اتفاق «أبراهام» الإماراتي: تحالف الخائفين

الإثنين 24 آب 2020
أعلام إماراتية وإسرائيلية ترفرف في مدينة نتانيا المحتلة. تصوير جاك غويز، أ ف ب.

قد يكون السؤال الأهم الذي علينا طرحه في سياق فهم «المكالمة الهاتفية» التي جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي عهد الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، ورئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب هو: لماذا لم يَعُد للسرية والخجل في العلاقات مع «إسرائيل» ضرورة؟ ليس لأن التأصيل للتعاون التاريخي والمستمرّ بين العديد من الأنظمة العربية، خاصة في الخليج، والحركة الصهيونية غير مهم، ولا لأن التأريخ للعلاقات الإماراتية-الإسرائيلية القديمة نوعًا ما ليس لازمًا، ولكن لأن الإعلان الصريح عن العلاقة وخلْق سردية سياسية كُبرى حولها هو ما جعل هذا الإعلان مغايرًا. هذا الإعلان قفز عن القضية الفلسطينية، بل داس عليها بعد أن فقدت القضية قدرتها على «الإحراج»، وفقدَ العديدون خجلهم أيضًا.

تناول عالم الاجتماع الألماني جورج زيميل بعمق السر والسرية كظاهرة اجتماعية، مؤكدًا على أن السرية واحدة من الظواهر الاجتماعية الأهم، لأنها تخلق عالمًا اجتماعيًا موازيًا، وبالتالي تعمل على توسعة المجال الاجتماعي والممارسات الاجتماعية الممكنة. لهذا يمكن القول إن أكثر الممارسات الاجتماعية المنبوذة تحدث أو حدثت بالسر، وأكثر الممارسات الاجتماعية بطولة ولربما أهمية أيضًا تحدث أو حدثت بالسر. يمكن تخيل مثلًا سرية اتفاقيات أوسلو أو بيع الأرض للعدو كممارسات سياسية واجتماعية منبوذة، احتاجت بالتالي إلى السرية، ويمكن أيضًا تخيّل السرية التي تُتِيح لمجموعات المقاومة في غزة إطلاق صواريخها لعمق الكيان كممارسات بطولية تحدث أو حدثت بالسر. 

ما أجمع عليه العرب حتى الأعوام القليلة الماضية هو حقيقة أن على التواصل مع «إسرائيل» أن يبقى طي الكتمان، وأنه لا يُمكن الإفصاح عنه دون دفع أثمان سياسية باهظة.

بهذا المعنى تحديدًا، كان التواصل العربي مع «إسرائيل» منذ بدايات المشروع الصهيوني مغلّفًا بالسرية، وكان التحالف معها والاستقواء بها مغلّفًا بصفقات حدثت خلف الأبواب المغلقة وفي عواصم بعيدة وباردة. اختلفت الأسباب والدوافع وراء هذا التواصل معها، ولكنّ ما أجمع عليه العرب حتى الأعوام القليلة الماضية هو حقيقة أن على التواصل مع «إسرائيل» أن يبقى طي الكتمان، وأنه لا يُمكن الإفصاح عنه دون دفع أثمان سياسية باهظة، وأحيانًا مكلفة وصلت حد الاغتيال، نذكر منها اغتيال أنور السادات وبشير الجميل. 

لكنّ الثمن لم يعد باهظًا بعد أن خفَتَ دور التيارات العروبية والقومية أو تلاشى تمامًا، وبعد أن ضعف الفلسطيني وانقسم على نفسه، مُحاصَرًا في غزة، ومتعاونًا مع «إسرائيل» في الضفة. بل يمكن القول أن الوهن الفلسطيني الداخلي هو أهم عامل يتيح القفز عن السرية. وبذا، تلعب السلطة الفلسطينية والتيارات التي تقف على هامشها دورًا فاعلًا في خلق الظروف التي تتيح للإمارات إعلان تطبيعها. وبهذا تخرج الإمارات عن قرارات الجامعة العربية، وتتغنى بأنها أوقفت ما كان أصلًا مجمدًا؛ الضم في الضفة الغربية. السلطة الفلسطينية التي قبلت بأن يكون العجز موقفها، بل حولت مقولة «لا حول ولا قوة الا بالله» إلى مقولة أيديولوجية تتغنى بها وتتباهى فيها، عاجزة عن منع الاندفاع العربي نحو التطبيع، وقوية فقط في قمع المجتمع الفلسطيني وقدرته على المقاومة. هذه السلطة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية تجاه ما يحصل من تهميش واضح وعلني للقضية الفلسطينية.

