزيارة الرسمية لإقناع الرئيس هيرنانديز بالسماح لمنظمة «Capitol Ministries»، وهي منظمة دينية تعمل تحت رعاية كلا من بنس وبومبيو، بدخول مجال الدراسات الإنجيلية إلى هندوراس. تصف المنظمة برنامجها باعتباره جهدًا يرمي إلى «تحويل القادة السياسيين العالميين إلى الطائفة الإنجيلية» بهدف توحيد أجندتهم مع مبادئهم الإنجيلية. 

يمكن ملاحظة حجم هذا التأثير في بيان أصدرته المنظمة عندما أطلق مؤسسها، رالف كيم درولنجر، حلقة الدراسات الإنجيلية في الكونجرس الهندوراسي مع هيرنانديز، وذلك بعد زيارة الرئيس لواشنطن بخمسة أشهر. أكد البيان الإعلامي أن اثنين من أعضاء الحكومة – وهما بنس وبومبيو – «اقترحا على الرئيس أن يُنشئ كنيسة مثل التي يرتادونها كل أسبوع، وأن الرئيس هيرناندز أخذ اقتراحهم على محمل الجد». 

يعتبر درولنجر مرشدًا روحيًا لكلٍ من بنس وبومبيو، وقد ترأس حلقة الدراسات الإنجيلية بالبيت الأبيض منذ أن دعاه بنس لتأسيسها في بدايات إدارة ترامب. 

أثناء نفس الزيارة إلى واشنطن، التقى فرنانديز أيضًا بخمسة قادة إنجيليين أميركيين، وهم جزء من «مبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض». كان هدف الاجتماع إقناع الرئيس الهندوراسي بنقل المكتب الدبلوماسي لبلاده من العاصمة الإسرائيلية تل أبيب إلى القدس، مركز الحياة الدينية المُتنازَع عليه لإسرائيل. أكّد ماريو برامنيك القائم على تنظيم الاجتماع في مقابلة أجراها مع «تحقيقات كولومبيا الصحفية» (CJI) على ذلك الهدف، والذي تضمن الاعتراف بالقدس مركزًا للحكومة الإسرائيلية. 

أسس برامنيك، وهو قس كوبي أميريكي، «التحالف اللاتيني من أجل إسرائيل»، وهو منظمة صهيونية مسيحية مقرها في ميامي تعمل على حشد القادة الدينيين والسياسيين في أميركا اللاتينية لدعم القدس، باعتبارها المركز السياسي والديني لإسرائيل. 

«ترامب وعد وأوفى»

وفقًا لبرامنيك، فإن نقل سفارة الولايات المتحدة كان وعدًا انتخابيًا قدمه ترامب للقادة الإنجيليين أثناء حملته الرئاسية في عام 2016. «الرئيس ترامب وعد وأوفى»، يقول برامنيك. 

يدّعي القس أنه عمل مباشرة أثناء الحملة مع مبعوث البيت الأبيض الحالي إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، وسفير الولايات المتحدة الحالي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، على صياغة السياسة الخارجية الأميركية تجاه إسرائيل. يقول برامنيك: «التقيت بهم بمجرد تعيينهم، وبدأنا في العمل على خطة الجمهوريين لإسرائيل».  

ووفقًا له أيضًا فإن جهد هؤلاء القادة الإنجيليين مستوحى من مبادئ روحية. إذ يقول: «نحن نتعامل مع الحكومات بشكل وثيق لدرجة أن العالم يظن أننا نتحكم بالسياسة، لكن الأمر بالنسبة لنا روحي، وليس سياسي. يقول الإنجيل إن أيًا مَن يُبارك إسرائيل تحل عليه البركة، وأيًا مَن يلعنها تطاله اللعنات، ونحن نقرأ الإنجيل بشكل حرفي. كما يقول الإنجيل أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل وأن الرب منح تلك الأرض لإبراهيم وإسحق ويعقوب». 

جَنَت اجتماعات الإنجيليين ثمارها. إذ أعلن الرئيس هيرنانديز في مارس أن هندوراس سوف تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ومقراً جديداً للمكتب التجاري لبلاده. 

يحمل برامنيك والقادة الإنجيليين الأربعة الذين التقوا بهيرنانديز عضوية «مبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض»، وهو مكتب أسسه ترامب من خلال قرار رئاسي في مايو من العام الماضي. 

أكّد برامنيك أنه عضو في هذا المكتب وأضاف: «تدعو مبادرة الإيمان بالبيت الأبيض الزعماءَ الدينيين القوميين للمشاركة في فعاليات متعددة مثل حفلات العشاء والاجتماعات والصلوات والأحاديث مع الرئيس ترامب أو نائب الرئيس بنس، بحسب طبيعة الموضوع». 

وشدد القس على أنه رتّب للاجتماع مع الرئيس الهندوراسي بصفته رئيس التحالف اللاتيني من أجل إسرائيل وليس نيابة عن البيت الأبيض. لكنه في يوم الاجتماع نشر صورة له مع هيرنانديز على حسابه الشخصي على موقع فيس بوك، واصفًا الوفد الذي ترأسه بأنه معتمَد من البيت الأبيض. (جرى حذف النص الأصلي من منشور فيس بوك بعد حواره مع تحقيقات كولومبيا الصحفية، إلا أن الأخيرة احتفظت بنسخة من المنشور الأصلي).

منذ إنشاء مبادرة الإيمان، حرص ترامب والقادة الإنجيليين على عدم لفت الأنظار، ورفضوا الإجابة على أسئلة الصحافة ومجموعات المناصرة فيما يتعلق بأنشطتها وميزانيتها والتعيينات التي تمت بداخلها. 

دونالد ترامب خلال صلاة لتكريم قادة إنجيليين في البيت الأبيض، 27 آب/أغسطس 2018. تصوير مانديل نغان، أ ف ب.

