عندما تساوي المئة بالمئة صفرًا: اتفاقية الغاز ومجلس النواب

من مظاهرة في وسط البلد في عمان رفضًا لاتفاقية الغاز. تصوير محمد اغباري.

عندما تساوي المئة بالمئة صفرًا: اتفاقية الغاز ومجلس النواب

الثلاثاء 18 شباط 2020

دون تسجيل أي غياب، وقّع أعضاء مجلس النواب المئة والثلاثون على إحالة مشروع قانون منع استيراد الغاز الإسرائيلي لمجلس الوزراء الأردني في 20 من كانون الثاني 2020. وحمّل رئيس المجلس عاطف الطراونة المُذكّرة صفة الاستعجال.

جاءت مذكرة مجلس النواب باقتراح مشروع القانون بعد عشرين يومًا من إعلان شركة الكهرباء بدء ضخ الغاز الإسرائيلي بشكل تجريبي، وثلاث سنوات على توقيع الاتفاقية بشكل رسمي بين شركة الكهرباء الوطنية وشركة نوبل إنيرجي في أيلول 2016، وست سنوات على إعلان رسالة النوايا بين الشركتين في أيلول 2014.

وبالرغم من إمهال رئيس كتلة الإصلاح البرلمانية النائب عبدالله العكايلة الحكومةَ أسبوعين حتى ترسل القانون، إلّا أن لديها في الحقيقة حتى نهاية الدورة الحالية من عمر المجلس في 10 أيار، أو الدورة التي تليها إذا عقد المجلس دورة استثنائية قبل أن يُحل في أيلول 2020.[1] 

مضى الأسبوعان دون أي ردٍ من الحكومة على مقترح مشروع القانون. الآن وقد بقي في عمر المجلس أشهر فقط، نسأل في هذا التقرير إن كان مجلس النواب الثامن عشر قد استنفد كل أدواته الرقابية والتشريعية التي أتاحها له الدستور لوقف اتفاقية ستكلّف خزينة الدولة عشرة مليارات دولار؟ وما الذي يعنيه توقيت إرسال مذكرة قانون منع الاستيراد في الوقت الذي بدأ فيه ضخ الغاز؟

قانون بأثر رجعي؟

حتى بعد بدء ضخ الغاز للمملكة، يرى النائب صالح العرموطي أنه ما زال من الممكن أن يلغي القانون المقترح اتفاقية الغاز بأثر رجعي، إن أضيفت كلمة «بأثر رجعي» إلى مشروع القانون، وهو التعبير الذي ارتأى المجلس أن ينظر في إضافته بعد إعادة الحكومة القانونَ للمجلس. تطبيق القانون بأثر رجعي يُخالف القاعدة التشريعية التي تقول بأن «القوانين الجديدة لا تُلغي الحقوق المكتسبة» بحسب الخبير الدستوري عمر العطعوط. لا يمكن تطبيق القانون بأثر رجعي يشدد العطعوط ولكن «على فرض سيُطبق بأثر رجعي» لن يعفيَ القانون الحكومة من الشرط الجزائي، لأن القانون الأردني، وبحسب ما تنص الاتفاقية، يستثنى من الظروف القاهرة التي تعفي الطرف الثاني مسؤولياته في الاتفاقية.[2] 

اكتفاء النواب باقتراح مشروع القانون كان «معارضة مجانية كلامية» بالنسبة لهشام البستاني، منسق الحملة الوطنية لإسقاط اتفاقية الغاز. «مش معقول تودّي مشروع قرار للجهة اللي بدك تحقق معها وتعترض عليها وتحاسبها»، وخاصة إنها الجهة ذاتها التي تجاهلت الرأي العام المُعارض للاتفاقية لخمس سنوات، يقول البستاني. أمّا «صفة الاستعجال» التي أوعز بها رئيس المجلس الطراونة للحكومة فـ«ليس لها أي سند قانوني أو دستوري» بحسب العطعوط، إذ أن صفة الاستعجال في الدستور توجّه فقط لمجلس النواب من الحكومة، لا العكس، «أي عندما يُعرض قانون من الحكومة لدراسة مجلس النواب، يمكن لمجلس النواب طلب منحه صفة الاستعجال حتى يمر قبل مقترحات القوانين السابقة» بحسب العطعوط.

مقترح القانون كان ضمن حزمة من سبعة مطالب متلازمة وجهتها «الحملة الوطنية الأردنية لإسقاط الاتفاقية مع الكيان الصهيوني» في ندائها الأخير لمجلس النواب «حتى تأخذ الحكومة موقفهم بشكل جدي» بحسب البستاني. لم يستجب مجلس النواب لطلبات الحملة بفتح لجنة تحقيق نيابية لمحاسبة من أدار الصفقة من الحكومات المتتابعة، ومتابعة الشكاوى التي قدمتها الحملة لهيئة مكافحة الفساد وكذلك مُتابعة الإنذارات العدلية التي قدمتها لدى المدعي العام ضد الحكومة. لكن بالنسبة للنائبة ديمة طهبوب «تم تحقيق أكثر من مطلب من مطالب الحملة» ومنها رفض المخصصات في موازنة 2020 المتعلقة باستملاك الحكومة للأراضي التي يمر بها خط الغاز بالرغم من أن الحملة طالبت برفض كامل الموازنة.