ما يدفع الإمارات نحو التطبيع العلني هو ثالوث مهم: العلاقة الشخصية القوية القائمة بين حكام الإمارات وإدارة الرئيس ترامب وسعي الإمارات لنيل صفقات أسلحة والمساهمة في ضمان أربع سنوات جديدة للرئيس الأمريكي الحالي. ولا يمكن في الحقيقة التقليل من دور العامل الشخصي في صناعة هذه اللحظة -ترامب وصهره ومحمد بن زايد وبنيامين نتنياهو- بالرغم من تواجد عوامل اقتصادية وسياسية تدفع باتجاه التطبيع العلني. أمّا العنصر الثاني فهو التأزم الاستراتيجي للإمارات، والفشل العسكري والسياسي الذي مُنيت به في العديد من الملفات خاصة في سوريا واليمن، بل حتى في الحصار الرباعي على قطر. والعنصر الثالث هو سعي رأس المال الخليجي إلى قوى عسكرية وسياسية يمكن توظيفها وتوظيف العلاقات الاقتصادية معها لأجل خلق توازن يُحافظ على الوضع القائم ويحمي رأس المال الخليجي، خاصة وأن أمريكا تُعيد تقييم دورها في المنطقة وتتجه نحو الشرق. وقد كان الإعلان عن نية «إسرائيل» الموافقة على الضم ومن ثم التراجع عن هذا الإعلان بمثابة المسوّغ المباشر، الذي تُقدم فيه الإمارات «تنازلَ» «إسرائيل» عن الضم مقابل تطبيعها الكامل للعلاقات معها، وبهذا حرصت الإمارات على أن تظهر وكأنها تقدم انتصارًا لفلسطين. هذا الحرص يأتي لأنها تعلم تمامًا أنه بالرغم من إمكانية تدشين علاقات علنية دون أثمان باهظة، إلّا أن الأغلبية الصامتة داخل الإمارات وفي الخليج والعالم العربي ضد التطبيع السرّي والعلني، حتى لو فقدت هذه الجموع اليوم فعاليتها لأسباب معقّدة ومركبة. 

إعادة تعريف العدو

في ثنايا اللحظة العلنية جدًا التي تكللت الأسبوع الماضي بإعلان أول اتفاقية سلام بين «إسرائيل» ودولة عربية خارج دول الطوق -مصر والأردن- سؤال عن الهوية العربية وأفولها وتحوّلها المُطّرِد إلى هويات متناثرة قُطرية وطائفية وإثنية يحتمي فيها العربي من العربي الآخر، ويبرر فيها العربي خياناته المتكررة لنفسه والعربي الآخر، من خلال الإشارة لهزائم متتابعة، كان أهمها أفول المشروع الناصري واصطدامه بنهايته في العام 1967، حين ضاعفت «إسرائيل» مساحتها إلى ثلاثة أضعاف. 