مبادرة الإيمان بالبيت الأبيض

أجرى هذا التحقيق المشترك مراجعة لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو والنشرات الإخبارية التي نشرها قادة المجلس الاستشاري الإنجيلي لإدارة ترامب أثناء حملته الانتخابية، وكذلك مؤسساتهم. منذ أيار/مايو من العام الماضي، قام ثمانية عشر شخصًا منهم على الأقل، وجميعهم إنجيليين، بتعريف أنفسهم باعتبارهم جزءًا من مبادرة الإيمان بالبيت الأبيض أثناء فعاليات عامة متعددة. يمثل الإنجيليون أقلية من بين الطوائف الدينية المنتشرة في الولايات المتحدة والتي يحميها التعديل الأول من الدستور.  

تمثل المجموعة نظريات لاهوتية مختلفة ضمن المجتمع الإنجيلي، ويؤمن بعض أعضائها بأكثر من نظرية. إذ يتمسك البعض بإنجيل الرخاء الذي يرى في النمو الاقتصادي والصحة الجيدة نعمًا وُهبَت لمَن يطيعون الرب ويتبرعون بأموالهم لصالح القضية. بينما هناك طائفة أخرى صهيونية مسيحية تؤمن بنبوءات نهاية العالم بعودة السيد المسيح للأرض في إسرائيل. ومجموعة ثالثة تتألف من قادة المؤتمر المعمداني الجنوبي، وهو أكبر منظمة دينية في الولايات المتحدة، وتتبع لها أكثر من 50,000 كنيسة في البلاد. ويناهض المؤتمر بشدة مسألة زواج المثليين.  

ساعدت منظمة «Capitol Ministries» ومبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض وقادة إنجيليون آخرون، بالتحالف مع كثير من الكاثوليكيين المحافظين، على تعزيز علاقات وثيقة مع القادة السياسيين المسيحيين في الدول التي تحتوي على أعداد كبيرة من الإنجيليين، بما في ذلك غواتيمالا وهندوراس والبرازيل. امتدت تلك الروابط لتشمل سياسيين محليين اكتسبوا سلطة ونفوذًا سياسيًا معتبرًا في تلك البلاد.

من أجل فهم تلك التحالفات وتبعاتها، بحثت كلًا من تحقيقات كولومبيا الصحفية (CJI) ومركز أميركا اللاتينية للصحافة الاستقصائية و15 منصة صحفية استقصائية أخرى، وراء أنشطة مجموعة من المنظمات والقادة الإنجيليين في الولايات المتحدة، وكيف اكتسبوا على وجه الخصوص دعمًا قويًا من إدارة ترامب للترويج لسياسات وتشريعات مسيحية أصولية في الدوائر العليا للسلطة السياسية في أميركا اللاتينية. «إنه [أي ترامب] – كما قال الكثير من الناس – أكثر رئيس مستجيب للاعتبارات العقائدية عرفوه في حياتهم»، تقول باولا وايت، المستشارة الروحية لترامب وزعيمة مبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض، لشبكة الإذاعة المسيحية أثناء افتتاح سفارة الولايات المتحدة في القدس. 

أعلن القادة الإنجيليون دعمهم لترامب مع بداية حملته الرئاسية عام 2016 مقابل وعود ذات طابع سياسي، تراوحت ما بين تعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا للولايات المتحدة ومرورًا بإصدار سياسات مناهضة للإجهاض وحقوق المثليين والمتحولين جنسيًا (LGBTIQ)، وحتى التأثير على الاستراتيجيات الأميركية في إسرائيل.

وبفضل علاقاتهم في البيت الأبيض، وسّع بعض من هؤلاء القادة فروع كنيستهم أيضًا في أميركا اللاتينية وبنوا تحالفات مع رؤساء لديهم ماضٍ سيئ. 

الرئيس الهندوراسي

من بين هؤلاء، الزعيم الهندوراسي [هيرنانديز] الذي لم تتم إدانته، لكن إدارة مكافحة المخدرات الأميركية حققت معه في قضايا غسيل أموال واتجار بالكوكايين «على نطاقٍ واسع»، وفقًا لتقرير حكومي أميركي يرجع لعام 2015 رُفعت عنه السرية مؤخرًا. 

في الثاني من آب/أغسطس الماضي، قدّمت محكمة فيدرالية في نيويورك وثيقة أخرى تشير إلى تورط الرئيس الهندوراسي بالتآمر ضد أخيه توني هيرنانديز في قضية اتجار دولي بالمخدرات. الرئيس ليس مدعى عليه في تلك القضية، لكن النيابة العامة تقول أن 1.5 مليون دولار من عائدات المخدرات استُخدمت لصالح انتخابه عام 2013. بينما ذكرت الرئاسة الهندوراسية، في بيانٍ صحفي، أن الرئيس مناوئ لهؤلاء المهربين الذين يسعون للانتقام منه.  

ينتهك إرسال البعثات الدينية من الولايات المتحدة إلى أميركا اللاتينية، بتأييد من الحكومة الفيدرالية، مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة الذي ينص عليه دستور الولايات المتحدة، وفقًا لكاثرين فرانك، أستاذة القانون والجندر ودراسات الهوية الجنسية في جامعة كولومبيا بنيويورك. كما تدير فرانك مركز قوانين الجندر والهوية الجنسية في الكلية، وهي مديرة أيضًا لمشروع الدين والحقوق والقانون.

تقول فرانك إن تلك الجهود تنتهك الدستور بفرضها الدين رسميًا والترويج لمعتقدات بعينها. 

«تعمل الحكومة بنشاط من أجل الترويج للدين باعتباره مشروعًا حكوميًا رسميًا، وهو ما ينتهك بشكل واضح المادة التأسيسية  في الدستور»، كما تقول فرانك. وتضيف «أن الحكومة، علاوة على ذلك، تروج لرؤية دينية بعينها وبدون تجرّد، وهو مستوى آخر لانتهاك المادة التأسيسية سالفة الذكر».

