كيف كرّست الاتفاقيات احتكار «إسرائيل» لمياه نهر الأردن 

الخميس 13 شباط 2020
مرشات ري في حقل زراعي في مستوطنة كريات جات الإسرائيلية. أ ف ب.

نشرت نسخة سابقة من هذا المقال بالإنجليزية في كانون الأول 2019 على موقع The Conversation.

في تشرين الأول الماضي، استعادَ الأردن منطقتي الباقورة والغمر اللتين سيطرت عليهما «إسرائيل» وعملت على زراعتهما منذ ما يزيد على 50 عامًا. تقع الغَمر (التي يسميها الإسرائيليون تسوفار) جنوب البحر الميت في صحراء النقب، فيما تقع الباقورة (لتي يسميها الإسرائيليون نهاريم) على بقعةٍ خصبة يلتقي عندها رافد رئيسي بنهر الأردن.

إن وجود المسطحات المائية في هاتين المنطقتين لم يكن من قبيل الصدفة، فما كانت «إسرائيل» لتحتلَ أيًا منهما لولا وجود الماء الذي يحتاجه جيش الاحتلال والكيبوتسات لريّ المزارع وإدامتها.

لقد استطاع الأردن استعادةَ هذه الأراضي بناء على بندٍ نصّت عليه معاهدة السلام الموقعة في 1994 بين الأردن و«إسرائيل». ونص البند على السماح لـ«إسرائيل» بالاستفادة من المنطقتين بموجب نظام خاص لمدة 25 عامًا، يمكن لأي من الطرفين التراجع عنه قبل نهاية المدة بسنة، وهو ما فعله الأردن. لكن في المقابل، ضمنت البنود المتعلقة بالمياه في الاتفاقية نفسها استمرار جفاف الأردن، الذي يُعد من أكثر البلدان قحلًا في العالم.

وفي الوقت نفسه، لا يجد المزارعون الفلسطينيون ما يكفي من المياه، بعدما باتت حصتهم منها محكومة باتفاقية مائية موقعة مع «إسرائيل» سنة 1995 كجزء من عملية أوسلو الثانية. وكلما انخفضت مستويات المياه، ازدادت التوترات. وتتفاقم الحال سوءًا مع حلول موسم الصيف اللاهب.

تمتلك «إسرائيل» ميزةً تفاوضية في الاتفاقات المائية لأنها تسيطر على معظم المياه بينما تحتاجها أقل من سواها. غير أنّ ما يتوجب التصدي له أولًا هو الفِكر الذي قاد إلى هذه الاتفاقات في المقام الأول – عقيدةٌ اقتصادية لا ترى في الماء سوى سلعة للبيع أو المتاجرة، وأيديولوجيةٌ سياسية إسرائيلية مُنكبة على احتكار أكبر قدرٍ من المياه، كجزء من السيطرة المستمرة والمتزايدة على الأرض.

الأعوزُ إلى الماء الأقلُ حيازةً له

تتجلى في الباقورة آثارُ سلعنة المياه بوضوح. فهناك، كان نهر اليرموك المتدفقُ غربًا يلتقي بنهر الأردن المتدفقِ جنوبًا بين الأردن وفلسطين. غير أن كل قطرةٍ تقريبًا تتدفق في نهر اليرموك اليوم ولا يستخدمها المزارعون في سوريا والأردن يجمعها مزارعو «إسرائيل».

يشهد نهر الأردن جفافًا منذ العام 1964، حين احتكرت «إسرائيل» بحيرة طبريا (المعروفة أيضًا باسم بحر الجليل) بالقرب من منبع النهر. ومنذ ذلك الحين والبحر الميت عند مصب النهر يُحتَضر.

الناقل القُطري الإسرائيلي ينقل المياه من الجليل/طبريا. فاناك.

في الوقت نفسه، أتقن المبتكرون في «إسرائيل» أساليبَ الري بالتنقيط، ونفذوا مشاريع كبيرة باستخدام مياه الصرف المعالجة، وبنوا محطاتٍ كثيرةً لتحلية المياه لدرجة أن بعض المعلقين قالوا إن المياه باتت تفوق الحاجة بكثير.

أمّا الأردن فأضحى أكثر ظمأً وشُحًا بالماء، خاصةً مع تزايد عدد سكانه مع موجات لجوء ونزوح متعددة من فلسطين والكويت والعراق وسوريا. وبسبب نُدرة المياه السطحية، يلجأ الأردن إلى التحلية على سواحله المحدودة في العقبة. وهناك مَن يُشجِّعه على ضخ المياه المُكلفة من هناك إلى مدينة إيلات المجاورة نظير الحصول على مياه عذبة تضخها «إسرائيل» من بحيرة طبريا.