تقول طهبوب إن كتلة الإصلاح ستتقدم قريبًا بتقديم مذكرة تطلب فتح لجنة تحقيق نيابية، بالتوازي مع مُذكرة طرح الثقة التي قدمتها لرئيس المجلس في تشرين الأول من العام الماضي. تأخر اقتراح مشروع القانون كان بسبب انتظار النواب تفسير المحكمة الدستورية في أيلول 2019، وتأخرت مذكرة فتح لجنة تحقيق نيابية لأنه «ببساطة الاتفاقية ما كانت بين أيدينا». أمّا سبب تأخر التقدم بمذكرة سحب الثقة من حكومة الرزّاز، فمردّه بحسب طهبوب إلى التخوف من عدم القدرة على الحصول على الأغلبية اللازمة، مما سيعني «إعطاء ثقة جديدة».

ماذا عن أدوات المجلس الأخرى؟

بعد إعلان خطاب النوايا في 2014، طالبت فعاليات شعبية مجلس النواب بممارسة صلاحياته التشريعية ورقابته السياسية لإلغاء اتفاقية الغاز. لوّح نواب في المجلس السابع عشر بالاستقالة من المجلس وسحب الثقة من الحكومة، ووقع 78 نائبًا على مذكرة ضد اتفاقية الغاز.

تحوّل خطاب النوايا بين شركة الكهرباء الوطنية ونوبل إنيرجي في عهد حكومة عبد الله النسور إلى اتفاقية في 26 أيلول 2016، وهي الفترة التي توسطت حل مجلس النواب السابع عشر وانعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الثامن عشر في 7 تشرين الثاني 2016. الحكومات الثلاثة العابرة لمراحل تطور الاتفاقية، حكومة النسور الموقعة لخطاب النوايا، وحكومة المُلقي الموقعة لذات الاتفاقية، وحكومة الرزاز المُنفذة للاتفاقية ببدء ضخ الغاز، جميع هذه الحكومات حاججت بعدم ضرورة عرض الاتفاقية على البرلمان نظرًا إلى أنها اتفاقية شركات لا حكومات، وهو ما أيده قرار المحكمة الدستورية أيلول الماضي. أعاد بعض نواب المجلس الثامن عشر تهديدات الاستقالة من المجلس وعُقدت جلستان نقاشيّتان خلال أربع سنوات لمناقشة اتفاقية الغاز، الأولى كانت جلسة لرفض اتفاقية الغاز بعد ستة أسابيع من توقيعها في تشرين الأول 2016 والثانية بعد حوالي ثلاث سنوات في كانون الثاني 2019.

لو كان النواب جادّين بإلغاء الاتفاقية، فإنه كان بإمكانهم اقتراح مشروع قانون حجب الثقة عن الحكومة، بالنسبة يعلّق العطعوط، «وبالتالي أي رئيس قادم بده ييجي وراها بده يكون عارف إنه جاي بشرط إنه هاي الاتفاقية وجب الغاءها. هذا الحكي بتطبقش لأنه مجلس النواب مقيد برأيي». قدّمت كتلة الإصلاح ثلاث  مُذكرات لطرح الثقة عن الحكومة أولها كانت ضد قرارات حكومة المُلقي الاقتصادية ومنها اتفاقية الغاز، والثانية كانت في تشرين الأول من 2019 والثالثة كانت في 5 كانون الثاني من 2020. التصويت بطرح الثقة بالمُلقي لم يحصل على موافقة أكثر من 55 نائبًا، أمّا مُذكرات طرح الثقة ضد حكومة الرزاز فلم تدرج الأمانة العامة لمجلس النواب أيًا منها على جدول الجلسات الرقابية بما فيها الجلسة الرقابية التي حصلت يوم 11 شباط 2020. الإقليم المُلتهب يجعل من اقتراح النواب لطرح الثقة عن الحكومة غير حكيم بحسب ما صرّح به عاطف الطراونة في مقابلة مع قناة روسيا اليوم للحديث عن مشروع اقتراح القانون «مش كل ما بدق الكوز بالجرة منطرح الثقة».

رحلة البحث عن الاتفاقية

 «سرّية»، كان رد وزير الطاقة إبراهيم سيف العابر للحكومتين ردًا على طلبيْ حق الحصول على المعلومة، الأول في عهد حكومة النسور تقدمت به الحملة الوطنية لإسقاط صفقة الغاز للحصول على نسخة من خطاب النوايا. الطلب الثاني كان في عهد حكومة المُلقي وتقدم به الباحث القانوني أمجد المجالي للحصول على نص الاتفاقية. أمّا مجلس النواب الثامن عشر فلم تصله الاتفاقية حتى 19 آذار من 2017. وصلت بنود الاتفاقية السرية والعلنية لرئيس لجنة الطاقة النيابية، علي الخلايلة المؤيّد تأييدًا صريحًا لصفقة الغاز، والذي أعلن حينها أن اللجنة لن تكشف عن البنود السرية من الاتفاقية «لأسباب اقتصادية بحتة». لم يعنِ هذا أن البنود العلنية للاتفاقية رأت النور حيث رد الخلايلة النسخة المُترجمة من الاتفاقية لرئيس المجلس عاطف الطراونة بحجة ركاكتها وطلب ترجمتها من مكتب قانوني معتمد.