«أقدمت الحكومة هنا على الترويج لصيغة مفردة من الدين باستخدام الأموال العامة وباسم الولايات المتحدة، وهو ما يعد انتهاكًا واضحًا للمادة التأسيسية في الدّستور»، وفقًا لما ذكرته فرانك.    

أبدى القادة الدينيون دعمهم أيضًا لرؤساء محافظين متشددين مثل جايير بولسونارو في البرازيل، الذي انتقد مؤخرًا قرار محكمة عليا برازيلية جرّمت معاداة المثلية الجنسية. إذ قضت المحكمة في يونيو بأن معاداة المثلية الجنسية تعتبر جريمة، تساوي جريمة العنصرية. علّق الرئيس بولسونارو بأن المحكمة «مُخطئة تمامًا». وتحدّث بولسونارو لوكالة الأنباء الحكومية الرسمية «Agenzia Brazil» قائلًا إن «القرار يضر بمثليي الجنس لأن أي رجل أعمال سيفكر مرارًا وتكرارًا قبل أن يوظف أحدًا منهم، لأنه لو أطلق نكتة ما سيكون عرضة للإحالة للمحكمة». 

وأضاف بولسونارو أن «لو كان هناك قاضيًا إنجيليًا في المحكمة العليا، ما كان لقرارٍ مثل هذا أن يمر». 

ارتفع معدل الجرائم ضد المتحولين جنسيًا ومثليي الجنس في ساو باولو وحدها بنسبة 75% من آب/أغسطس وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2018، وذلك أثناء الحملة الانتخابية لبولسونارو، وفقًا لصحيفة «Folha de Sao Paulo» التي حللت بيانات البوليس. 

أرسلت تحقيقات كولومبيا الصحفية في 31 تموز/يوليو رسائل إلكترونية منفصلة تحمل أسئلة حول هذه القصة لكلٍ من بنس وبومبيو ودرولنجر والرئيس الهندوراسي خوان أورلاندو هيرنانديز، ولم تتلقَ ردًا من أيِ منهم. 

الرئيس الهندوراسي خوان أورلاندو هيرنانديز يصافح سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، قبيل مؤتمر صحفي في العاصمة الهندوراسية تيغوسيغالبا، 27 شباط/فبراير 2018. تصوير أورلاندو سييرا، أ ف ب.

قس الحكومة 

كانت منظمة «Capitol Ministries» في حالٍ متدهور في صيف عام 2009. إذ استقال خمسة من مديريها واتهموا مؤسسها، رالف درولنجر، بالسلوك غير الأخلاقي والقيادة «الاستبدادية» وارتكاب مخالفات مالية، وكذلك «صبغ المواقف بصبغة روحية مبالغ فيها لمنفعته الخاصة، مستخدمًا مقتطفات من الإنجيل منزوعة من سياقها لتبرير تلك المواقف».  

رفعت منظمة «Capital Commission» والتي أسسها المديرون الذين غادروا «Capitol Ministries»، دعوى قضائية ضد الأخيرة عام 2011، في محكمة المقاطعة الشرقية من ولاية كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة، وأدرجت فيها تلك المزاعم. ناقشت الدعوى القضائية مزاعم بالاستخدام غير القانوني لشعار منظمة «Capitol Commission»، وتم تسويتها في عام 2014. 

لم يرد قس الحكومة على أسئلة تحقيقات كولومبيا الصحفية بخصوص هذه المقالة. لكنه أثناء سير الدعوى القضائية أنكر الادعاءات الموجهة ضده، وأكد على أن أعضاءً من الكنيسة اخترقوا مراسلاته الخاصة. 

طُرد درولنجر من كنيسته، كنيسة «Grace Community» في صن فالي بكاليفورنيا، عقب تحقيق داخلي تم عام 2009. خلُص 30 من زعماء الكنائس إلى أن درولنجر كان «غير مؤهل لقيادة كنيسة روحية»، وصوّتوا بالإجماع على إلغاء دعمها وانتمائها لمنظمة «Capitol Ministries». 

جاءت الضربة القاضية عندما استقال 16 مديرًا إقليميًا للمنظمة من أصل 19، في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2009، وقاموا بتأسيس منظمة «Capitol Commission». 

سافر درولنجر، بعد أن أنهكته الصراعات الداخلية، إلى الأرجنتين في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2009 ليُنشئ أول كنيسة له خارج البلاد، حيث حشد القادة من ثمانِ دول أخرى في أميركا اللاتينية. لكن المشروع مُني بالفشل، وقطعت المجموعة علاقتها مع القس الأميركي. 

الانتخابات الأمريكية

إلا أن حظ درولنجر بدأ يتغير عام 2016 مع حلول انتخابات الرئاسة الأميركية. 

قدّم جيف سيشنز – السيناتور الأميركي حينها والتلميذ الروحي لدرولنجر، والذي عُين بعدها بوقتٍ قصير نائبًا عامًا للبلاد – القس عبر البريد الإلكتروني لترامب، المرشح الرئاسي حينها، وبدأ القس في مشاركة خبراته في مجال الدراسات الإنجيلية. يستدعي درولنجر من ذاكرته في مقابلة أجراها مع صحيفة Die Welt الألمانية في عام 2017، قائلا: «كان ترامب يكتب لي ملاحظاته منذ ذلك الوقت، والتي كانت تحمل طابعًا إيجابيًا. إنه يحب الولاء. لقد دعمته منذ الأيام الأولى لحملته». 

في اليوم التالي على حسم الجمهوريين أمرهم بتقديم ترامب مرشحًا رئاسيًا في يوليو 2016، شجع درولنجر الإنجيليين الأميركيين على التصويت لصالحه من خلال برنامج إذاعي في كاليفورنيا. قال درولنجر، وهو يقلل من شأن أخطاء الرئيس الجنسية، «لدي إيمان بأن الرب قد يستجيب لصلواتنا ويجعل من دونالد ترامب قائدًا عظيمًا. نحن ننتخبه ليصبح قائدًا للبلاد وليس قائدًا للكنيسة».  

