مع نهاية 2019، الاعتقالات السياسية في الأردن مستمرة

من اليمين: المعتقلون علاء ملكاوي، وصبري المشاعلة، ومؤيد المجالي، وعبد الرحمن شديفات.

مع نهاية 2019، الاعتقالات السياسية في الأردن مستمرة

الأربعاء 11 كانون الأول 2019

حبر – عبر وسم «بكفي اعتقالات» عبّر أردنيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا، عن رفضهم لعشرات الاعتقالات التي رأوا أنها جاءت على خلفية قضايا سياسية أو متعلّقة بحرية الرأي والتعبير. 

ولم تقتصر الاحتجاجات على هذه الاعتقالات على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يواصل حراك بني حسن الاعتصام بشكل أسبوعي في الوسط التجاري لمدينة الزرقاء احتجاجًا. كما سبق لهم أن نظموا وقفتين احتجاجيتين في المفرق ومنشية بني حسن. كما حاولوا إقامة اعتصام أمام المركز الوطني لحقوق الإنسان في عمّان في السابع من تشرين الثاني الماضي، إلّا أن الأجهزة الأمنية منعتهم من إقامته، وأغلقت العديد من الطرق في العاصمة مما تسبّب في اختناقات مرورية.

يحاول هذا التقرير الإضاءة على القضايا التي اعتقل على خلفيتها أولئك المعتقلون، والتعريف بهم، وتأثيرات هذه الاعتقالات على المشهد السياسي في الأردن. وقد جمعت حبر معلومات 15 شخصًا ما يزالون موقوفين أو محكومين حتى اللحظة، دون أن تكون هذه القائمة أدناه شاملة لجميع المعتقلين.

صبري المشاعلة (31 عامًا)، اعتقل في الثالث من نيسان الماضي بعد استدعائه لوحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام، وأوقف بتهمة إطالة اللسان على الملك، ثم حكم بالحبس عامين خُفّضت بعد الاستئناف إلى عام واحد، بحسب شقيقه صلاح.

ووجهت التهم للمشاعلة بناء على أربعة منشورات على موقع فيسبوك، لم يأت فيها على ذكر الملك إلا مرة واحدة، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش.

يقول صلاح لـ«حبر» إنه بعد توقيف صبري «رحنا قدمنا كفالة وقدمنا كفالة ثانية وثالثة وانرفضت»، وفي نهاية نيسان صدر الحكم على شقيقه بالسجن لعامين، قبل أن تُخفّض العقوبة لسنة واحدة بعد الاستئناف.

مديرة إدارة التشريعات في المركز الوطني لحقوق الإنسان، نهلة المومني، تقول إن المركز يستند للمعايير الدولية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إذ يجب أن يكون الإنسان حرًّا في التعبير عن أفكاره وآرائه دون ضغوط أو اضطهاد، وعند وضع قيود على حرية التعبير في القانون الوطني، بهدف عدم المساس بحريات الآخرين أو النظام العام أو الأمن القومي، يجب أن يتم صياغة التشريع بصورة دقيقة وواضحة لا تقبل التأويل. 

وتُعقّب المومني «اللي بصير إنه في العديد من الحالات أشخاص بحكوا أو بكتبوا منشورات وأحيانًا ممكن يكتب مقال أو يحكي هتاف في مسيرة يردد هتاف فيكون عرضة إنه يحاسب تحت هذا القانون [قانون منع الإرهاب] خاصة تحت الجرائم المتعلقة بتقويض نظام الحكم أو التحريض على مناهضته (…) وفي عنا بعض الجرائم إلها علاقة بحرية التعبير مثل جريمة إطالة اللسان أو أحيانًا ذم هيئة رسمية»، وهو ما يلاحق استنادًا إلى قانون العقوبات الأردني.