الفشل الذي مُني به العربي في مواجهة خطر «إسرائيل» دفع بالتيارات التي رأت في التعاون خلاصها إلى الأمام. هذا الاندفاع العلني والحميمي نحو «إسرائيل» من بعض النخب الحاكمة يأتي في سياق مُتخم بسرديات الهزيمة والعجز، بل يأتي في ظل منظور أيديولوجي لنخب حاكمة حولت العجز إلى صيغة مُطلقة وحولت العدو «إسرائيل» إلى سلطة/قوة مطلقة. بتعبير آخر، عجز مُطلق في مواجهة سلطة/قوة مُطلقة. بهذا المعنى، لا تلتقي الإمارات مع «إسرائيل» كندّ أو شريك، بل في ظل توازن قوى لصالح «إسرائيل»، ولصالح منظور عربي مهزوز مُعجب بالحداثة الإسرائيلية وعاجز عن مواجهتها، يرى فيها خلاصه ولا يقدر على خوض معاركه الخاصة، يبحث عن أصدقاء في واشنطن وتل أبيب ليستقوي على المنطقة وشعوبها. 

في قصة تشكّل دولة الإمارات العربية المتحدة وبنائها ما يشير إلى دور التعاون، ليس فقط في إفشال مشاريع الاستقلال والوحدة وعدم الانحياز العربية المختلفة، ولكن أيضًا مع القوى الاستعمارية في خلق هويات وطنية وقُطرية جديدة، وفي تشكّل فضاءات تطورت على إثرها طبقة رأسمالية خليجية متنفّذة، سعت وما زالت تسعى لحماية مكتسباتها، ورأت في بريطانيا وأمريكا ما تراه اليوم في «إسرائيل»؛ خلاصها من منافسيها، وقوّة وازنة في صراعها على البقاء. لهذا سخّرت الدول الخليجية برمتها طاقة كبرى في خلق عداوات جديدة، فأحيت ودفعت وموّلت التيارات الإسلامية في مواجهة المد التقدمي واليساري حتى بدايات التسعينيات، ومن ثم أحيت من خلال شبكة معقّدة من الإعلام والإنتاج الثقافي عداوات على شاكلة سني وشيعي لتوظفها في مواجهة إيران.

وما زال سؤال كيف نخط مسارًا سياسيًا مستقلًا متحررًا من التعاون، وقادرًا على الإجابة عن الضرورات الحياة اليومية، السؤال المركزي لمجتمعاتنا

يأتي هذا الإعلان بعد أن تحولت المشاريع السياسية القائمة على الأيديولوجيات العروبية كالناصرية والبعث والحركات القومية الأخرى إلى قوى صغيرة لا تمتلك مقوّمات الصمود أمام الأموال الخليجية والصدمات المتتالية التي اقترنت بالإدارة السيئة للمعركة العسكرية مع «إسرائيل». وانتقل ثقل الممانعة والمقاومة والمواجهة من التيارات العروبية إلى تيارات إسلامية، خاصة تلك التيارات التي قادتها ومولتها إيران عقب نجاح ثورتها على الشاه. بتعبير آخر، يأتي الإعلان بعد أن استطاعت «الرجعية العربية» التي يمثّل التحالف الخليجي الأمريكي ذروتها، التغلب على التيارات القومية وتكليل ذلك التحول باتفاقات سلام متعاقبة، كان أولها اتفاقية السلام مع مصر، مرورًا باتفاقيات أوسلو ووصولًا إلى اتفاقية وادي عربة مع الأردن. كما استطاعت أيضًا احتواء أثر الحركات الإسلامية على شاكلة الإخوان المسلمين من خلال تمويلها واحتوائها، أو في العقد الماضي من خلال الصراع العلني والمفتوح معها.

اقترنت البراغماتية اصطلاحًا -في العالم العربي وفي فلسطين- بالرؤية والموقف من «إسرائيل» أساسًا؛ أنت جذري إذ ترفض «إسرائيل»، براغماتي إذا لم تقبل التعاطي معها والتعاون على أسس المصلحة المشتركة والتي عادة ما تحيل إلى مصلحة الأنظمة الضيقة. بتعبير آخر، إذا ما كان التعاون مع «إسرائيل» والإمبراطوريات المتعاقبة هو أساس البراغماتية، فإن قصة نشأة الدول الخليجية استندت على هذه البراغماتية. لقد أضحت البراغماتية متلازمة سياسية دخلت في عملية بناء الدول في المنطقة وما زال سؤال كيف نخط مسارًا سياسيًا مستقلًا متحررًا من التعاون، وقادرًا على الإجابة عن الضرورات الحياة اليومية، السؤال المركزي لمجتمعاتنا، إي أنه قادر أيضًا على تقدم رؤية سياسية قابلة للتحقق ورسم المستقبل بل لربما صناعة احتمالات جديدة في ظل تحالف الطُغاة مع الاستعمار.

