قصة انفجار معلن: ما الذي يحدث في تشيلي

الإثنين 11 تشرين الثاني 2019
صورة لإحدى المظاهرات التي شهدتها العاصمة التشيلية سانتياغو، في ٨ تشرين الثاني الحالي. تصوير خافيير توريس

«عندما يبدو أنه ما من مستقبل، حينها وحينها فقط، يبرز لنا الماضي والحاضر والمستقبل بالتزامن، متمثلين بأجسادٍ ترفض تركَ الشّوارع، مبشّرةً بتجمّعها في مساحاتٍ أفقيّة وصاخبة بواقعٍ جديد: انتهت صلاحيّة دستور بينوشيه، أو كما أعلنت إحدى لوحات الغرافيتي في وسط سنتياغو «ولدت النيوليبرالية في التشيلي وستموت فيها»».

تكثّف الروائية التشيلية أليا ترَبوكو سِران في مقالتها عن الانتفاضة المستمرّة في التشيلي منذ أسابيع ستّةً وأربعين عامًا من عمر بلادٍ تتشبّث بشبح الذاكرة وتلقي بعبئه عن كاهلها في آن. هل يمكننا فهم أي انفجارٍ أو محاولة تغيير في هذه البلاد المأزومة بتحوّلاتها وتناقضاتها وعلاقتها المرتبكة بالتاريخ والتواريخ بمعزلٍ عن 11 أيلول 1973؟ هل يمكننا اختيار نقطة بداية غير تلك التي أعلن فيها الجنرال اليميني أغوستو بينوشيه انقلاب الجيش على سلفادور أيّندي وائتلافِهِ اليساري المنتخب ديمقراطيًا ممهّدًا لعصر اقتصاديّ جديد في التشيلي وفي العالم؟ كيف لأي مواطنٍ تشيليّ قرأ بيان الرئيس اليميني المحافظ سِبَستيان بِنييرا عن فرض حالة الطوارئ وحظر التجوّل في 18-19 تشرين الأول/أكتوبر 2019 ورأى مدرّعات الجيش والشرطة (الكَرَبِنيرُس) في شوارع العاصمة سنتياغو أن يبقي 11 أيلول 1973 بمشاهده المماثلة مركونًا في حواشي الذّاكرة؟ 

ذُكر في الإعلام أنها المرّة الأولى التي تفرض فيها حالة الطوارئ وحظر التجوّل في التشيلي منذ نهاية ديكتاتورية بينوشيه (1973-1990) إذا ما استثنينا حالة الطوارئ التي فرضت بعد زلزال شباط/فبراير 2010. يعيد المتظاهرون والمتظاهرات بترديدهم أغنياتٍ مثل «الحق بالعيش في سلام» لفيكتور خارا الذي قطّعت أصابعَهُ وأعدمته قواتُ بينوشيه في أيلول 1973 أو «الشعب متّحدًا لن يهزم أبدًا» التي غنّاها فريق كيلابايون أجواء العام 1973 بصراعاته الطبقية واستقطاباته إلا أنّ الرمزية التي تكتنزها هذه المشهدية والملامح المشتركة بين المرحلتين لا تجيز اعتبار الصراع الحالي في التشيلي مجرّد طبعة معدّلة من أيلول 1973. 

الجيلُ الذي يقود التظاهرات والاشتباكات في التشيلي ناقمٌ على النّخبة السياسيّة بشقّيها اليميني واليساري، وحين يؤكّد أن انتفاضته خرجت ضد ثلاثين عامًا لا ثلاثين بيسو (قيمة رفع تذكرة المترو) فهو يشمل الحكوماتِ المتعاقبَة، يمينيةً ويساريةً، التي كرّست وحافظت على إرث الديكتاتورية من سياساتٍ نيوليبراليّة وخصخصة وتعميق فجوات. يتصدّر «كلّن يعني كلّن» بنسختها التشيلية الرّئيسُ الملياردير سبستيان بنييرا والجيش والشّرطة والبنوك والشّركات المحلّية ومتعددة الجنسيّة التي تسيطر على المياه الصالحة للشرب والكهرباء والموارد الطبيعية والخدمات الصحية والمواصلات العامة والتعليم ومخصّصات التقاعد، ولكن أحزاب الجبهة الموسّعة (يسار المركز) والحكوماتِ التقدّميَة السّابقة ليست مستثناةً من النظام القائم الذي يسعى المتظاهرون إلى إسقاطه.