وتضيف المومني إنه في الحالة الأردنية هناك منظومة تشريعية من الاتساع بمكان بحيث أنها تسمح بتأويل العديد من الأفعال تحت عدد من البنود من أهمها الأفعال التي تندرج تحت قانون منع الإرهاب.

بدوره، يقول أمين عام حزب الوحدة الشعبية سعيد ذياب إن الحزب يدين هذه الاعتقالات ويعتبرها مساسًا بالحرية العامة التي كفلها دستور. ويرى الحزب، بحسبه، إن هذا التصرف هو تعبير حقيقي عن عجز الحكومة عن الاستجابة لمطالب الناس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ممن خرجوا للمطالبة بالإصلاح والحد من الفقر والبطالة.

«لن يجدي هذا الأسلوب نفعًا بالمطلق في إسكات صوت الناس»، يضيف ذياب.

أمّا حزب جبهة العمل الإسلامي، فقد عقد مؤتمرًا الأسبوع الماضي انتقد خلاله الأمين العام مراد العضايلة موقف الحكومة تجاه الاعتقالات السياسية واحتجاز حرية النشطاء، إذ يرى أن هناك تدهورًا غير مسبوق في واقع الحريات. كما نظّم الحزب عدّة وقفات احتجاجًا على الاعتقالات، تحديدًا للمطالبة بالإفراج عن ثلاثة من كوادره، تحتجزهم دائرة المخابرات العامة منذ قرابة شهرين ونصف.

وأثناء إعداد هذا التقرير، تواصلنا مع وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة ولم نحصل على رد. وبحسب مسؤول إعلامي في رئاسة الوزراء، فإن عددًا من الجهات الرسمية الحكومية بينها مديرية الأمن العام فضّلت عدم التعليق. كما تواصلنا مرارًا مع المنسق العام الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء، عبير الدبابنة، ولم نحصل على رد.

حجز للحرية وتعطل عن العمل

يعيش صبري المشاعلة في منزل شقيقه في لواء ذيبان التابع لمحافظة مادبا، وهو غير متزوج، وقد حصل على البكالوريوس في تخصص الإرشاد والصحة النفسية من الجامعة الأردنية عام 2013، وفق شقيقه.

وسبق للمشاعلة العمل في مركز طبي، وفي مدرسة خاصة في عمّان، لكنه كان دائم التعرض لمضايقات تجبره على ترك العمل بسبب نشاطه الحراكي، يضيف صلاح.

ومؤخرًا، خسر المشاعلة فرصته بوظيفة في القطاع الحكومي بسبب اعتقاله، إذ يوضح شقيقه «قبل شهرين طلع اسمه بالامتحان التنافسي، وقدمنا لديوان الخدمة المدنية استرحام إنه الشخص معتقل ليش دوره يروح عليه، وبعد هيك أراجع ديوان الخدمة مرّة ومرّتين واتفاجأ ما ألاقي اسم، يقولولي استنى الكشف التنافسي الجديد لما ينزل اسمه عليه».

المستشار والناطق الإعلامي في ديوان الخدمة المدنية خالد الغرايبة قال لـ«حبر» إنه في حال انتهاء محكومية الشخص يستطيع التقدم بإثبات لديوان الخدمة المدنية بأن استنكافه عن الوظيفة كان بسبب قضائه مدة حكم، ويؤخذ ذلك بعين الاعتبار.

منظمة «هيومن رايتس ووتش» الدولية المعنية بحقوق الإنسان قالت إن «السلطات الأردنية تستهدف بشكل متزايد النشطاء السياسيين ومناهضي الفساد بتهم تنتهك حقهم في حرية التعبير». 

وقال مايكل بيج نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة إن الأردن يواجه «مشاكل اقتصادية وسياسية كبيرة تزيد من غضب المواطنين، لكن سجن النشطاء وانتهاك حقوق المتظاهرين لن يؤدي سوى إلى إخفاء السخط الشعبي. من الضروري السماح بحرية التعبير ليثق المواطنون بأن مخاوفهم مسموعة وتؤخذ بعين الاعتبار».