حلّ كلا من درولنجر وزوجته دانييلا ضيوفًا في حفل تنصيب ترامب، وسرعان ما بدآ العمل على تأسيس حلقة الدراسات الإنجيلية داخل البيت الأبيض. 

اتضحت معالم توسع نفوذ «Capitol Ministries» من خلال البيان الذي أصدرته المنظمة في أغسطس العام الماضي. حيث عبّر درولنجر متباهياً بهذا التوسّع قائلاً «سرعان ما تأسست حلقة الدراسات الإنجيلية الأسبوعية داخل البيت الأبيض، بعدما بدأت الإدارة الحالية بإجراء التعيينات في أوائل عام 2017، الأمر الذي لفت أنظار العالم نحو جهود ومهمة المنظّمة. 

يتابع درولنجر قائلًا: «كما تبين، ووفقًا للتقدير الإلهي، منحت تلك الفرصة منظمة Capitol Ministries قدرًا هائلًا من المصداقية وفتحتنا على العالمية في مدة وجيزة للغاية. لم يكن لدي أدنى فكرة قبل عامين عما سيكون مدى سرعة توسعنا الدولي نتيجة لذلك». 

يستخدم درولنجر، في الدراسات التي كتبها بنفسه من أجل ترجمتها إلى ست لغات، مقتطفات من الكتاب المقدس ليحاجج بأن حركة الجذرية للمحافظة على البيئة بمثابة «دين باطل»، وأن زواج المثليين سيجلب غضب الرب، كما أن الإنجيل يقر عقوبة الإعدام وعقوبات جنائية على المهاجرين غير الشرعيين. 

طلبت تحقيقات كولومبيا الصحفية، بمساعدة من معهد الدين والثقافة والحياة العامة التابع لجامعة كولومبيا، الحصول على ترجمة احترافية لدراسات منظمة «Capitol Ministries». قام البروفيسور جيمس بيلو، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ميامي والخبير في المسيحية العالمية، بتحليل النصوص المنتَجة بهدف فَهم جذورها والنظرية اللاهوتية التي تمثلها. 

خلُص بيلو إلى أن «منظمة Capitol Ministries تستخدم سمات متعددة للخطاب تميزهم بكونهم كنيسة أصولية بروتستانتية. وحجتهم الأساسية كالتالي: ينبغي أن نقرأ الكتاب المقدس حرفيًا وأن نستقي مبادئنا الحاكمة من تلك القراءة الحرفية. وأيًا مَن يقدم منهجًا مغايرًا فهو عدو سياسي وعقائدي لنا، أفسدت أمره الليبرالية الحديثة والمقاربات غير الحرفية المهرطقة للكتاب المقدس». 

يقول بيلو إن أحد الأعمدة الرئيسية لدراسات منظمة «Capitol Ministries» في الكتاب المقدس هو المنهج القائم على الخوف، الذي يسعى لنشر المنهج الحرفي في التعامل مع الكتاب المقدس، بينما يخلق مصطلحات مثل «الإنسانيين العلمانيين»، «والليبراليين المسيحيين»، «والآخرين»، وهؤلاء هم مَن تحث المنظمة أتباعها على معارضتهم.     

لم يُجب درولنجر على أسئلة أرسلتها تحقيقات كولومبيا الصحفية له حول النظرية اللاهوتية التي يدعو إليها.  

توسع هائل في أميركا اللاتينية

بعد مرور ثلاثة أشهر على تولي درولنجر لمنصبه كقس لحلقة الدراسات الإنجيلية التابعة للحكومة داخل البيت الأبيض، وذلك في أيار/مايو من عام 2017، قام بتعيين البيروفي أوسكار زامورا مديرًا لمنظمة «Capitol Ministries» في أميركا اللاتينية، وأنتج نسخة أسبانية لدراسته عن الكتاب المقدس على موقع المنظمة. 

افتتحت المنظمة أفرعًا لها، منذ ذلك الوقت، في ثماني دول من المنطقة؛ المكسيك وهندوراس والبرازيل وبيرو وأوروغواي والإكوادور وباراغواي وكوستاريكا، كما أعلنت عن افتتاح فرعٍ آخر في بنما تشرين الأول/أكتوبر المقبل. سافر درولنجر نفسه إلى بعض تلك البلاد لحضور حفل التدشين الرسمي للفروع الإقليمية للكنيسة والاجتماعات مع القادة السياسيين المحليين. (اقرأ المقالات التي نشرها زملاؤنا في المكسيك والبرازيل وهندوراس وكوستاريكا وباراغواي عن منظمة «Capitol Ministries»). 

أما أحدث خطط درولنجر التوسعية فهي الأكثر غرابة. إذ سافر في 18 تموز/يوليو إلى نيكاراغوا تلبية لدعوة شخصية من الرئيس دانييل أورتيجا وزوجته، روزاريو موريلو وهي نائبة الرئيس، من أجل تأسيس كنيسة في مدينة ماناغوا، عاصمة البلاد. كما دعا الزوجان الرئاسيان درولنجر ليشاركهما على منصة الاحتفال بالذكرى الأربعين للثورة الساندينية.   

أوضحت منظمة «Capitol Ministries»، في بيانٍ صحفي، أن الرئيس أورتيجا هو مَن بعث برسالة إلى درولنجر يدعوه لافتتاح كنيسة في حكومته. جاء في الرسالة، التي نشرتها المنظمة، ما يلي: «نحن نعلم أنه إذا بُعِث من جديد مَن عهد إليهم الرب مصير الأمة، فسوف يُشرّع نوابنا وفقًا لتعاليم الكتاب المقدس». 