وبعد أكثر من عشرين قتيلًا وآلاف المعتقلين والجرحى يواجه المئات منهم خطر فقدان البصر وعشرين حالة إخفاء قسري واعتداءات جنسية ممنهجة على المتظاهرات، يتواصل الانفجار الشعبي غير المسبوق في تشيلي من دون أن تنجح تدابير بنييرا وتراجعه عن قرار رفع سعر تذاكر المترو وتغييراته الحكومية في إخماد الحريق الآخذ بالتمدّد إلى مساحاتٍ ومناطقَ وفئاتٍ لم يسبق لها الانخراط في أي حراك ثوري.

تحاول هذه المقالة تقفّي السياسات التي أدّى تجذّرها وتراكمها إلى تحويل التشيلي من «واحة استقرار ونمو في قارّة تتلاطمها الأزمات» -كما تباهى بنييرا- إلى بؤرة من الغليان الاجتماعي. ما علاقة الانتفاضة بالحركات الاجتماعية الأخرى في التشيلي وما الذي يميّزها عنها؟ كيف نفسر انضمام قطاعاتٍ واسعة من الطبقة الوسطى إلى حراكٍ أشعله أبناء أحياء سنتياغو الشعبيّة في 7 تشرين الأول باحتلالهم قطارات الأنفاق احتجاجًا على زيادة أسعار التذاكر في ساعات الازدحام بـ(30) بيسو؟ وكيف نقرأ انتفاضة تشيلي ضمن سياقٍ عامٍ في أميركا اللاتينية سيطر عليه في الأعوام الأخيرة انحسار «المد التقدّمي» وأفول نجم الحكومات اليسارية والتقدمية وصعود اليمين الجديد؟

 «التشيلي تستيقظ»

سأتوقّف بدايةً عند شعار «التشيلي تستيقظ» وهو أحد أبرز الشعارات التي رفعت مع تحوّل صعود طلّاب المدارس الثانوية القطارات من دون تذاكر من احتجاجٍ عفويٍّ غاضب إلى انتفاضة شعبية عارمة. ما نشهده منذ أواسط تشرين ليس يقظةً مباغتةً أو ربيعًا أو هبّةً موسميّةً، إنّما انفجارٌ اجتماعيّ حتميّ حتى وإن كان توقيته مفاجئًا لأن المحتجّين لم ينتظروا السّقوط الحر ليعلنوا عصيانهم المدني.

يقول الباحث الأوروغوياني والخبير بالحركات الاجتماعية في أميركا اللاتينية راوول سيبِتشي إنّ فقراءَ التشيلي وطلّابَها ونسويّاتِها وسكّانَها الأصليين المابوتشي لم يناموا أبدًا وإن الذين استيقظوا في هذا الحراك هم الصحفيون والأكاديميون الذين اكتشفوا أن نموذج الرخاء والاستقرار الذي تصدّره الطّبقة الحاكمة في التشيلي ليس سوى فقاعة. يعزّز «الشّارع» ادّعاء سيبِتشي إلى حدٍّ بعيد، فمنذ العام 2006 يمكننا الوقوف على أربع حركات اجتماعية على الأقل نظّمت إضراباتٍ واحتجاجاتٍ نوعيّةً أو اتّخذت أسلوب المقاومة اليومية ضد السلطة وأذرعها. وأقصد بهذه الحركات، أوّلًا، طلّاب الجامعات الذين نظّموا احتجاجاتٍ واسعة للمطالبة بمجّانية التعليم العالي وبإلغاء الديون المتراكمة على الطلاب نتيجة القروض وبإحداث تغييراتٍ جذريّة في نظام التعليم في عاميّ 2006 و2011، لكن في الجولتين لم ترقَ الإصلاحات التي أقرّتها الحكومة في أعقاب الاحتجاجات إلى مستوى المطالب واقتصرت على بعض التحسينات. الحركة الثانية هي حركة «No más AFP» (تسقط شركات إدارة صناديق التقاعد)، السّاعية منذ انطلاقها في العام 2016 إلى إرساء نظامٍ تقاعديّ جديد تكون أولويته ضمان الحياة الكريمة والآمنة لبالغي سنّ التّقاعد والحدّ من نفوذ الشركات الخاصة التي تكسب ثرواتٍ طائلة بينما يتقاضى 80% من التشيليّين رواتبَ تقاعديّةً بائسة دون الحد الأدنى للأجور، أي أقل من 414 دولار. يعود هذا النظام التقاعدي إلى العام 1981 وواضعه هو وزير العمل آنذاك خوسيه بنييرا، شقيق الرئيس الحالي.

