عن استعمار الجماجم وإمبراطورية المتحف

الأربعاء 05 آب 2020
استعادة جماجم الجزائريين
المصدر: ذي إندبندنت.

عادت إلى الجزائر، مطلع تموز هذا العام، 24 جمجمة لـ24 شهيدًا من شهداء المقاومة الجزائرية، من بين جماجم المقاومين[1] التي تحتفظ بها فرنسا في «متحف الإنسان». ظلّ أمر هذه الجماجم مكتومًا، وظلّت تائهة بين 1800 جمجمة جمعتها بعثات فرنسا «الاستكشافية» من أقاصي الأرض واحتفظت بها في المتحف، إلى أن استدل العالم الجزائري علي فريد بلقاضي على جمجمة المجاهد الشريف بوبغلة من سنته الناقصة ومن إصابة في محيط عينه اليمنى، لا بدّ أنها تلك التي أصيب بها في معركة الواضية عام 1852. ومن هنا تعرّف بلقاضي على أصحاب بقية الجماجم؛ الشيخ بوزيان الذي قاد ثورة الزعاطشة؛ محمد  بن علال الذي استخلفه الأمير عبد القادر على مقاطعة مليانة ليقود المقاومة فيها؛ موسى بن الحسن الدرقاوي، المصري الذي جاء إلى الجزائر «ليلقي بالفرنسيين في البحر ويحرر العاصمة»، بحسب تعبيره، وغيرهم من الأبطال.

قتلت فرنسا هؤلاء المقاومين بعد أن أسرتهم ثم قطعت رؤوسهم، وعاد بهم جيشها إلى باريس. لو زهت أمة أخرى بقطع رؤوس أعدائها لرموها بالهمجية والتوحش، وآداب القرن التاسع عشر الأوروبية تزخر بالحكايات عن الهمج من أهل أفريقيا وأمريكا الأصليين الذين يحتفظون بجماجم أعدائهم لاستعراضها، أما الفرنسيون والإنجليز الذين لم يكونوا أقل قطعًا للرؤوس، فقد ألبسوا عملهم هذا لبوس العلم فأخذوا يقيسون الجماجم ويدرسون ملامحها ويزعمون أنهم بذلك يعرفون مدى تطور العرق الذي تنتمي الجمجمة إليه، وأن شكل الجمجمة وحجمها ومساحة جبهتها تخبرنا عن ميول صاحبها الإجرامية واستعداده للعنف، ومن ثم أدخلوا هذه الجماجم إلى المحافل العلمية و«خزائن الغرائب» وغيرها من المؤسسات والعروض التي تجمع ما بين الفُرجة والعلم (أو ادّعائه).

وهكذا أخذ سلاح الأطباء في الجيش الفرنسي الجماجم واستعرضها أمام جمعية الأنثروبولوجيين بباريس، إلى أن انتهى بها المطاف في عام 1880 في المتحف الإثنوغرافي الفرنسي الذي أصبح في عام 1928 «متحف الإنسان»؛ حيث تقبع جمجمة مقاوم آخر هو سليمان الحلبي، الذي قتل جان باتيست كليبر (الذي خلف نابليون في قيادة الحملة الفرنسية على مصر)، في القاهرة في سنة 1800. وبينما حفظت جماجم المناضلين الجزائريين في أرفف مغلقة، تعرض جمجمة سليمان الحلبي وقد كتب تحتها «مجرم».

وهكذا بعد أن تمكنت فرنسا من المقاومين، جعلت أشلاءهم التي استحوذت عليها أسيرةَ النظام المعرفي الغربي الذي يستعرض هذه الأشلاء من أجل دراستها واستنباط «الحقائق» حولها، وأسيرةَ الفُرجة التي تُقدم بالأساس للجمهور الغربي. ووظفت هذه الأشلاء في سردية التطور التي تنتهى بتفوق الرجل الأبيض.

من خلال هذه الأمثلة وغيرها يستكشف هذا المقال كيف يتواطأ الغزو العسكري/السياسي، مع المتحف والنظام المعرفي الاستعماري، على أجسام المستَعمَرين وأشلاءهم وينتج منها روايته الخاصة لجمهوره الخاص.

المتاحف والفُرجة الاستعمارية على العالم

جمعُ آثار العالم في عواصم الغرب هو إعلان امتلاك؛ لا امتلاك هذه الآثار فحسب، بل امتلاك الثقافات التي تمثلها. فكأن الغرب هو الذي يستطيع وحده أن ينظم هذه الآثار ويحفظها، أو يدقق فيها ويستنبط معناها، أو كأن الثقافة الغربية الحديثة هي المتممة لكل هذا الثقافات.