رأسمال خليجي خائف

في مكانيكيّات اللحظة العلنية جدًا أيضًا سؤال مركزي عن دور الرأسمال الخليجي الباحث عمّن يحمي مكتسباته الاقتصادية التي حققها بفضل الحماية العسكرية الأمريكية، وكميات النفط والغاز التي حولت الخليج إلى أحد أهم الجغرافيات الاقتصادية في العالم. 

هذه الطبقة الرأسمالية التي بالرغم من امتلاكها كل شيء، إلّا أنها، وكما يحدثنا ماركس تقلق، بل تحتد في قلقها على فقدان كل شيء. الرأسمالي يخاف دومًا المنافسين الكثر الذين يهرولون وراء أمواله. لهذا تستثمر في خلق وإنتاج وإعادة إنتاج الواقع الملائم لاستمرار تراكم رأسماله. وقد يكون الرأسمال خاصةً في الإمارات والسعودية أمام خيارات صعبة تحفزها مجموعة من العوامل، بما فيها الخطر الذي يشكله النفط الصخري على العلاقة مع أمريكا، والاضطرابات في أسواق النفط والغاز العالمية، والتنافس الصاعد بين الصين وأمريكا، والأهم من ذلك الفشل النسبي في تحقيق انتصارات ملموسة في سوريا واليمن والعراق، وتمدّد إيران واستحواذها على قوس جيواستراتيجي يمتد من غرب أفغانستان ليصل شواطئ المتوسط مقابل الساحل اللبناني. 

وقد يكون خوف الأمراء من لقاء مصير رؤساء الجمهوريات في مصر وليبيا وغيرها من بلدان الانتفاضات العربية مشروعًا. أكثر ما أغضب الإمارات والسعودية في العقد الأخير هو استعداد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما للتخلي عن الرئيس المصري السابق حسني مبارك، بل والتحالف الضمني مع حركات اجتماعية وسياسية كالإخوان المسلمين والسماح لهم بالوصول إلى سدة الحكم في مصر. كان هذا التحول الطفيف في السياسة الخارجية الأمريكية بمثابة ناقوس خطر وجودي هزّ حكام «مدن الملح» وهزّ ثقتهم بحماية أمريكا لهم مهما يحصل، بل دفع بهم باتجاه حصار ومعاقبة قطر أيضًا على علاقتها مع الاخوان وتركيا وتقاربها أحيانًا مع إيران.

بهذا المعنى، فإن الخوف هو ما حرك الإمارات للاندفاع نحو هذا الاتفاق العلني؛ الخوف من تجدد التظاهرات والانتفاضات وعودة الشعوب إلى الميادين، وتغييرها لموازين المنطقة، والخوف من الحليف الأمريكي ومن استعداده لرمي حلفائه، والخوف من إيران، والخوف من الجغرافيا على شاطئ الخليج. هذا القلق الدائم من أفول دول ساهمت الإمبراطوريات في صناعتها والحفاظ عليها وحمايتها، يخبرنا بأن هذه الأنظمة تعي تمامًا أن لا شيء يدوم وأن الواقع متغير ومتبدل، وأن السلطة أيضًا تأتي في دورات لها بداياتها كما لها نهايتها كما أخبرنا ابن خلدون.

يلتقي هذا الخوف الإماراتي من فقدان كل شيء مع خوف إسرائيلي دائم من اندثار «إسرائيل»، ومع قلق وجودي يجعلها تنهمك في عملية الدفاع الدائم عما حققته من استحواذ على الأرض في وسط الجغرافيا العربية. يلتقي الخوفان ليؤسسا لاتفاق الخائفين والقلقين والجزعين.