لكن بينما كان أورتيجا يجاهر بإيمانه، أصدرت لجنة الدول الأميركية لحقوق الإنسان تقريرًا اتهم «دولة نيكاراغوا بارتكاب أعمال قمعية خلّفت على الأقل 212 قتيلًا و1337 جريحًا وحرمت 507 أشخاص من حريتهم، وذلك حتى حزيران/يونيو 2018». وقد أورد التقرير قائمة بأسماء جميع القتلى.  

بحلول أغسطس من ذلك العام، أحصت اللجنة 322 قتيلًا، معظمهم من الشباب المتظاهرين ضد أعمال فساد وانتهاكات مزعومة ارتكبتها الحكومة. انتقد أورتيجا بشدة ذلك التقرير، إلا أنه أقر بوفاة 128 شخص أثناء الاحتجاجات المدنية. 

قبل درولنجر الدعوة بكل حماس، ومن دون الاعتراف بالأزمة، بالرغم من سجل أورتيجا في حقوق الإنسان. أثناء إحياء ذكرى الثورة الساندينية، قال درولنجر: «نود أن نشكر الرئيس ونائبة الرئيس على منحهما فرصة غرس كلمة الرب هنا، وأن يبدآ ذلك بإنشاء فرع لمنظمة Capitol Ministries بين مجتمع رجال السياسة». كما سلط الضوء على علاقاته الوثيقة بالحكومة الأميركية، وأضاف قائلًا: «باسم حلقة الدراسات الإنجيلية في البيت الأبيض، وباسم طلاب الكتاب المقدس في مجلس الشيوخ الأميركي، وباسم أعضاء مجلس النواب الأميركي الذين يدرسون الإنجيل، نجلب لكم سلامنا وبركاتنا». 

وسعّت حلقات الدراسات الإنجيلية التابعة لمنظمة من نطاق نفوذها السياسي، من خلال استغلال درولنجر لاسم البيت الأبيض في تدخلاته خارج البلاد. إذ تنتشر المنظمة في سبع برلمانات بأميركا اللاتينية، وفي آذار/مارس الماضي زرعت أول فرع لكنيستها داخل جناح تنفيذي، في الديوان الرئاسي لهندوراس. كما أعلنت المنظمة أنها سوف تؤسس حلقة دراسات إنجيلية داخل الجهاز الرئاسي لنيكاراغوا. 

وفي الأثناء، دشن مجلس الأمة في هندوراس كنيسته في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي باحتفال تضمن الرئيس هيرنانديز وزوجته. أشار أوسكار زامورا، مدير منظمة «Capitol Ministries» بأميركا اللاتينية، إلى نشأة المبادرة خلال الحفل. 

«بدا على الرئيس هيرنانديز انبهار شديد بالترابط بين المعتقدات والمبادئ الإنجيلية لدراسات Capitol Ministries، في البيت الأبيض، لدرجة طلبه إنشاء حلقة مماثلة داخل حكومته (والتي تم إطلاقها في آذار/مارس)»، يقول زامورا. ويتابع: «كما أقول دائمًا، إن ذلك ممكن فقط عبر إرادة الرب! نشكر الرب على مواصلته فتح الأبواب أمام Capitol Ministries في أميركا اللاتينية!». 

تنتج هندوراس ثاني أكبر عدد من المهاجرين المتجهين إلى الولايات المتحدة من أميركا الوسطى، ويؤمن ما نسبته 41% من سكانها بالمسيحية الإنجيلية (أعلى نسبة في المنطقة، إلى جانب غواتيمالا). رحّب الرئيس هيرنانديز بكنيسة درولنجر بالرغم من ادّعاءات القس بأن الرب «يبغض المهاجرين غير الشرعيين»، وأن المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة يستحقون التوقيف والاعتقال، كما أن على الحكومة استبعاد الأطفال المهاجرين بطريقة غير شرعية من المدارس. 

أجرت كلا من تحقيقات كولومبيا الصحفية وصحيفة «Contracorriente» الهندوراسية مقابلة مع القس ميغيل مونيوز، الذي عيّنه زامورا لإدارة فرع الكنيسة في هندوراس. عند سؤاله عن كيفية مواءمته بين معاناة أبناء وطنه المهاجرين ومعتقدات المنظمة، قال مونيوز: «الأمر أنني لم أصل بعد لذلك الدرس، إذ تنتظم الدروس بالأسابيع وأنا لم أقرأ ذلك الدرس بعد». 

الدبلوماسية الإسرائيلية

بينما توسّعت منظمة «Capitol Ministries» بفروع كنيستها عبر برلمانات أميركا اللاتينية، عكف أعضاء مبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض على محاولة توحيد رجال السياسة في المنطقة في صف أجندات للشرق الأوسط يفرضها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. 

انطلق برامنيك وأعضاء آخرون من المجموعة في جولة عبر أمريكا اللاتينية في يناير 2018، بدأوها من غواتيمالا بتكريم الرئيس جيمي موراليس لقراره مؤخرًا بنقل سفارة بلاده إلى القدس. 

في الوقت نفسه، أرسل «التحالف اللاتيني من أجل إسرائيل» الذي أسسه برامنيك 23 عضوًا من كبار أعضائه إلى غواتيمالا. يتذكر برامنيك قائلًا: «رأيت في تلك الليلة كيف يمنح الرب الكنيسة في الولايات المتحدة دورًا بالغ الأهمية». وكان القس يُشير إلى «شهادة» قد سمعها حول قرار موراليس بنقل السفارة بعد مكالمة هاتفية له مع نتنياهو في كانون الأول/ديسمبر.  

كان موراليس قد جهّز لمكالمة هاتفية مع نتنياهو مستعينًا بقس محلي ليترجم له عن الإنجليزية، وفقًا لما ذكره برامنيك. وأوضح أن الرئيس كان قد أخبر وزيره للاقتصاد وآخرين داخل القاعة أنه خطط لرفض طلب نتنياهو بنقل سفارة غواتيمالا في إسرائيل. 