متحف الآثار في نيويورك -على سبيل المثال- يضم في طابقه الأول معبدًا فرعونيًا كاملًا أهداه إليهم عبد الناصر إثر غرق النوبة، ويتدرج من هناك في تاريخ الحضارة، ويضم آثار من حول العالم حتى يصل في طوابقه العليا إلى بعض الأعمال الفنية الغربية من عصر النهضة أو من العصر الحديث. يسمى هذا المتحف بالمتحف الميتروبولي، والكلمة أصلها يوناني يعني «المدينة الأم» وكانت تستخدم أيام التوسع اليوناني والروماني لوصف الحواضر التي ينطلق منها الاستعمار والتي ترتبط بمستعمراتها بنوع من العلاقة الإمبراطورية. ولا أدق من هذا المصطلح لوصف المتحف الذي تجتمع فيه آثار العالم، طوعًا أو كرهًا، في حاضرة الإمبراطورية الأمريكية، وبهذا المعنى فإن كل متاحف الغرب هي، تعريفًا ولزامًا، متاحف متروبولية.[2]

إلا أن استعمارية متاحف الغرب لا تقتصر على جمعها لآثار العالم في العواصم الإمبراطورية، وإنما تمتد إلى فكرة المتحف ذاته. ففي كتابه المهم «استعمار مصر»، يقول تيموثي ميتشل بأن الحداثة الاستعمارية قامت بالأساس على إعادة تنظيم العالم وتعريفه وفقًا لخطة وخارطة تتيح للمشاهد (الغربيّ بالأساس) أن يفهم العالم ويستنبط منه المعاني، (والمثال الأشهر هو ترقيم الشوارع بدل أن تُعرف بأسماء الساكنين فيها أو بمعالمها المشهورة). ومن الناحية الأخرى فقد نشأت من خلال هذه النظرة الحداثية-الاستعمارية للعالم، مؤسسات تجعل من العالم بأسره فرجة يراها المتفرج وفق خطة محددة، وكان من بين هذه المؤسسات المعرض (والمعرض الكبير الذي كان يعقد سنويًا في إحدى حواضر الغرب تحديدًا) والمتحف. فكأنها تريد أن تجعل من العالم معرضًا أو متحفًا وأن تجمع العالم في المعارض والمتاحف.

إن هذه المؤسسات [المتاحف] تطوع نفسها لناظري الإنسان الغربي تحديدًا، الذي يصبح صاحب الحق الحصري في مشاهدة العالم وفهمه والحكم عليه.

وهذه المعارض والمتاحف تخلق كذلك مشاهدها؛ الإنسان صاحب الوعي الخاص القادر على الفرجة على هذا العالم كما لو كان منفصلًا عنه، والنفاد إلى معناه، وتناول عناصره بالتحليل والدراسة، وإطلاق الأحكام عليه. إن هذه المؤسسات تطوع نفسها لناظري الإنسان الغربي تحديدًا، الذي يصبح صاحب الحق الحصري في مشاهدة العالم وفهمه والحكم عليه.

لا تقتصر المشكلة هنا على كون المتاحف جزءًا من نظام معرفيّ استعماري ولد في الغرب على يد إمبراطورياته الحديثة، فالنظم المعرفية يمكن، مع بعض الجهد، تحريرها و/أو إعادة توجيهها، ولكن المشكلة الأكبر هي هذه العلاقة ما بين الناظر المستعمِر والمنظور المستعمَر، وكيف يصبح المنظور أسيرًا، حيًا أو ميتًا، لهذه النظرة، وللمؤسسات الاستعمارية المبنية عليها، بل ويقبع في بعض الأحيان أسيرًا في هذه المعارض والمتاحف القائمة على هذه النظرة.

وُحْش المستعمرات: دراسة المستَعمَرين واستعراضهم

«لو كنت في إنجلترا الآن، كما كنت ذات مرة … فلن يبقى أحمق منهم إلا وقد أعطاني قطعة من الذهب [ليشاهد هذا المسخ]. هناك يصبح المسخ ذا قيمة، وبينما لا يعطي الواحد منهم مليمًا ليخفف عن شحاذ كسيح، فسيعطي 10 طوعًا ليشاهد هنديًا [أحمرَ] ميتًا»

– ترينكولو عندما رأى الوحش كاليبان في مسرحية العاصفة لويليام شكسبير

«ما هذا؟ هندي؟ أحي أم ميت؟ من الصعب أن تتبين، مع هذا العرق عديم الأمانة… فأما إن كان حيًا فسأعود به أسيرًا إلى أوروبا، وهناك سيبتسم لي حظي؛ سأبيعه إلى أحد المعارض … لا، سأعرضه بنفسي في المعارض! هكذا إذن»