كي الوعي والوعي المضاد

في بعض مدارس التحليل النفسي هناك تشديد على العلاقة الحميمية بين الكيفية التي نتلقى بها العالم، وقدرتنا على التحرك داخله وإيجاد فعاليتنا فيه. بهذا المعنى هناك فضاء واسع مفتوح للتلاعب السياسي في تصوراتنا حول العالم، وبالتالي، في قدرة اللاعبين السياسيين على خلق أدوات التأثير وإنتاج وعي مُغاير. رافقت عمليات كي الوعي دولة «إسرائيل» منذ بدايتها، ووظفت في علاقتها مع من تبقى من فلسطينيين في حدودها عقب النكبة في العام 1948، كما توظف اليوم في إعلان بقائها بيننا كتحصيل حاصل وضيف مرغوب به من قبل حُكام المنطقة. وفي مقاله الشهير، الجدار الحديدي، قدّم زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي لحزب الليكود الصهيوني، مقاربته التي يقول فيها إنه فقط من خلال ترسيخ قوة «إسرائيل» العسكرية في الوعي العربي والفلسطيني تستطيع الأخيرة تطبيع هذا الوجود، وتحويل فلسطين من موضوع ومشروع قابل للتحقق إلى فردوس مفقود، ليذكروا فلسطين كما يذكرون اليوم الأندلس، كقصة عن أرض كانت في حوزتهم، ويبكون فقدانها وانتهى. 

لهذا تشكل سردية الهزيمة بأبعادها التراجيدية والقبول بها بما تحيل إليه من حتمية تاريخية، الخطر الأكبر على العرب، ليس لأن الأرض أهم من الإنسان، وليس لأن فلسطين تأتي قبل كرامة الإنسان العربي وتطلعاته لحياة آمنة، ولكن لأن «إسرائيل» لن تترك العرب وحدهم، ولأن ما يمنع التغيير في العالم العربي وما يلاحق معيشتهم وحياتهم وتطلعاتهم ويهددهم وعائلاتهم هي «إسرائيل» أيضًا.

ما يقوله «اتفاق أبراهام» لشعوب المنطقة هو أن أكبر الخاسرين في حال قرر العالم العربي بناء قوته السياسية والاقتصادية الذاتية والخروج من مضمار التبعية هما الطبقة الحاكمة والرأسمالية المتنفذة في الخليج وبطبيعة الحال «إسرائيل».

حاول البعض، وبينهم تيارات ثقافية وسياسية عربية، القول بأن ما يؤخر العرب هو رفضهم وجود مستعمرة تشكل أكبر قاعدة عسكرية أجنبية في المنطقة، وأن المطلوب من العرب هو القبول بها وتخطي القضية الفلسطينية حتى ينعموا بالأمن والسلام والازدهار. «إسرائيل» هي التي تتحالف مع القوى التي تريد أن تُبقي العالم العربي ضعيفًا وخائفًا، وغير قادر على صناعة التاريخ وصياغة مشروعه الخاص في العالم. تريد للعربي أن يصل إلى قناعة أن نجاته تكون فقط من خلال التعاون والتماهي مع إمبراطورية تل ابيب ومن ورائها أمريكا. ما يقوله «اتفاق أبراهام» لشعوب المنطقة هو أن أكبر الخاسرين في حال قرر العالم العربي بناء قوته السياسية والاقتصادية الذاتية والخروج من مضمار التبعية هما الطبقة الحاكمة والرأسمالية المتنفذة في الخليج وبطبيعة الحال «إسرائيل».