الحركة الثالثة تتركّز في مقاطعة أرَوكانيّا في الجنوب، والتي احتلّها الجيش التشيليّ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قبل بيع أو تسليم الأراضي التي استولت عليها الدّولة التشيليّة وضمّتها إلى نفوذها إلى شركاتٍ خصّة. ويقاتل في هذه المقاطعة من تبقّى من السكّان الأصليّين المابوتشي لاستعادة حقوقهم الثقافية وسيادتهم وأراضيهم ومصادر المياه التي تسيطر عليها الشركات متعددة الجنسية بحماية الجيش والشرطة وحرس الحدود. وإذا كانت الطوارئ حدثًا نادرًا في التشيلي بعد الانتقال إلى الديمقراطية فإنها مشهد متكرّر في يوميّات المابوتشي في بلدات وتجمعات أروكانيّا حيث العسكرة واقع معاش والرد بالرّصاص والاعتقالات التعسّفية على التظاهرات السلميّة فعلٌ روتينيّ. وفي مناسباتٍ معيّنة، تجاوزت احتجاجات المابوتشي حدود أروكانيا كما حصل بعد مقتل المزارع المابوتشي الشاب كَميلو كاتريّانكا برصاص الشرطة التشيلية في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 أثناء أحد اقتحامات الجيش لإخلاء السكان من أراضٍ نجحوا في استعادتها. خرج ردًّا على تلك الجريمة الآلاف في مسيراتٍ نحو القصر الرئاسي في سنتياغو احتجاجًا على قمع شعب المابوتشي وإقصاء قضاياه. إقصاءٌ يتحدّاه أبناء وبنات شعب المابوتشي من خلال مشاركتهم الكثيفة في الحراك الحالي ملوّحين بأعلامهم الوطنية ومردّدين أهازيجهم الشعبية الرافضة قوالب التعددية الثقافية الفولكلورية التي تروّج لها الدولة. ومن اللافتات التي برزت في «مليونية» سنتياغو في 25 تشرين الأول كانت رسالة اعتذار إلى شعب المابوتشي: «سامحونا لأننا لم نصدقكم، لقد عرفنا المجرمين الحقيقيّين».

لأوّل مرّةٍ في نصف قرن يملك التشيليّون فرصة لتغيير الخارطة السياسية والاجتماعية في البلاد لا مجرد استبدال حزب بآخر أو رئيس محافظ باشتراكي.

تتمايز الحركات الاجتماعية التي يقودها السكان الأصليون في أميركا اللاتينية، ومن بينهم المابوتشي، عن سائر الحركات الاجتماعية ذات الطابع المديني بتنظيمها الأفقي والتشاركي وبقدرتها على إنتاج علاقات اجتماعية وأنماط حياة خارجة عن النمط الرأسمالي وسلطة الدولة والأحزاب، ومتحرّرة منها. ولكن هاتين الميزتين تجعلان نضالات السكان الأصليّين عرضةً لقدرٍ أعلى من العنف والقمع العاري تحديدًا لأنها تعيد تعريف الممكن السياسي وتخلق بدائل عن مؤسسات الدولة مشكّلةً بذلك تهديدًا مباشرًا لأركان المنظومة. ورغم صعوبة إعادة إنتاج أشكال المقاومة المتّبعة في تجمّعات أروكانيّا في حيّز مديني خاضع لسيطرة الدولة المباشرة فإن تواجد السكان الأصليين في الصفوف الأمامية متظاهرين ومنظِّمين ومشاركين في النقاشات يفتح آفاقًا أوسع أمام الحراك ويفرض على التشيليّين البيض مواجهة تاريخهم الاستعماري والتفكير بتبنّي رؤى مختلفة وأكثر جذريةً ورموز وطنية جديدة تُحدِثُ قطيعةً مع هذا الإرث الاستعماري تمامًا كما تسعى الاحتجاجات إلى إحداث قطيعة مع السياسات النيوليبرالية. 