 وصلت ترجمة الاتفاقية المعتمدة في منتصف نيسان لرئيس المجلس أعلن بعدها الطراونة عرض الاتفاقية على المجلس بالدورة الاستثنائية التي بدأت في تموز من 2017بدأت وزارة الطاقة باستملاك الأراضي في شمال المملكة لمد أنابيب الغاز في شباط 2018 ولم ير المجلس نص الاتفاقية. أعاد المجلس انتخاب لجانه بعد استقالة حكومة المُلقي وتكليف حكومة الرزاز في تشرين الأول من 2018 فاستلم هيثم الزيادين رئاسة لجنة الطاقة النيابية، والتي كشف مُقررها في بداية 2019 النائب موسى هنطش عن انسحاب العديد من أعضائها بسبب تأجيل رئيس اللجنة اجتماعات مناقشة اتفاقية الغاز.

ترى طهبوب أن المجلس قد قام بدوره التشريعي بالنسبة لموضوع اتفاقية الغاز، «ولكن ما قمنا بالجزء الرقابي المتمثل بتحويل الاتفاقية ومن وقعوها للتحقيق». انتظار المجلس عامين حتى لتحصيل الاتفاقية كان «تنصل المجلس من صلاحياته» بحسب البستاني. خرج نص الاتفاقية المترجم للعلن في تموز من 2019 في المؤتمر الصحفي الذي أقامه صالح العرموطي بعد أن استطاع «بجهده» الحصول على نسخة من الاتفاقية دون أن يذكر الطريقة. تشير طهبوب إلى أن الكتلة قدمت طلبًا مباشرًا لرئيس اللجنة للاطلاع على الاتفاقية ولكن «صار يقلك رئيس لجنة الطاقة أنا مش مفوّض ما لم يأتيني طلب من المكتب الدائم أنا لا استطيع الافصاح». 

مسلوب الصلاحيات أم متخلٍ عنها؟

يرى البستاني أن المجلس قد تخلّى عن صلاحياته، وأن هناك «نوع من التنسيق بين السلطة ومجلس النواب من أجل تمييع هذا القانون، المجلس نفسه يريد تبرئة نفسه» دون الاشتباك مع السلطة. منذ أن بدأت الحملة في 2014 كان «تفاعلنا مع نواب أفراد وكتلة الإصلاح فقط» يقول البستاني. أمّا المجلس كمؤسسة رقابية لم يكن وأمانته العامة معنييْن بالتواصل مع الحملة بدليل تجاهل رئاسة المجلس للرسائل الرسمية التي وجهتها الحملة لمقابلة المجلس أو أي من لجانه النيابية، ورفض أمانة المجلس العامة توزيع ملفات فردية حضّرتها الحملة لكل نائب بكل المعلومات التي جمعتها الحملة عن الاتفاقية حتى يستند لها في معارضته لصفقة الغاز «إحنا البنود اللي وردت بالاتفاقية كنا نعرفها قبل ما تطلع الاتفاقية من البحث الي كنا نعمله والوثائق اللي معانا» بحسب البستاني. تمت مقابلة وحيدة مع رئيس المجلس عاطف الطراونة في منتصف 2019 بعد وساطة شخصية من النقيب السابق لأطباء الأسنان إبراهيم الطراونة طالبت من خلالها الحملة المجلس بمحاكمة من عمل على اتفاقية الغاز ووقف بناء خط الغاز والقيام بدوره التشريعي من خلال قانون يلغي الاتفاقية.

كان يمكن للنواب التحرك من أول يوم قبل بدء ضخ الغاز من خلال أدوات المجلس التشريعية والرقابية في سؤال واستجواب وحجب الثقة عن الحكومة، لكن «إحنا عارفين إنه هاي الأدوات مش موجودة حتى الإخراج كان سيء لآخر دورة في البرلمان»، يقول العطعوط. قد يكون المنفذ الوحيد اليوم لإلغاء الاتفاقية بيد السلطة التنفيذية «اللي تحكم البلد» لتترجم رفضها لصفقة القرن.

أما مجلس النواب، المجلس المنتخب الوحيد والأداة الرقابية الوحيدة فرفْض مئة بالمئة من أعضائه لاتفاقية الغاز لن يعني أي شيء للحكومة بدلالة عدم ردها حتى اليوم على مشروع القانون، يقول العطعوط.


1) وفقًا للمادة 95 من الدستور
2)استنادا للمادة 16.1.3 من الاتفاقية.