نعيش اليوم في عالم الاستقطاب والتحولات والصدامات، والصراعات الاجتماعية ما بين يمين شعبوي ويسارٍ تقدمي في الشمال العالمي، وما بين أطروحات في الجنوب حول ضرورة استعادة السيادة السياسية التي نهشتها العولمة والتي جلبت دمارًا بيئيًا واجتماعيًا، خلق استقطابات اجتماعية وطبقية حادة. في ظل الاستقطابات الحادة التي تعتري عصر التحولات هذا، كان لا بد أيضًا أن تظهر إلى العلن طبيعة الانقسام الحاد في العالم العربي منذ أن حل أوائل المستوطنين الصهاينة فيه، ما بين نخب سياسية واقتصادية ترى في التعاون أساسًا لبقائها، بل رأت في المستوطنين هؤلاء قوة جديدة يُمكن التعويل عليها في الصراعات العربية الداخلية، وما بين قوى تضع نصب أعينها عملية التغيير الجذري والنهضة الحضارية العربية، وفي الالتقاء ما بين هذه القوتين اليوم صراعات دموية وصراع محتدم على الوعي أيضًا بدأ يظهر إلى العلن. 

بناء تضامن عربي اليوم يحتاج فهمًا لطبيعة علاقة الرأسمال العربي والطبقة المتنفذة فيه والعدو، أي علاقة مراكمة الرأسمال في الأردن والإمارات وفلسطين ولبنان ومصر وغيرها ببعضها، ودور العدو كرأس حربة عسكري يُحافظ مع مجموعة أخرى من العوامل على البنى الاجتماعية التي لا تتوقف عن خلق وإعادة إنتاج التبعية والاستقطاب الطبقي والاستغلال الاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي. علاوة على ذلك هو موقف سيادي يرفض تدخل وهندسة المجتمعات العربية بحيث تحافظ على مهادتنها أو سلمها أو تعاونها مع «إسرائيل». بهذا المعنى الموقف من «إسرائيل» هو موقف ليس لأجل فلسطين كقضية حضارية وقومية كبرى، بل أيضاً موقف في لعن السيرورة اليومية للحياة في العالم العربي بما فيه من ظلم واضطهاد، يسعى وما زال جيل جديد من المناضلين والنشطاء لتغيير هذا الواقع. بهذا المعنى تحديدًا، يقدّم اتفاق ابراهام الاستقطابات السياسية بوضوح، نظام اجتماعي وسياسي بائد وقديم تحميه أمريكا و«إسرائيل» أمام تضامن عربي عربي يسعى لقلب بنية الحياة اليومية رأسًا على عقب. 

خاتمة

تعاني «إسرائيل» من عدة قضايا مترابطة، ديموغرافيا محصورة، وقدرة قليلة على استقطاب مستوطنين جُدد، وصعود قوى سياسية واستراتيجية أقل ارتباطًا بمشروع «إسرائيل» ودوره في المنطقة على شاكلة روسيا والصين، وحرب أهلية داخلية على مؤسسات الدولة واستقلاليتها، وخوف رئيس وزرائها من المحاكم التي تلاحق فساده المالي، وفعالية محدودة في المواجهة العسكرية مع أعدائها. «إسرائيل» أيضًا في شيخوختها وهي تتجه نحو التحالفات مع العالم العربي بهدف توسعة خياراتها الاقتصادية، واستثمار غازها، وإيجاد أسواق جديدة لمنتجاتها، وفي خلق سردية تطمئن سكانها ونفسها بأنها اليوم أصبحت مقبولة، بل مُرحبًا بها في المنطقة.

بهذا المعنى، علينا وضع ما حصل وتأطيره في موقعه الملائم، «إسرائيل» ليست مقبولة أكثر والمجتمعات العربية تعي تمامًا موقفها من انتزاع الأرض بالقوة خاصة عندما تكون الأرض أرضها. ما يحرّك هذا الاتفاق هو قلق وتبعثر استراتيجي، وخوف لقوى سياسية راهنت وما زالت تراهن على التعاون مع الإمبراطوريات المتعاقبة في المنطقة، نخب سياسية اتخذت من التعاون منهجًا ومن «إسرائيل» حليفًا في قمع الانتفاضات والحدّ من التوسع الإيراني.