أمّا الحركة الرّابعة فتضمّ المجموعاتِ النسويّةَ التي صعّدت نضالها في السنوات الأخيرة لإنهاء تجريم الإجهاض ومحاربة العنف الجندري وفضح الأبوية في الجامعات، كما وتلعب النسويات دورًا قياديًا في الحركات الاجتماعية الثلاث وخاصّةً في نضالات السكان الأصليين.

أمّا هذه الانتفاضة، فالحامل السياسي لها هي النقابات المسؤولة عن تنظيم الإضرابات والحركات الاجتماعية التي تشمل مجالس أحياء وحركات طلابية ونسوية وتجمعات المابوتش ومجموعات تولد عضويًا في الشارع مع اتساع رقعة المظاهرات. وأي قراءة للانتفاضة الحالية تتعامل معها وكأنها ولدت من فراغ وتتجاهل الحركات الاجتماعية والمقاومات اليومية التي سبقتها وأسّست لها وغذّت خطاباتها وجماليّاتها وألهمت أدواتها ستنتج تحليلاتٍ سطحيّةً وضبابيّةً للانتفاضة، ومن يقتطعون الانتفاضة من سياق حركات اجتماعيّة أخرى تنشط في التشيلي ستكون صدمتهم مشابهة لتلك التي ألمت بالمهلّلين للنموذج التشيليّ والمتغنّين بتجربة الانتقال الديمقراطي السلس وعمليّاته التجميلية.

لعلّها مفارقة أن تكون محطات المترو مكان انطلاق الانتفاضة لأنّ شبكة قطارات الأنفاق في سنتياغو كانت جوهرة التاج في نموذج الحداثة والازدهار التشيليّ. افتتحت الشبكة التي حملت حينها اسم «ترانسنتياغو» في العام 2007 بترويج نجوم وشخصيات عامة أبرزهم لاعب كرة القدم السابق إيفان زامورانو. ومنذ تدشينها شهدت الشبكة الأكثر تطورًا في أميركا الجنوبية أعطالًا وتشويشاتٍ مستمرة وهكذا بات الحل لرفع نجاعة شبكة المواصلات العامة هو تسليم إدارتها وتشغيلها إلى مجموعة من الشركات الخاصّة، والتي بدورها ضغطت على الدولة لرفع أسعار التذاكر بالإضافة إلى التمويل الهائل الذي تتلقاه من وزارة المواصلات. رافقت قرارَ الزيادة الأحدث للأسعار مطالبةٌ ساخرةٌ ومهينة للسكّان بتجنّب استخدام القطارات في ساعات الذروة لكي لا تنطبق عليهم الزيادة. اعتبر الطلاب الذين لا يملكون بديلًا عن استخدام القطارات في ساعات الازدحام هذا القرار وتبعاته -على الرغم من بساطته- بوتقةً للسخط الذي يشعرون به تجاه نظام الخصخصة وتسخير الدولة لخدمة مصالح رجال الأعمال وامتهانًا لكرامة الناس، وتضاعف هذا السخط مع كل تصرف أو خطاب جديد لبنييرا وباقي وجوه النظام والتي كان من بينها:

  • بنييرا قبل الانتفاضة: التشيلي واحة ونحن محسودون على الفردوس الذي نحيا فيه.
  • بنييرا في بداية الانتفاضة: يتناول البيتزا في أحد أرقى مطاعم سنتياغو ويحتفل مع عائلته بعيد ميلاد حفيده بينما تطلق الشرطة النار والغازات المسيلة للدموع على المحتجين (المخربين) في محطّات المترو.
  • بنييرا مع اتساع رقعة الانتفاضة: نحن في حرب. (تبددت الواحة بسرعة قياسية).
  • السيّدة الأولى سيسيليا مورِل: هؤلاء ليسوا أبناء شعبي الذين أعرفهم، إنهم أشبه بكائنات فضائية.
  • بنييرا بعد تحطيم المتظاهرين حظرَ التجوّل وبعد أكبر مظاهرة في تاريخ التشيلي في 25 تشرين الأوّل: لقد أخطأنا. المزيد من العمليات التجميلية، إقالة الوزراء المغضوب عليهم شعبيًا، ضخ دماء جديدة لكن دون أي نية لتغيير القلب.

