رأي

بأمر من الحاكم العسكري: اقتحام مدى مصر وعداء النظام للكلمة

الأربعاء 27 تشرين الثاني 2019
أعضاء شرطة مصريون يطلعون على هاتف امرأة قرب ميدان عبد المنعم رياض بالقاهرة، 27 أيلول 2019. تصوير خالد الدسوقي، أ ف ب.

قبل أيّام، نشر موقع مدى مصر تحقيقًا صحفيًا عن استبعاد محمود السيسي من جهاز المخابرات العامة وإلحاقه ببعثة طويلة لروسيا بناءً على اقتراح ولي عهد إمارة أبو ظبي محمد بن زايد واتفاق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد فشل السيسي الإبن في إدارة الملفات المسندة إليه وتداول اسمه بما يضر سمعة الرئيس ونفوذه. 

بعد نشر التقرير بأيّام اختطفت قوات الأمن المُحرِّر شادي زلط، وفي اليوم التالي اقتحمت مقرّ مدى مصر واحتجزت طاقم العمل لعدة ساعات، قبل أن تقبض بعدها على رئيسة التحرير لينا عطا الله والمحرّريْن رنا ممدوح ومحمد حمامة، لتطلق سراحهم بعدها. 

في عالم ما بعد ظهور محمد علي المقاول في مصر، تم تداول اسم محمود السيسي لأول مرة مقترنًا بالسخرية وملفات الفساد. وهاجمه نشطاء مثل وائل غنيم ومسعد أبو فجر بوصفه نجل الرئيس، والثلاثيني الذي صعد بترقيات استثنائية من رتبة رائد إلى وكيل جهاز المخابرات العامة، وبصفته الرجل الثاني الأقوى في مصر. واتهم أبو فجر محمود السيسي بإدارة شبكة تهريب البضائع والأموال والمخدرات. وفي الوقت نفسه انتشر الكلام حول إخفاقه فيما يخص ملفات أمنية حاسمة مثل ملف الحرب على الإرهاب في سيناء وملف الإعلام، وأخيرًا ملف التصدي لظاهرة محمد علي.

حتى هذه اللحظة، كل من تحدث عن محمود السيسي جرت ملاحقته أو ملاحقة أقاربه؛ سواءً كانوا فريق مدى أو شقيق وائل غنيم، لكن وبدلًا من إنهاء حالة الجدل حول ابن الرئيس جاءت النتيجة عكسية، وصار للتقارير المقدمة مصداقية بشهادة المخابرات، وتحوّلت سيرته من رجل الظل إلى الفتى المدلل الغاضب، أو «الننوس» كما وصفته صفحات الفيسبوك.

أن تنتج المعرفة وتستقبلها في مناخ استبدادي

أنشأ مدى مصر صحفيّو «إيجيبت إندبندت» بعد أن أغلقت أنشطتها التحريرية المطبوعة والرقمية في 2013 عقب ضغوط حكومية. أسس الموقع تحت شعار حتمية بناء صحافة استقصائية مستقلة وتحرّرية وسط مناخ مُعادٍ للمعرفة والتعبير. لسنوات ظلّت تجربة مدى مصر فريدة، صحافة بديلة تذكر بمعايير المهنية وحق المواطنين في تداول المعلومات ومقالات الرأي حتى في ظروف يحددها التشهير الاعلامي وحجب الموقع والتهديد المستمر بالاعتقال.

منذ تموز/يوليو 2013، اختص المشرّعون المصريون بصياغة قوانين تحكم القبضة على كل صور التعبير، من الفعلي إلى الرقمي. بدأ النظام بمنع التجمهر والمظاهرات والتجمعات السلمية ثم تفرّغ لصياغة قوانين إعلام ضد الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي تحت دعوى مكافحة الجرائم الإلكترونية. وبحسب منظمة مراسلون بلا حدود، تحتل مصر المرتبة 163 في حرية الصحافة ووضُعت مع 20 دولة أخرى بالقائمة السوداء، حيث اختلق الأمن تهم مثل نشر أخبار كاذبة ونشر العنف وإذاعة الفوضى، وحبس على أثر هذه الاتهامات آلاف المواطنين، منهم ما يقرب من مئة صحفي وبعضهم لمشاركة منشور أو فيديو معارض للحكومة على صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل.