– ترينكولو في معالجة إيميه سيزير لمسرحية العاصفة

تعامل الاستعمار منذ وقت مبكر مع «الهمج» في أفريقيا والأمريكتين كما لو كانوا محض «عينات بشرية» يمكن للمستعمر أن يدرسها في بيئتها الطبيعية أو يحملها معه إلى أوروبا ليدرسها هناك ويعرضها على الناس عرضًا يجمع ما بين الغرائبية والفائدة التعليمية. وعندما «اكتشف» كريستوفر كولومبوس سكان أمريكا الأصليين، كتب إلى ولية نعمته الملكة إيزابيلا القشتالية، يعدها بأنه سيحضر لها حفنةً منهم.

لم تُحدِّد هذه العلاقة «المتحفية» نظرة الأوربيين إلى سكان المستعمرات الأصليين فحسب بل نظرتهم إلى أنفسهم كذلك. ففي دراسة شيقة بعنوان [لم نكن] يوما أمة واحدة، توضح الباحثة الأمريكية ليندا فروست دور المتاحف وعروض المسوخ  والسيرك في اختلاق الهوية الأمريكية قبيل الحرب الأهلية الأمريكية؛ فهذه العروض ضمت «غرائب الطبيعة» و«مسوخها» من عمالقة وأقزام، وبشر شديدي النحافة والسمنة، ومخنثين، وفي بعض الأحيان أفارقة و«هنودًا حمرًا». 

لم تؤد هذه العروض إلى تقبل هذه الاختلافات، بل على العكس فقد أدت إلى تنميطها كغرائب، وإلى تنميط الاختلافات العرقية والجنسية كغرائب لا تفهم إلا بشذوذها عن المعيار الأبيض. وكان من شأن هذه العروض أن تروض هذه الغرائبية وتستأنسها بجعلها منظرًا محصورًا على خشبة عرض أو بين جدران متحف، يقدم نفسه بشكل آمن ومسل ومفيد للمشاهد (الأمريكي، الأبيض، المذكر غالبًا والمؤنث أحيانًا والذي لا يخنث أبدًا)، وبالتالي يخلق من المشاهدين أمة يجمعها التمايز عن هذه الغرائب التي يحيويها المعرض/المتحف.

تكررت هذه الحكاية في أوروبا بأكثر من طريقة، وقيل إن مصيرًا مشابها كان بانتظار أحمد عرابي قبل أن تميل «عدالة إنجلترا» إلى نفيه بدل أسره في عرض للغرائب. ولكن الحكاية التي تمثل نظرة الإنسان الغربي الحديث إلى من يختلفون عنه، أحياء وأموات، كما لو كانوا مسوخًا للفرجة والدراسة، تمثلها خير تمثيل حكاية الأفريقية سارة بارتمان.

ولدت سارة بارتمان في جنوب أفريقيا وخدمت في بيوت المستعمرين الهولنديين، حتى لاحظ أحد الأطباء/الحواة الإنجليز إصابتها بمرض أدى إلى تضخم حوضيها وردفيها بشكل غير طبيعي، فأخذها إلى إنجلترا ليعرضها في «سيرك بيكاديلي». وأسموها، ساخرين، فينوس الهوتنتوت؛ فينوس نسبة إلى إلهة الجمال الرومانية، أما الهوتنتوت فاسم عنصري كان يطلقه الهولنديون على بعض قبائل جنوب أفريقيا. وباسم الفائدة العلمية، كانت سارة ترتدي للجمهور الثياب الغريبة التي تربطها خيالات المستعمرين بشعوب أفريقيا، وكانت ترقص وتغني لهم، وتقدم عروضًا خاصة في البيوت، وكان يُسمَح للجمهور في بعض الأحيان بلمس ردفيها المتضخمين.

وما زال الجدل يدور إلى الآن حول ما إذا كانت قد فعلت كل ذلك طوعًا أو قسرًا؛ ولكن هذه مسألة جانبية، فتلك العروض كانت تجعل من المختلف (المرأة ذات الحوض والردف المتضخمين) غريبًا ومسخًا، وتربط هذه الغرائبية المسخية بالأفارقة وبنسائهم بالذات، فتصبح ثقافاتٌ وشعوبٌ بأسرها ضحية هذا العرض، سواء كانت «فينوس الهوتنتوت» ضمن ضحايا هذا العرض أو شريكة فيه ومستفيدة منه.