«انقطعت المكالمة وعادت، ثم انقطعت وعادت مرة أخرى»، يقول برامنيك، ذاكرًا أنه بينما كانت المجموعة مترقبة، قرأ القس مقتطفات من الإنجيل معه ثم أخبر الرئيس أن الرب قلّده هذا المنصب ليغير تاريخ البلاد. بنهاية المكالمة، وفقًا لبرامنيك، كان موراليس قد غير رأيه وقرر نقل مقر السفارة، لتصبح غواتيمالا ثاني دولة تفعل ذلك، بعد الولايات المتحدة. في أيار/مايو من عام 2018 جرى نقل السفارتين إلى القدس، وفصل بين تاريخ نقليهما يومان فقط.   

بعد مرور عام بالضبط على تكريمه من القادة الإنجيليين، أنهى موراليس عمل اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في غواتيمالا، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة نشأت عام 2006 بموجب اتفاقية لإنهاء الأجهزة الأمنية غير الشرعية وكيانات أخرى ترتكب جرائم جنائية وتنتهك حقوق الإنسان. قامت اللجنة بتفكيك تشكيلات إجرامية عديدة على ارتباط بدوائر عليا في السلطة، وقد جرى تمديد تكليفها عدة مرات، آخرها جاء بطلب من موراليس نفسه في أيلول/سبتمبر 2017. 

لكن بحلول كانون الثاني/يناير 2019 كان الرئيس الغواتيمالي قد أعاد النظر في أمر اللجنة، ومنح جميع موظفيها ممَن كانوا في البلاد مهلة 24 ساعة لمغادرتها. 

وبداية من آب/أغسطس [من السنة الحالية] أعلن موراليس أن المفوضَ الكولومبي إيفان فيلاسكيز، الذي قد استمر في إدارة اللجنة من خارج البلاد وجهز لإغلاقها النهائي في أيلول/سبتمبر، شخص غير مرغوب فيه. أعلن موراليس قراره ذلك عبر التلفاز محاطًا برجال الجيش، بينما حاصرت سيارات جيب تابعة للجيش مقر اللجنة في مدينة غواتيمالا. 

حققت اللجنة مع الرئيس موراليس في تهم تتعلق بالتمويل غير الشرعي لحملته. كما فتحت تحقيقات في ادّعاءات باحتيال ابنه وأخوه على الدولة من خلال تعيين موظفين وهميين في إدارة تسجيل الممتلكات العامة ودفع رواتب لهم. 

أكمل مكتب المدعي العام الغواتيمالي واللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب، في آب/أغسطس 2017، أول تحقيق لهما ضد موراليس وحزبه في تهم تمويل غير شرعي لحملته الرئاسية. قدّرت النيابة العامة إجمالًا أن موراليس وحزبه لم يعلنا عما حجمه 15 مليون كتزال غواتيمالي (ما يعادل مليونيْ دولار أميركي) من أموال التبرعات لحملته الانتخابية. 

في 25 آب/أغسطس، قدّمت الهيئتان أول دعوى لهما من بين دعاوى عدة لسحب حصانة الرئيس ضد الملاحقة الجنائية، حتى تتمكنا من استدعائه واستكمال التحقيق معه في تورطه المباشر في تلك الجرائم المزعومة. حُفظت طلبات الاستجواب في أكتوبر من العام الماضي بعد أن صوّت الكونجرس الغواتيمالي ثلاث مرات للإبقاء على حصانة موراليس قائمة. أما الرئيس، فقد ظل يردد شعار حملته الانتخابية في كل مرة كان يُسأل فيها عن التحقيقات: «أنا لست فاسدًا ولا سارقًا». 

منحت إدارة الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما، والإدارات الأسبق، دعمًا غير مشروط للجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب ودافعوا عنها عندما كانت تتعرض للهجوم. بدأت إدارة ترامب بتوفير الدعم الكامل للجنة، إلا أن هذا الدعم تراجع تدريجيًا ومن ثَم تبنّت موقف موراليس الذي يقضي «بإصلاح» اللجنة وإعادة تشكيلها.

في تموز/يوليو 2018، نشرت وكالة «McClatchy» قصة صحفية اقتبست فيها عن «مصدر مباشر» على اطلاع بالمحادثات الجارية بشأن اللجنة في العاصمة واشنطن ما يلي: «إن السبب الوحيد وراء اهتمام الولايات المتحدة بالقضية (سحب الدعم عن اللجنة) يرجع لسعادتها البالغة لنقل غواتيمالا سفارتها إلى القدس. وقد اتخذ الرئيس (موراليس) قرارًا بفعل ذلك في إسرائيل بسبب استياءه فحسب من تحقيق اللجنة مع بعضٍ من أفراد عائلته، وبذلك يسترعي انتباه إدارة ترامب، ومن ثَم يقول لترامب: ساعدني في أمر اللجنة». 

لم يؤكد أو يكذب البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأميركية ما جاء في القصة الصحفية. 

أجرت كلًا من تحقيقات كولومبيا الصحفية ومركز أميركا اللاتينية للصحافة الاستقصائية والشركاء الصحفيين في غواتيمالا («Nómada» و«Plaza Pública») مقابلات مع مَصْدَرَين على اطلاع بمجريات الأمور داخل الحكومة الغواتيمالية، وقد أكدا المعلومات الواردة في تحقيق «McClatchy». وفقًا للمَصْدَرَين، رأى الرئيس موراليس فرصة مثالية لطرد اللجنة من غواتيمالا بدعمٍ أميركي في مقابل نقل سفارة بلاده في إسرائيل. 

 بعد رحلتهم إلى غواتيمالا، التقى خمسة قادة من مبادرة الإيمان بالبيت الأبيض مع الرئيس الهندوراسي أثناء زيارته إلى واشنطن في يونيو 2018. في ذلك اللقاء، أوضح برامنيك قائلًا: «لقد سألنا الرئيس كيف يمكننا مساعدته في تحقيق قراره بشأن السفارة، وقد التقينا به مرتين مجددًا في الأشهر التي تلت».