عبد الرحمن شديفات (30 عامًا) وهو ناشط في حراك بني حسن وشارك في عدد من الوقفات والاعتصامات في الزرقاء والمفرق وعمّان، موقوف بأمرٍ من مدعي عام محكمة أمن الدولة بتهمة إطالة اللسان على الملك والملكة وتقويض نظام الحكم وإثارة الفتنة التي من شأنها الإخلال بالشأن العام منذ 10 تشرين الثاني 2019، وفق ما أفاد شقيقه إبراهيم.

وبحسب إبراهيم فإن معلومات عبد الرحمن عن سبب اعتقاله تتعلق حتى اللحظة بالتحقيق معه في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يعود لما قبل أربع سنوات.

يقول إبراهيم إن عبد الرحمن كان في مقابلة عمل في إحدى الجمعيات التنموية في المفرق وفور خروجه من المقابلة ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه، ولم تعرف العائلة عن اعتقاله إلّا بعد يومين. 

ويضيف إبراهيم أن شقيقه غير متزوّج ومتعطل عن العمل. «قبل ثلاث سنين كان بيشتغل في مخيم الزعتري مع منظمة دولية والمخابرات طلبوه للمراجعة ووقفوه لثلاث أسابيع، وبعد ما طلع من عندهم للأسف أنهوا عقده، بعد هيك كان يشتغل شغل حر بروح وبيجي (..)الجمعية الي كان مقدملها عبد الرحمن كانوا طالبين منسق أنشطة في المفرق، للأسف راح الشغل عليه للمرة الثانية»، يقول إبراهيم.

تقول المومني إن المركز الوطني لحقوق الإنسان لديه موقف من مسألة التوقيف، إذ لا يجوز التوقيف في قضايا متعلقة بتعبير الشخص عن رأيه.

وتستشهد المومني بالمادة 114 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي وضعت ضوابط على عملية التوقيف، وتبين أن التوقيف عبارة عن تدبير مؤقت له هدف وغاية معينة، ويتخذ هذا الإجراء في حال الخوف على ضياع معالم وأدلة الجريمة أو من أجل الحفاظ على سير التحقيق. «لكن لا يمكن بحال من الأحوال إنه قضية شخص عبّر عن رأيه وهتف في مسيرة وكتب مقال يتم توقيفه، هل فعلًا هناك حاجة لتوقيف هؤلاء الأشخاص؟».

وتتساءل: «التوقيف أصلًا انتهاك لمبدأ قرينة البراءة لأن هذا الشخص ممكن في النهاية يطلع براءة أو عدم مسؤولية، فبالتالي من يعوضه؟ إحنا بنحكي إنه حجز الحرية من أقسى الأمور التي تقع على أي شخص في العالم إني أحجز حرية إنسان، فبالتالي يجب أن يكون هذا الأمر له مبررات وتعليلات قوية جدًا».

مؤيد المجالي (47 عامًا) اعتقل في 13 تشرين الأول الماضي، ويحاكم أمام محكمة صلح جزاء عمّان بتهمة إطالة اللسان على الملك، وبعد الإفراج عنه تم توقيفه مجددًا لاتهامه بإطالة اللسان على الملكة، وفق شقيقه محمد. ويعمل مؤيّد في وزارة العدل، وله طفلان أكبرهما خمسة أعوام، وهو في انتظار مولوده الثالث.

يوضح محمد المجالي أن مثل هذا النوع من القضايا مدة التوقيف فيها قبل انتهاء المحاكمة لا يجوز أن يزيد عن الشهر، وأنه صدر قرار ثانٍ بإخلاء سبيل مؤيد لكن جُدد توقيفه بتهمة نشر بيانات تنطوي على الذم والقدح بعد شكوى قدمها أحد الأشخاص.