تذمّرت السيّدة الأولى من اللغة غير المفهومة التي يتحدّث بها المتظاهرون رغم أن مطالبهم صيغت بإسبانيّة واضحة: مجلس تأسيسي بمشاركة شعبية حقيقيّة لصياغة دستور جديد يحل مكان دستور الديكتاتورية الذي ما يزال ساري المفعول منذ حوالي أربعين عامًا، وإعادة توزيع عادلة للثروات، ونظام تقاعدي منصف، وخدمات صحّة واستشفاء مجّانية متساوية للجميع وغير مقرونة بالدخل، وتعليم عالٍ مجّاني، ومساواة بين المدارس الحكومية والخاصة لكي لا يبقى التعليم الأساسي وسيلة إضافية لتعميق الفجوات بين الفقراء والأغنياء، ومحاسبة الفاسدين بمن فيهم قيادات في الجيش والشرطة، وتغيير النهج الاقتصادي القائم. 

عبّر المحتجّون الذين ينضم إليهم باستمرار المزيد من أبناء الطبقة الوسطى (المرتاحين شكليًا) وحتى سكان بعض الأحياء الثريّة بأساليبَ متعددة من غرافيتي ووشوم ولافتات ومسيرات بالآلات الموسيقية والطناجر والرقص والغناء والإضرابات والحوارات المفتوحة. وبالتوازي مع تحويلهم ساحاتٍ وميادينَ مثل بلاسا إيتاليا إلى مساحاتٍ احتفالية ثورية، يغلق المحتجون الشوارع ويشارك بعضهم في تحطيم تماثيل تحتفي بشخصيات استعمارية وتخريب ممتلكات عامة (لم ينتبه أو يتذكر أحد من النخبة الحاكمة وإعلامها بأنها عامّة أصلًا إلّا بعد تحطيمها) ويواجهون رصاص الشرطة ومسيل الدموع بالحجارة. «لولا اشتباكنا مع الشرطة هنا في الخطوط الأمامية لما تمكّن أكثر من مليون متظاهر من الوصول إلى بلاسا إيتاليا من دون أن تقمعهم الشرطة» قال أحد المتظاهرين. 

عندما سُئل طالب جامعي ممّن يلتحق بالمظاهرات يوميًا عن رأيه باللجوء إلى وسائل احتجاجية عنيفة أجاب بأن العنف الحقيقي هو تعامل الدولة مع الفقراء على أنهم مجرمون ودفعها جدّاتهم وأجدادهم للعمل في تنظيف البيوت وبيع العلكة أو التسوّل لأن رواتبهم التقاعدية لا تؤمن أبسط احتياجاتهم اليوميّة. العنف أن تصل بيتَ مريض السرطان رسالةٌ من المشفى الحكومي بأن دوره لتلقّي العلاج الكيماوي قد حان بعد سنتين من وفاته ومثله كثيرون يموتون وأسماؤهم على قوائم الانتظار، لأن الاستشفاء في التشيلي ترفٌ لا حقّ. هذا أحد ملايين الزّائرين من الفضاء الذين لم تفهم السيدة الأولى كلامهم لأنها عاجزة عن ترجمة مطالباتهم بالكرامة والعدالة ووصفهم للعنف اليومي الواقع عليهم إلى لغة تفقهها. قاموس نخبةٍ اعتادت انصياع الناس وانشغالهم بتسديد قروضهم أضيق من أن يتّسع لغضب المتمرّدين وتشريحهم الدقيق لعنف الدولة وحلفائها. 