إلى جانب برامنيك، كان لزعيمة أخرى من مبادرة الإيمان دور هام في الالتقاء بسياسيين من أميركا اللاتينية. ميشيل باكمان، عضوة سابقة في الكونجرس الأميركي ومؤسسة حركة حزب الشاي في مجلس النواب، هي واحدة من أنشط الأعضاء في مبادرة الإيمان وإحدى امرأتين داخل المجموعة التي يهيمن عليها الرجال.

كما أن باكمان تتمتع بشبكة علاقات واسعة. فهي ضمن مجلس إدارة منظمة «Capitol Ministries»، وتدير فرع كنيسة في الأمم المتحدة بنيويورك تستخدمه في تحويل القادة السياسيين العالميين إلى الطائفة الإنجيلية والترويج لرؤية العهد القديم عن إسرائيل. 

البرازيل

في 19 آب/أغسطس من العام الماضي، وقبل شهرين من الانتخابات في البرازيل، سجلت باكمان فيديو باللغة الإنجليزية تشجع فيه البرازيليين على التصويت لمرشح على استعداد لنقل سفارة بلاده إلى القدس. وعد بولسونارو بفعل ذلك أثناء حملته الانتخابية، إلا أن باكمان لم تذكر اسم بولسونارو، كما عرّفت نفسها كعضوة كونجرس سابقة ومرشحة سابقة في الرئاسة الأميركية. 

تقول باكمان في الفيديو المسجل: «لقد خصص الرب منذ 3500 عام مدينة القدس لتكون عاصمة إسرائيل، إنها حقيقة. نريد للبرازيل أن تكون مباركة، ونريدها أن تزدهر، لذلك عليكم أن تتأكدوا عند التصويت أن تمنحوا صوتكم فقط لمرشح على استعداد لنقل سفارة البرازيل إلى القدس». 

قبلها بأيام، كانت باكمان وماريو برامنيك قد شاركا في الاحتفال بالذكرى السبعين لإنشاء دولة إسرائيل في كنيسة ضخمة بمدينة بيلو هوريزونتي في البرازيل. طلب برامنيك مرة أخرى من المصلين، بدون الإشارة إلى بولسونارو بالاسم، أن يصوتوا للمرشح الذي سينقل السفارة إلى القدس. 

حضر ابن الرئيس بولسونارو، إدواردو بولسونارو، هذا الحفل الذي أصبح حدثًا انتخابيًا فريدًا من نوعه، وفقًا لتقرير صحيفة «Agência Publica»، الشريك البرازيلي في هذا التحقيق. يحظر القانون البرازيلي على رجال الدين القيام بحملات انتخابية، كما يحظر على الأجانب الانخراط في العملية الانتخابية. مع ذلك، برامنيك وباكمان لم يذكرا اسم بولسونارو صراحة، في رسائلهما العامة.    

كما ذكرت جين سيلفا، القسيسة التي نظمت الاحتفال، لصحيفة «Agência Publica» أن أمين الصندوق السابق لحملة بولسونارو الانتخابية ساهم في تنظيم الحدث. الكنيسة التي أقامت الاحتفال الديني هي ذاتها الكنيسة التي تتردد عليها الوزيرة البرازيلية للمرأة وحقوق الإنسان، داماريس ألفيس. كانت ألفيس قد ذكرت من قبل أن النساء ينبغي أن يرتدين اللون الوردي، أما الرجال فيرتدون الأزرق.

الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو يمشي في شوارع البلدة القديمة في القدس، 1 نيسان/إبريل 2019. تصوير توماس كويس، أ ف ب.

عاد برامنيك إلى البرازيل في ديسمبر مع وفد آخر من مبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض. وهناك التقى مرة أخرى بإدواردو بولسونارو، وهو أيضًا عضو بالكونجرس وأُعلِنَ عنه مؤخرًا ليصبح سفير البرازيل المقبل في الولايات المتحدة. 

تذكر برامنيك الأمر قائلًا: «دعاني إدواردو بولسونارو كي أُحضِر وفدًا أقل عددًا إلى ريو دي جانيرو للحديث مع والده، الرئيس بولسونارو، حول نقل مقر السفارة». كما حضر القس حفل تنصيب الرئيس البرازيلي. 

في آذار/ مارس 2018، أوقف الرئيس البرازيلي خطوة نقل سفارة بلاده في إسرائيل، كما كان قد وعد، معلنًا نيته نقل المكتب التجاري إلى القدس بدلًا من ذلك. يقول برامنيك: «إنه لا يزال منفتحًا على نقل السفارة، لكنه، من الواضح، لم يكن قرارًا سهلًا على الإطلاق». 

وعد إدواردو بولسونارو هو الآخر القسيسة جين سيلفا بأن والده سوف ينقل السفارة البرازيلية إلى القدس. وقالت سيلفا إنها تحدثت مع جاريد كوشنر حول الأمر في نوفمبر 2018، كما أخبرت الصحافة أن صهر الرئيس ترامب سوف يساعد في التخطيط لعملية النقل.  

لم يُجب الرئيس بولسونارو على أسئلة أرسلتها له تحقيقات كولومبيا الصحفية لكتابة هذا التحقيق في 31 تموز/يوليو، وهو الذي أمر القوات المسلحة في بلاده مؤخرًا بأن تحتفل بذكرى بداية الديكتاتورية العسكرية التي حكمت البلاد 21 عامًا. 

أضحت التحركات الدبلوماسية لقادة مبادرة الإيمان أكثر استراتيجية. ففي أيار/مايو الماضي، التقى برامنيك بالرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة قبل أن يتولى منصبه. 