وقد سبق للرئيس السيسي أن هاجم الإعلام المصري أكثر من مرّة حاسدًا عبد الناصر على إعلامه. هذا في وقت تسيطر فيه المخابرات على القنوات الفضائية والإنتاج السينمائي والصحفي بشكل كامل، وبعد صياغة قوانين تراقب مواقع التواصل الاجتماعي ضمن قانون الإعلام، وحجب ما يزيد عن 513 موقع صحفي وحقوقي، منها مدى مصر. كما قامت الحكومة بملاحقة المشاركين في المؤتمرات الخارجية والمتحدثين مع الصحافة الأجنبية، فقبضت على المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح بمجرد عودته لمصر من مقابلة في لندن، واتهمت خالد أبو النجا وعمرو واكد بالخيانة العظمى جراء مشاركتهم في جلسة بالكونجرس الأمريكي. 

وأحكمت الدولة القبضة على الجامعات والإنتاج الأكاديمي وألغي العمل الميداني من كبرى جامعات الدولة خاصة بعد قتل جوليو ريجيني جراء عمله على قضايا العمال في مصر والحكم على الباحث إسماعيل الإسكندراني عسكريًا بالسجن لعشر سنوات لبحثه في قضية الإرهاب في سيناء، وحبس وإخفاء باحثين ومحامي منظمات المجتمع المدني قسريًا. كما سُجن عادل صبري رئيس تحرير مصر العربية لنشره تقريرًا عن الانتخابات الرئاسية. فأصبحت القاعدة هي: لكل كلمة ثمن يدفعه الناشطون في المجال العام داخل أو خارج مصر.

حرب المصادر والصوت

وسط كل ذلك التضييق، ظلت المخابرات العامة والمخابرات الحربية كيانات بعيدة عن الأضواء لسنوات طويلة، قبل أن يتم تداول أخبار وجود صراع بين المخابرات العامة والحربية في السنوات السابقة على إثر إحالة عشرات من قادة ووكلاء جهاز المخابرات العامة للتقاعد، ثم إعلان الفريق سامي عنان ترشحه للرئاسة. حسم حينها الأمر سريعًا بسجن سامي عنان وبتصفية أو «فلترة» السيسي للمخابرات العامة أو ما يسمى إعلاميًا بجناح عمر سليمان وإحلاله تدريجيًا لرجال المخابرات الحربية، ومن بينهم ابنه الأكبر محمود السيسي ومدير مكتبه عباس كامل.

تحليلات كثيرة أصبحت ممكنة عن أداء النظام بعد نشر مدى مصر لتفاصيل استبعاد محمود السيسي، وعلامات استفهام صارت جاهزة للطرح والنقاش بعد كشف معلوماتها الأساسية، وهو ما لا يوافق عليه نظام يسعى لقتل السياسة وإخراج المدنيين من معادلة المجال العام بالترهيب والتعتيم وإغراق المشهد العام بتفاصيل كثيرة متضاربة ومغلوطة تتوه بينها المعلومة الدقيقة فتتحول الكتابة التحليلية إلى منتج غير مكتمل الأجزاء يفتقر لمعايير التحكيم.

سلب المعلومة، ومنع وسائل الوصول إليها، هو سلب لأي إمكانية للنزاهة. وهو كذلك عملية تجذير للتعتيم وقتل لكل احتمالية للانحياز قبل أن يولد، بحيث تصبح المصادر شبه الموثوقة الوحيدة هي توجهات أبواق النظام في الإعلام. إلّا أن النظام، رغم سعيه الدؤوب هذا نحو سلب المعلومة، يصاب بتصدعات بين الحين والآخر ومن هنا تأتي أهمية تقرير مدى مصر وارتباك النظام في التعامل معه. حيث استعان التقرير بمصدرين داخل المخابرات العامة ومصدر قريب من دوائر صنع القرار في الإمارات، رغم الجهود والأموال الحكومية المصرية والعربية التي تقف ضد هذه الإمكانية بالأخص.

يأتي اقتحام مدى مصر ضمن تداعيات الحملة الأمنية المعروفة إعلاميًا باعتقالات 20 سبتمبر 2019، وهي أكبر حملة قمع وترهيب في حكم الرئيس السيسي، وأكبر قضية في تاريخ مصر القضائي من حيث عدد المحبوسين وتنوع خلفياتهم السياسية والاجتماعية. ومنذ 20 سبتمبر 2019 رصدت المنظمات الحقوقية ما يقرب 4,000 حالة استيقاف وقبض عشوائي من الشوارع، كان بينهم مئتا طفل، بالإضافة للاعتقالات الجماعية لقيادات الأحزاب والسياسيين والحقوقيين والمحامين والصحافيين، في سجون ضمت خلال السنوات الست الماضية أكثر من 60,000 معتقل سياسي بالفعل. 

يعادي نظام السيسي الجميع، ويقف في حرب مفتوحة ضد خلق البدائل ومحاولات التفاوض أو الاعتراض. الأمر الذي يجعل دفاعنا عن مساحات التعبير المستقلة الباقية بمثابة دفاع عن حقنا في الوجود والتنفس.

* اسم مستعار