فشل المختبر التشيلي

ولكي نلمس جذورَ هذا العنف علينا العودة إلى 11 أيلول 1973 وإلى الانقلاب الذي قاده بينوشيه ضد أيّندي و«الوحدة الشعبية» مستغلًّا أزمة اقتصادية طاحنة. لم يكن ذلك مجرد صراع داخلي بين نهجٍ اشتراكيّ وعد بالتأميم والإصلاح الزراعي والعدالة الاجتماعية، ونهجٍ يمينيّ قائمٍ على هيمنة الجيش وراعٍ لمصالح الأثرياء. كان الانقلاب فرصة لاختبار نجاعة نظام اقتصاديّ جديد ووأد إمكانية نشوء كوبا ثانية في أميركا اللاتينية. لم يكن تحرير الاقتصاد ليُنجَزَ إلّا على ظهر دبّابات الجيش وبالقضاء على النّقابات والتنظيمات اليسارية والشعبية وتحويل البلاد إلى سجنٍ كبير بدعمٍ مباشر من وكالة الاستخبارات الأميركية وبمباركة من وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر. وهنا، تحديدًا، جاء دور خرّيجي كلّية الاقتصاد في جامعة شيكاغو وأتباع نهج ميلتون فريدمان الذين عملوا مستشارين اقتصاديين لنظام بينوشيه بغية «إنعاش» الاقتصاد التشيليّ. ويمكن تلخيص توصياتهم ومقترحاتهم التي طُبّقت بحذافيرها بخصخصة كافّة الخدمات العامة ومنح الشركات الأجنبية الضوء الأخضر لاستغلال الموارد الطبيعية وتحرير الاستثمار الأجنبي من أي قيد وتسهيل التجارة الحرة وتفضيل نموذج نمو اقتصادي تقوده الصادرات على إحلال الواردات. تحوّلت امتيازات الشركات الخاصة وسيطرتها على المياه الصالحة للشرب والكهرباء إلى حقوقٍ دستورية يكفلها الدستور الذي صادق عليه بينوشيه بعد استفتاء صوَري في 11 أيلول 1980. أثبت الانتعاش السّريع الذي حققه الاقتصاد التشيلي «نجاح» التجربة النيوليبرالية وبالتالي إمكانية تصديرها إلى بريطانيا والولايات المتحدة. «ليست المرّة الأولى التي تُطبَّقُ فيها تجربة متوحّشة في الدّمار الخلّاق في الأطراف وتتحوَلُ إلى نموذج لبلورة السياسات في المركز» كتب ديفيد هارفي في مقالته عن النيوليبرالية باعتبارها دمارًا خلّاقًا.

التّجربة لم تنتهِ برحيل بينوشيه إذ غابت العدالة الاجتماعية عن آليات العدالة الانتقالية التي طبقتها الحكومات الديمقراطية. بقي المختبر مفتوحًا لكن الأدوات أصبحت أكثر لطفًا. ركّزت الحكومات وتحديدًا التقدّمية منها على مكافحة الفقر من خلال تأمين ضمان دخل للعاطلين عن العمل وإجراء تحسينات في جهاز التعليم الحكومي وإعادة إحياء المشافي الحكومية ولكن من دون المس بالامتيازات الدستورية التي تتمتع بها الشركات أو الخروج عن دين الخصخصة الذي واصل تحقيقَ نتائجَ إيجابيّة على الورق. انخفضت نسبة الفقر إلى أقل من 7% في الأعوام الأخيرة بعد أن بلغت 30% في العام 1989 وأصبحت تشيلي في العام 2010 أولى دول أميركا الجنوبية المنضمّة إلى منظمة التعاون والتنمية (OECD) وناتجها المحلي الإجمالي من الأعلى في المنطقة. 

لكن هذه ليست القصّة الكاملة، فالنمو الاقتصادي يخفي في طيّاته نظامًا مؤسّسًا على فجواتٍ مرعبة بين الأقلية الثرية وأكثرية فقيرة أو مهددة باستمرار بفقدان مركزها الهش في طبقة وسطى عاجزة عن مجاراة غلاء المعيشة. يوضّح تقرير اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية والكاريبي تركيز الثروة بأيدي أقلية ضئيلة حيث بلغت نسبة الثروة التي يملكها 1% من التشيليين الأكثر ثراءً 26.5% من إجمالي الثروة القومية بينما لا يملك تسعة ملايين تشيليّ من أصحاب الدخل المنخفض إلا 2.1%. قد يكون النمو الاقتصادي في التشيلي حقيقيًا إلا أنه صبّ حصرًا في مصلحة الأثرياء، أما تقليل معدّلات الفقر فلم يعنِ بالضرورة الاستقرار الاقتصادي ولم يرتبط بتطوير خطة شاملة لإعادة توزيع الثروات.