«في الأسبوع البادئ بـ22 تموز/يوليو، سنعود إلى السلفادور لنلتقي مجددًا الرئيس بوكيلة وننظم تجمعًا للقساوسة في البلاد، بعدها سنسافر إلى هندوراس لنكرم الرئيس هيرنانديز على قراره بنقل المكتب الدبلوماسي»، هكذا أعلن القس برامنيك، وقد أدرج كوستاريكا هي الأخرى ضمن الجولة. 

عند سؤاله عن كيفية تمكنه من الوصول إلى كثير من القادة العالميين، أوضح برامنيك أن علاقات ومعارف المجموعة تختلف من بلد إلى آخر. فيقول: «إذا لم يكن شخصًا داخل الحكومة، فسوف يكون قس له علاقات أو عضو برلمان، أو مستشار لأحد أعضاء البرلمان». وأشار إلى أن الطريقة تختلف من قائد إلى آخر. 

يقول برامنيك: «إذا كانوا مسيحيين وعلى دراية بالمجال الروحي نتحدث إليهم بطريقة معينة، وإذا لم يكونوا كذلك فنتحدث معهم حول بعض القضايا الأهم بالنسبة لنا. هناك مشروع حاليًا يضم إسرائيل والولايات المتحدة ودولًا عربية، يهدف لتوفير دعم مالي للفلسطينيين من خلال جلب الأعمال التجارية والمال، لكنه يستبعد السلطة الفلسطينية لأنها فاسدة». 

يُشير القس هنا إلى خطة الولايات المتحدة «السلام من أجل الرخاء» في الشرق الأوسط، والتي طُرحَت في البحرين في حزيران/يونيو، وروّج لها جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط. تركز الخطة، التي أطلق عليها ترامب «صفقة القرن»، على جمع 50 مليار دولار لمشروعات تنموية في غزة ولا تأتي على ذكر إنشاء دولة فلسطينية. 

أوضح برامنيك أن قادة الإيمان يلتقون بقادة الأعمال والمستثمرين كي يروّجوا لخطة كوشنر. «نحن نقدم للرؤساء موجز لما يحدث في الوقت الحالي ونخبرهم أن الأمر لا يتعلق بمباركة اليهود وإسرائيل فحسب، كما يقول الكتاب المقدس، بل أيضًا العرب وأبناء إسرائيل، من خلال المشاريع الجاري تنفيذها بالفعل». 

وجد هذا التحقيق المشترك أن قادة مبادرة الفرصة والإيمان بالبيت الأبيض يسافرون في مجموعات ليمارسوا نفوذهم ليس على رؤساء دول أميركا اللاتينية فحسب. ففي الفترة بين كانون الأول/ديسمبر 2017 وأواخر 2018، كان كثير من أعضاء المبادرة على اتصال بقادة عالميين مقرّبين من إدارة ترامب. من بين هؤلاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي زاروه بعد مُضي شهر على مقتل الصحفي جمال خاشقجي ليناقشوا معه مسألة الحرية الدينية. في 19 حزيران/يونيو الماضي، نشرت الأمم المتحدة تقريرًا للمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو الإعدامات التعسفية، وقد خلُص التقرير إلى «أن هناك أدلة موثوقة تستدعي مزيد من التحقيق مع مسؤولين رفيعي المستوى غير مدانين جنائيًا في الوقت الحالي، وعلى وجه التحديد مع سعود القحطاني وولي العهد محمد بن سلمان. لكن التقرير لا يستنتج ما يثبت الإدانة». 

كما ناقشوا أيضًا أوضاع الشرق الأوسط مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان والملك عبدالله الثاني، ملك الأردن. 

من بين المستفيدين الرئيسيين من عمل مجموعة الإنجيليين هؤلاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه هو الآخر تحقيقات في قضايا فساد. إذ التقى بهم لينسق ويحدد معهم الدول الإنجيلية المقبلة للتأثير عليها من أجل دفعها لدعم أجندته الخاصة بالتحكم في القدس، وفقًا لشهاداتٍ عدة من قادة مبادرة الإيمان بالبيت الأبيض. 

في مارس الماضي، ووفقًا لصحيفة هآرتس الإسرائيلية، أخبر نتنياهو أحد مستشاريه: «لسنا بحاجة إلى لجنة أيباك بعد الآن»، مُشيرًا إلى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية. «فلدينا الدعم الكافي في الولايات المتحدة من الإنجيليين». تستثمر أيباك ملايين الدولارات في الضغط لصالح إسرائيل داخل الولايات المتحدة.  

إن ترامب ونتنياهو وبولسونارو ورؤساء أميركا اللاتينية الذين يناقشون مسائل الدعم السياسي والانتخابي مع المجموعات المسيحية ليسوا بطبقة لاعبين جدد في السياسة الدولية. 

ومع ذلك، تلقي القصة الموثقة في هذا التحقيق الصحفي المشترك الضوءَ على حقيقة مفادها أنهم بينما يدافعون عن الأخلاق المسيحية، يعلنون على الملأ صداقتهم بحكومات أصبحت أخلاقياتها موضع تساؤل جاد. 


هذه المقالة جزء من مشروع «Faith Transnationals»، وهو شراكة بين 16 منصة إعلامية تحت قيادة تحقيقات كولومبيا الصحفية وكلية الإعلام بجامعة كولومبيا (الولايات المتحدة)، ومركز أميركا اللاتينية للصحافة الاستقصائية، وحلفائهم الإعلاميين: «Univisión» (الولايات المتحدة)، «Agencia Pública» (البرازيل)، «El País» (أوروغواي)، «CIPER» (تشيلي)، «El Surtidor» (باراغواي)، «La República» (بيرو)، «Armado.info» (فينزويلا)، «El Tiempo» (كولومبيا)، «La Voz de Guanacaste and Semanario Universidad» (كوستاريكا)، «El Faro» (السلفادور)، «Nómada and Plaza Pública» (غواتيمالا)، «Contracorriente» (هندوراس)، «Mexicanos Contra la Corrupción and La Impunidad» (المكسيك).