إيقاف نفقات رأسمالية: إجراء روتيني أم أوضاع مالية صعبة؟

الثلاثاء 24 أيلول 2019
تصوير سييرا ويست.

في 16 أيلول الجاري، سُرّب كتاب وجّهه رئيس الوزراء عمر الرزاز إلى وزير المالية عزّ الدين كناكريّة مطلع الشهر، ينصّ على «إيقاف جميع المشاريع الرأسمالية التي لم يتمّ البدء في تنفيذها، (ما أمكن ذلك) باستثناء المشاريع المرتبطة بالمنح والقروض والمشاريع ذات الأولوية».

سبّب الخبر تساؤلات قلِقة حول أسباب هذا الإيقاف وانعكاساته، خاصةً بعد تصريح الناطقة باسم الحكومة، جمانة غنيمات، أن القرار جاء في ضوء «الأوضاع المالية الصعبة التي تمرّ بها الخزينة العامة». فما الذي يعنيه فعليًا هذا القرار؟

شكّلت حصّة النفقات الرأسمالية في قانون الموازنة العامة لعام 2019 ما مقداره مليار و200 مليون دينار، أي ما نسبته من 13.4% من إجمالي النفقات العامة. ومن بين هذه الـ1.2 مليارًا، نالت المشاريع الرأسمالية الجديدة ما مقداره 266 مليون دينار. جاءت هذه المخصّصات متّسقةً مع المخصّصات التي حظيت بها النفقات الرأسمالية على امتداد آخر خمس سنوات، دون تغيير جوهريّ في قيمتها أو نسبتها من إجمالي النفقات العامّة.

يؤكّد الناطق الرسمي باسم دائرة الموازنة العامة، مراد عبد الحليم، أن المشاريع الرأسمالية التي تم إيقافها تشتمل فقط على المشاريع التي لم تبدأ بعد، وتبلغ القيمة التقديريّة لمخصّصات تلك المشاريع ما يقلّ عن 15 مليون دينار. 

إن صحّت هذه القيمة التقديريّة، فإن هدفها، برأي الخبير الاقتصادي خالد الزبيدي، يكمن في توفير سيولة تحتاجها الحكومة للموازنة القادمة وتغطية عجزها. ربّما يساهم هذا المبلغ التقديريّ في تلبية حاجة الحكومة الحالية إلى تعويض الفارق بين توقّعات موازنة 2019 للإيرادات، والإيرادات الفعلية على أرض الواقع. إذ بلغ هذا الفارق حتى منتصف أيار الماضي البالغ نحو 100 مليون دينار، بحسب وزير المالية. 

هذا المبلغ الذي تم توفيره لا يمكن أن يُستغلّ لأغراض غير المخصّصة له في القانون. فبحسب عبد الحليم، ووفقًا لقانون الموازنة العامة، لا يمكن إجراء مناقلات في المخصّصات المالية إلا داخل الفصل والبند نفسه. مثلًا في الفصل المعنون «وزارة المالية»، ليس من الممكن تحويل مخصّصات المشاريع الرأسمالية الجديدة لحساب النفقات الرأسمالية المستمرّة أو قيد التنفيذ داخل فصل «وزارة المالية» نفسه أو لحساب فصل آخر إلا بقانون يوافق عليه مجلس النواب. ولا يمكن البتّة، بالقانون، جعل تلك المخصّصات تنتقل إلى حساب النفقات الجارية داخل الفصل نفسه أو إلى فصل آخر. 

ويشير عبد الحليم إلى أنّ إيقاف المشاريع الرأسمالية التي لم تبدأ بعد لا يتعدى كونه «إجراءً روتينيًا»، ويشمل مشاريعَ تأخّرت، وقد يعني تأخيرها ترتّب غرامات على الخزينة. ويهدف هذا الإيقاف، بحسب عبد الحليم، إلى تحقيق أمثل استغلال لموارد الدولة الماليّة من خلال «تجنّب طرح عطاءات جديدة لن يتمّ تنفيذها خلال هذا العام». ويؤكد خالد الزبيدي على أن هذا الإجراء شبه سنويّ لدى الحكومة ويهدف لتوفير سيولة لموازنة العام الذي يليه.