يمتلك سُكان الضفة الغربية اليوم مياهًا أقل ممّا كان لديهم عند توقيع اتفاقية أوسلو الثانية. أمّا في غزة، فالتحلية مُكلفةٌ جدًا بالنسبة إلى معظم الناس، ومع تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي، أخذت «الجراثيم الخارقة» تخلق محيطًا حيويًا مسمومًا بسبب الحرب. ورغم أن «إسرائيل» تبيع غزةَ كميةً قليلة من المياه العذبة، إلا أن معظم المياه التي تَسُوقها من طبريا عن بُعد 200 كيلومتر شمالًا ينتهي بها المطاف عند حدود القطاع، فيراها الغزِّيون ويتمنونها ولا يطالونها، وتُستخدم لزراعة محاصيل البطاطا التي تُصدَّر إلى أوروبا.

قطاعُ غزة (يسار) تحيطه الحقول الزراعية الإسرائيلية المروية بسخاء. خرائط غوغل.

هناك مَن يلوم تغير المناخ أو اللاجئين كسبب لانتهاج هذه السياسات، لأنهم على الأرجح عاجزون عن الرد. ولكن مَن أحدثَ هذه الفوضى هو مَن يستطيع، وينبغي له، أن يتداركها.

بالرغم من أن «إسرائيل» لا تحتاج هذا الكم من الماء، إلا أن تقسيم السيطرة على نهر الأردن وطبقات المياه الجوفية المرتبطة به يعكس علاقات القوة بين الأطراف المتنافسة. إذ تسيطر «إسرائيل» على مياهٍ أكثر ممّا يسيطر عليه الأردنيون والفلسطينيون مجتمعين، وأكثر من ضعفي ما «تستحقه» وفقًا لمبادئ اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية التي أقرتها الأمم المتحدة سنة 1997.

ورغم الوعود المائية التي قطعتها «إسرائيل» للأردن في معاهدة السلام المبرمة سنة 1994، فإنها لم تفِ إلى الآن بأي منها. وفي الضفة الغربية، عملت «إسرائيل» على احتكار المياه من خلال لجنة المياه الفلسطينية-الإسرائيلية المشتركة المنبثقة عن اتفاقات أوسلو، حيث توافِق اللجنة على مدّ أنابيب المياه التي تحتاجها المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية، وترفض مدَّها للقرى الفلسطينية، وهكذا يغدو الماء أداةً فعالة من أدوات الاستعمار أو حتى التطهير العرقي.

لو كان ما يقتضيه حل الصراع على نهر الأردن يقتصر على تحديث الاتفاقات المبرمة، لكان الحل يكمن في الاحتكام إلى اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية. فهذه الاتفاقية تُفصِّل طريقةَ تقاسم المياه على نحو «منصف ومعقول»، وقد انضمت إليها الدول المعنية جميعها باستنثاء «إسرائيل».

غير أنه يتوجب علينا أولًا أن نتصدى لفكرة أن الماء سلعة يمكن احتكارها أو بيعها حصرًا لأعلى سعر، لأن الناظر في مدى تجذُّر هذه الممارسة في النُظم السياسية والاقتصادية في المنطقة يعي أن الدليل والحُجة وحدهما لا يكفيان. فبوسع الباحثين أن يُبينوا الضرر والأذى الذي تُسببه السياسة المائية، وبوسع علماء البيئة أن يستنكروا الأساس المنطقي لتصدير المحاصيل المزروعة في الصحراء إلى أوروبا، لكن هذا لن يكون حلًا دون دحض الأيديولوجيات المُضلِّلة واستبدالها بحسِّ قوي بالعدالة حتى تُصبح القِسمة الجائرة للماء غير مقبولة كما العبودية، مما يستلزم دحض الأيديولوجيا الاستعمارية التوسعية التي تستند إليها «إسرائيل» في احتكار المياه.

متى ما وضعنا هذا المستقبل نُصب أعيننا، فإن السياسات والتشريعات المطلوبة سوف تنبثق تلقائيًا. وقد حدث هذا في حالة الباقورة والغمر، وبإمكانه أن يحدث في حالة المياه أيضًا.