بعيدًا من الأرقام والإحصاءات، قد تفسّر الهشاشة وغياب الاستقرار والإحساس بالغبن انضمام قطاعاتٍ واسعة من الطبقة الوسطى في المدن المركزية إلى الانتفاضة، الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة مشاركة الطبقة الوسطى في انتفاضة الأرجنتين في العام 2001 حين لم يعد لديها ما تخسره بعد الانهيار الاقتصادي. لا تبدو الطبقة الوسطى في تشيلي قريبة من هذا المصير في الوقت الراهن ولكن على غرار الانتفاضة الأرجنتينية، يتأثّر محتجو الطبقة الوسطى في تشيلي بجذرية الحراك ويحاولون الارتقاء إلى السّقف الذي وضعه أبناء الأحياء الشعبية بدل أن يؤدي التحاقهم بالاحتجاجات إلى تمييعها وتدجينها. بالإضافة إلى أهدافها العينيّة، الانتفاضة التشيليّة هي حركة اجتماعية تسعى إلى امتلاك الحق في المدينة واستعادة الحيّز العام ولذلك لا يمكن حصرها في قالب الصّراع الطبقي البحت ولكن هذا لا يقلل من ثوريّتها.

لأوّل مرّةٍ في نصف قرن يملك التشيليّون فرصة لتغيير الخارطة السياسية والاجتماعية في البلاد لا مجرد استبدال حزب بآخر أو رئيس محافظ باشتراكي. وقد تكون هذه الانتفاضة، التي يطلق عليها في تشيلي اسم انفجار أوكتوبر، بالإضافة إلى «كومونة الإكوادور» واحتجاجات اجتماعية أخرى في هاييتي وكوستا ريكا وباناما مقدّمة لمرحلة جديدة في أميركا اللاتينية والكاريبي. 

سارع الكثيرون إلى إطلاق الرثائيات بعد سقوط الحكومات التقدمية وصعود اليمين في البرازيل والأرجنتين والإكوادور والشرخ المتّسع بين الحكومات المعرفة على أنها يسارية وقواعدها الاجتماعية التقليدية في بوليفيا وفنزويلا ونيكاراغوا، ولكن هذه التغييرات ترافقت مع صعود حركات اجتماعية ونسوية ثورية بجوهرها في مختلف أنحاء القارّة. تذكرنا هذه الحركات بسلسلة الاحتجاجات الجذرية التي هزّت أميركا اللاتينية في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية. أسفرت تلك الجولة عن صعود حكومات يسارية وتقدمية إلى السلطة وتحسيناتٍ اقتصادية ملحوظة مستفيدة من طفرة التعدين وارتفاع أسعار الموارد ولكن هذا السقف الإصلاحي سرعان ما سقط بعد الأزمة الاقتصادية العالمية. كانت المشكلة عندئذٍ أن السلطات احتوت معظم الحركات الاجتماعية أمّا تلك القليلة التي حافظت على استقلالها فقد صُوّرت على أنها معادية لليسار. ستواجه الحركات الاجتماعية في تشيلي وغيرها من البلاد منعطفاتٍ مشابهة ولكن من المبكر جدًا توقّع الخط الذي ستتبعه. الأمر الوحيد الذي يبدو مؤكّدًا هو أن التشيليّين ما بعد تشرين 2019 دفنوا، مرةً وإلى الأبد، إرث بينوشيه ودستوره. نجح المتظاهرون والمتظاهرات في أسابيع الانتفاضة المستمرّة في صنع ما عجزت عنه الحكومات المتعاقبة على مدى ثلاثين عامًا.


ينشر هذا المقال بالتعاون  والتزامن بين مجلة حبر وموقع جدلية.