لكنّ المؤكد هو وجود توجّه لتخفيض النفقات الرأسمالية لدى الحكومة، بحسب الناطقة باسمها. تمثّل ذلك في ما قرّره الرزاز في أيّار من هذا العام بتخفيض للنفقات الرأسمالية بمقدار 10% والنفقات الجارية بمقدار 5% لجميع الدوائر الحكومية، باستثناء النفقات الرأسمالية لمجالس المحافظات.

بحسب وزير المالية الأسبق، محمد أبو حمور، تمثّل النفقات الرأسمالية ملاذًا في حال احتاجت الحكومة لتخفيض النفقات، حيث وصفت غنيمات النفقات الجارية وما تشتمل عليه من رواتب وتقاعدات وخدمات للدَّين بأنها «نفقات لا يمكن مسّها». بينما يرى الاقتصادي يوسف منصور أنّ هذا التعامل مع النفقات الرأسمالية بوصفها خطة احتياطية هو توجّهٌ بعيد تمامًا عن الممارسات الاقتصادية السليمة.

تشتمل النفقات الرأسمالية على المشاريع الجديدة مثل المرافق التعليمية والصحيّة وتعبيد وصيانة الطرق، بالإضافة إلى الاستثمارات بمختلف أشكالها، بحسب الخبير الاقتصادي محمد البشير. خلال العقود الأخيرة، انخفضت حصّة النفقات الرأسمالية من إجمالي النفقات العامّة، حيث بلغت هذه الحصّة ما نسبته 36% من إجمالي النفقات العامة لعام 1982، وفقًا لأرشيف الحسابات الختاميّة في وزارة الماليّة. وفي الفترة ما بين 1999 و2010 كان معدّل حصّة النفقات الرأسماليّة من إجمالي النفقات حوالي 19%، أما في الفترة ما بين 2011 و2019 انحدر المعدّل إلى 13%. 

«من سنين طويلة بدأت الحكومة تخفّض من قيمة الإنفاق على النفقات الرأسمالية لصالح النفقات الجارية»، يقول منصور. كان السبب وراء هذا الانخفاض، بحسب البشير، سياسة الدولة الحياديّة تجاه الاقتصاد الذي أرادت أن تلعب فيه دور المشرّع فقط، حيث ساهمت سياسة الخصخصة بداية الألفيّة الجديدة في انخفاض الإيرادات العامة التي حصّلتها الحكومة من مشاريعها الاستثمارية والخدمية المختلفة التي خُصخصت، مما أدى بالتالي إلى تقلّص المبالغ المالية المتوفّرة للاستثمار الرأسمالي.

في رأي منصور، فأنّ «أي تفكير بضحّي بالنفقات الرأسمالية هو تفكير بعتمد على قصر النظر والحلول المؤقتة». ويؤدي هذا التوجّه، بحسب أبو حمور، إلى «مزيد من تباطؤ النمو ووقف العجلة الاقتصادية وعدم توفير فرص عمل».

ويشير البشير إلى أن تبعات إيقاف المشاريع الرأسماليّة الجديدة، مهما صغر حجمها، قد تؤذي الفقراء المستفيدين من الخدمات الصحيّة والتعليمية وغيرها التي تجيء من ميزانية النفقات الرأسماليّة. «التراجع بالإنفاق على المشاريع الرأسمالية لا يختلف عن التراجع عن دعم بعض السلع، بمعنى إنه النفقات الرأسمالية بستفيد منها الفقراء»، يقول البشير.

وبرغم أهميّتها، يؤكد منصور على أن هنالك خللًا في بنية المشاريع الرأسمالية في الأردن، حيث يوضّح: «بسمّوه رأسمالي بس هو مش رأسمالي، على أرض الواقع هي نفقات تشغيلية. مثلًا عقد صيانة، بيجي واحد بصلّح حنفيات، شو الإضافة؟ هاي بس تصليحات».

ما بين «الإجراء الروتينيّ» و«الأوضاع المالية الصعبة التي تمرّ بها الخزينة العامة»، مثّل العنوان العريض لقرار إيقاف النفقات الرأسمالية على المشاريع الجديدة خبرًا محبطًا بحسب يوسف منصور. «[إنت] عم تقول للناس إنه مفيش مصاري غير بس للرواتب والتقاعد. هذا بأثّر سلبيًّا على الناس، خاصة على اللي بتابع (..) النفقات الرأسمالية لازم تزيد، بدونها مفيش [حل]».