وكان مؤيد، قبل اعتقاله، يبحث في صحة تسجيل ممتلكاتٍ للدولة باسم الملك، وكان قد أرسل طلب حق حصول على المعلومة لمكتب رئيس الوزراء، ونشر مقالًا على موقع إخباري يتعلق بأبحاثه هذه.

نعيم أبو ردنية المشاقبة (38 عامًا)، وهو من حراك بني حسن، اعتقل فجر 11 أيّار 2019، بعد مداهمة قوة أمنية لمنزله في منطقة المزرعة في المفرق، بحسب محمّد شديفات من حراك بني حسن.

عمل أبو ردنيّة الذي يحمل شهادة بكالوريوس في القانون، في مصفاة البترول قبل عدة أعوام ثم أنهت المصفاة عقده، ولم يجد عملًا. وكان خلال هذه الفترة يعيل زوجته وأطفاله الذين يبلغ عمر أكبرهم أربع سنوات بدعم من المقرّبين، بحسب شديفات.

ويذكر شديفات أن أبو ردنية يواجه عددًا من التهم من بينها إطالة اللسان على الملك والملكة، وتغيير كيان الدولة، وتقويض نظام الحكم، بناءً على فيديو صُوّر له وتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي.

النائب عواد الزوايدة رئيس لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان النيابية قال إنه تبين بعد تحقق اللجنة بأن توقيف الحراكيين توقيف قضائي وفي هذه الحالة لا يجوز التدخل. لكن مقررة اللجنة النائب رندة الشعار اعتبرت أن هذا النوع من الاعتقالات غير مبرر ويثير ضجة شعبية.

انفراجة يعقبها اعتقال إداري

اعتقل علاء الملكاوي (37 عامًا) أثناء توجهه للمشاركة في اعتصام عند الدوار الرابع قرب رئاسة الوزراء في عمّان بتاريخ 25 تشرين الأول 2019.

ويعيش الملكاوي في منطقة الهاشمية في الزرقاء. وهو متزوج ولديه أربعة أطفال أكبرهم ابنته ذات الـ17 عامًا وهي في مرحلة الثانوية العامة. ولا يملك الملكاوي عملًا ثابتًا، ويعمل على بسطة يبيع عليها بضائع، بحسب محاميه يوسف الحامد.

وكانت قد وُجهت تهمة إطالة اللسان على الملك لملكاوي بناء على فيديو صوره أحدهم أثناء مشاركة الناشط في اعتصام عام 2018 قرب الدوار الرابع، ولم يتداوله الأخير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفق محاميه.

ورغم قرار من محكمة صلح جزاء عمان بإخلاء سبيله إلى حين انتهاء محاكمته، قرّر محافظ العاصمة إيقاف ملكاوي إداريًا.

يستهجن المحامي الحامد توقيف ملكاوي بناء على قانون منع الجرائم، إذ لا يشكل موكله أي خطر على المجتمع مما يجعل القرار «تعسفيًا»، كما يقول.

أما صلاح المشاعلة، فلديه مخاوف من توقيف شقيقه صبري إداريًا فور انتهاء محكوميته والإفراج عنه المقرر في 2 كانون الثاني 2020، كما صرح لـ«حبر».

وتوضح المومني أن توقيف معتقلي الرأي إداريًا وفق قانون منع الجرائم، الذي لم يعدّل منذ عام 1954، فيه خلل قانوني كبير. فالمادة الثالثة من القانون لا تعطي الحق للحاكم الإداري بتوقيف شخص بناء على منشور أو هتاف، مما يعني أن في ذلك تغوّلًا على صلاحيات السلطة القضائية.

وتضيف المومني أن هناك انتهاكات مركبة؛ انتهاك للحق في حرية التعبير وتغوّل على السلطة القضائية، وانتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات وتوسع غير مقبول وإساءة في استعمال للقانون، وهذا كله يصب في إطار التضييق على حرية التعبير.