انتقل المقام بسارة بارتمان من لندن إلى باريس لتواصل عروضها، وليتعاقب العلماء والفنانون على دراستها، إلى أن ماتت في سن السادسة والعشرين فشرحّوها وأخذوا جمجمتها ومخها وأعضاءها التناسلية وأودعوها في متحف الإنسان وبقيت هناك مع غيرها من الغنائم البشرية إلى أن استعادتها جنوب أفريقيا في عام 2002.

المؤسسات الثقافية ساحةً للهيمنة ولمقاومتها

تجاورت الغنائم البشرية للإمبراطورية الغربية في متحف الإنسان في باريس، كما تتجاور الغنائم الثقافية والفنية في غيره من متاحف الغرب. من الممكن أن نقول، مع بعض التبسيط، إن المتاحف قد لعبت دور معرض غنائم الإمبراطورية، واكتست بثوب علميّ وثقافيّ وترفيهيّ لتتناسب مع طبيعة الإمبراطوريات الحديثة. ولا تزال المتاحف إلى اليوم ساحة من ساحات تثبيت هيمنة هذه الإمبراطوريات، بجمعها آثار العالم في الغرب، وتكريسها للسردية التي تقدم الغرب الحديث متممًا لجميع حضارات العالم وأمينًا على تراثها وآثارها، وباتباعها لنظام الإمبراطوريات الحديثة التي تجعل من العالم منظرًا وفرجة تُسِرّ بمعناها للمشاهد الفطن الذي يصبح إنسانًا حداثيًا ومواطنًا من مواطني الإمبراطورية، وذاتًا ضمن الذوات التي تنتجها عبر هذه العلاقة مع العالم- المنظر.

لكن أفضل أن أختم المقال بالنظر إلى المتاحف -مثل أي مؤسسة ثقافية أخرى-، على أنها ساحة صراع أيديولوجي تهيمن عليها الأيديولوجية الحاكمة، ولكنها تفتح المجال في الوقت نفسه لأيديولوجيات أخرى معارضة، ولمواقف شاردة عن الأيديولوجيا المهيمنة ومقاومة لها.[3] 

جماجم المقاومين الجزائريين هي في حد ذاتها مثال على هذا الدور المزدوج للمتاحف؛ فقد أُخذت هذه الجماجم إلى باريس من بين غنائم الإمبراطورية، وتعرضت للدراسة ومن ثم التنظيم والترقيم والتوصيف، فرُقٍّمت جماجم الجزائريين وحفظت في أرفف مغلقة ما بين 1800 جمجمة من جماجم العالمين بغرض الدراسة، بينما عرضت جمجمة سليمان الحلبي من بعد تعريفها كجمجمة مجرم.

وفي المقابل، تمكن العالم الجزائري علي فريد بلقاضي من أن ينفذ إلى هذه المؤسسة الأيديولوجية من موقع العالم والدارس -وهو موقع أنشئ بالأساس للمستعمِر-، وأن يستعيد الجماجم من هذا الموقع، بما سمح بإنتاج موقف وطني معادٍ للاستعمار، ليس فقط من خلال الاحتفاء الجزائري بعودة الجماجم ولكن أيضًا من خلال سلسلة المقالات التي تعقب على هذا الحدث.

وربما من خلال تعدد هذه المواقف المعادية للهيمنة الثقافية الإمبراطورية نستطيع أن ننتج تجربة ثقافية للمتاحف وغيرها من المؤسسات الأيديولوجية للإمبراطورية، تشرد عن هذه الهيمنة وتقاومها.

  • الهوامش

    [1] تذهب بعض المصادر الجزائرية إلى أن إجمالي جماجم الجزائريين في متحف الإنسان 536 جمجمة، بينما تتحدث مصادر متحف الإنسان عن التعرف على هوية 37 جمجمة جزائرية وتتحدث مصادر أخرى عن 68 جمجمة.

    [2] في سياق شبيه يقدم يزن اللجمي قراءة للسردية الإمبراطورية التي يقوم عليها متحف اللوفر في مقاله «المتحف كفضاء إيديولوجي».

    [3] ينظر في ذلك مقال لوي ألتوسير الشهير عن «الإيديولوجيا ومؤسسات الدولة الإيديولوجية» والذي يقول فيه بأن المؤسسات الإيديولوجية للدولة تفتقر إلى الوحدة التي تتميز بها مؤسسات الدولة القمعية، ما يسمح بتحويلها إلى ساحات صراع ومقاومة. ونجد مثالًا على المواقف الشاردة والمقاومة التي يسمح بها المتحف في خاتمة مقال الزميل يزن اللجمي في حبر عن «المتحف كفضاء إيديولوجي» وكذلك في مراجعتي لمسرحية «متحف في بغداد» على موقع جدلية.