الاقتصاد اللبناني في عهد الزعامات

من لبنان، تصوير باتريك باز.

الاقتصاد اللبناني في عهد الزعامات

الخميس 30 كانون الثاني 2020

من داخل الحراك في شوارع لبنان، يتردد شعار «كلن يعني كلن» باعتبار أن موجة الاحتجاجات الشعبية موجهة إلى الكل الطائفي داخل البنية السياسية اللبنانية. وبناء على ذلك، تخرج بعض الاستنتاجات من قبل مفكرين ومثقفين ترى أن على لبنان التخلص من الحكم الطائفي والانتقال إلى حكمٍ ديمقراطيٍ مدنيٍ.

على كل حال، أعتقد أن النظام الطائفي، وهو القائم على منح بعض العائلات والوجاهات الممثّلة للطوائف المختلفة امتيازات اقتصادية وسلطات سياسية إنما هو غطاء لنظام أكثر خبثًا، هو نظام الزعامات. زعامات هي حجر الأساس لما يعرف اليوم بكارتلّات تحتكر قطاعات حيوية وأساسية في الاقتصاد اللباني، بينها النفط والبنوك والأسمنت والاتصالات وغيرها.

يتكون كل كارتيل من عائلات تتبوأ مناصب سياسية متنفذة، أكبرها وأغناها ذلك المتحكم في القطاع البنكي الذي يأخذ الحيز الأكبر من الكعكة الاقتصادية. واليوم في مساحة جغرافية تقل عن أحد عشر ألف كيلومتر مربع، هنالك حوالي 66 بنكًا تجاريًا، 14 منها محلّية. إضافة إلى مصرف لبنان المركزي (Banque du Liban)، بمجموع ودائع يقارب المئة وسبعين مليار دولار، أي ما يعلو 300% من إجمالي الناتج المحلي، ويمثّل هذا الرقم ثالث أعلى نسبة إيداعات على مستوى العالم بعد كلٍ من لوكسمبرغ وهونغ كونغ. لوهلة، قد تبدو المشكلة الأكبر في هذه النسبة بحد ذاتها، داخل بلد لا يتعدى مساهمة قطاعيه الصناعي والزراعي أكثر من 17% من الناتج المحلي، خاصة أن هذا الكم من الودائع ترجم الى نسبة دولرة (Dollarization) عالية في الاقتصاد المحلي تصل إلى ما يزيد عن السبعين بالمئة، تجعل حتى من فواتير الكهرباء والهاتف تدفع بالدولار من قبل المواطن اللبناني، الذي بدوره يعاني من تضخم أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة بسبب ضعف قيمة الليرة اللبنانية الحقيقية أمام العملة الصعبة.

ولا ننسى أن نجاح السوق المالي وأدواته الافتراضية من أسهم ومستندات وصكوك تعتمد في الدرجة الأولى، إلى جانب قوة العملة المحلية، على ثقة المستثمر، وهذا منال صعب جدًا في ظل الظروف السياسية والاجتماعية التي تلاحق لبنان من كل جانب، جاعلة منه بيئة غير مستقرة بتاتًا.

لطالما تباهى سياسيّو لبنان بنموذج اقتصاد «دعه يعمل، دعه يمر» أو (Laissez-faire)، وأشاروا إلى قوّته وليبراليته وقدرته على تحمل الضربات والنهوض في وجه الأزمات. ومن بين هؤلاء كان رياض سلامة حاكم مصرف لبنان المركزي، وصديق عائلة الحريري، والذي أكد أمام شاشات التلفاز عام 2018 على رصانة الاقتصاد اللبناني، حتى بدا لوهلة وكأنه يدعو العالم إلى اتباع النموذج اللبناني. وللأمانة هذا النموذج أكثر من ممتاز، ولكن فقط إن كنت مصرفًا، إذ أن أكبر أربعة بنوك تجارية تمكنت من مضاعفة أرباحها السنوية في العشر سنوات الماضية من 678 مليون إلى 1.39 مليار دولار.

بنوك لبنان والاقتصاد الريعي

يستحوذ عشرون بنكًا في لبنان على ما يقارب 99% من أصول (Assets) قطاع البنك المصرفي في لبنان، وحصة الملكية الأكبر أو السيطرة على مجلس الإدارة في 18 من تلك البنوك تعود لشخصيات تتبوأ مناصب سياسية أو ذات صلة عائلية أو حزبية بتلك الشخصيات. وعلى رأس هذه الشخصيات رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري وعائلته التي تملك أكبر مصرف تجاري في لبنان (بانك ميدBankMed)، بالإضافة إلى عائلات سياسية أخرى تتحكم بـ(43)% من هذه الأصول، علمًا أن ثمانية منها تستحوذ على 28% أي ما يعادل سبعة مليارات دولار تقريبًا.

مصادر هذه الأرباح والأملاك متعددة، ولكن جزءًا كبيرًا منها يأتي من البنية الريعية التي سمحت للبنوك التجارية بجباية فوائد باهظة تتراوح ما بين 8-5% على ما يقارب 50% من دين الدولة العام الذي قارب 85 مليار دولار.[1] وتشتري البنوك ديون الدولة على شكل أذونات وصكوك ومستندات خزانة (Treasury Bills, Notes and Bonds) بالليرة اللبنانية ويورو-بوندز[2] قوامها عملات أجنبية. هذا طبعًا غير الفائدة التي يتم دفعها من قبل البنك المركزي على إيداعات المصارف التجارية بالليرة والدولار بالإضافة إلى شهادات الإيداع (Certificate of Deposits CDs) التي عادة ما تجني نسبة فائدة أكبر لعوامل تتعلق بطول مدة الإيداع.

في المقابل، يستمر سلامة في التأكيد على أن احتياطي الدولار لدى البنك المركزي بقيمة 40 مليار دولار أكثر من كافٍ لتغطية الحد الأدنى للإبقاء على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية على الدولار الأمريكي عند 1507.5-1515 ليرة للدولار الواحد. ولكن ما لا يكشفه سلامة هو أن الاحتياطي الموجود هو الإجمالي (Gross)، أي أنه الاحتياطي الموجود قبل احتساب المسؤوليات المادية (Liabilities) على المركزي والتي على الأغلب تتكون من إيداعات وشهادات إيداع للبنوك التجارية بالدولار الأمريكي، بقيمة 60 مليار. إضافة إلى أنه وعقب انخفاض أسعار النفط في نهايات العام 2015 وتوتر العلاقات السياسية بين لبنان والسعودية بسبب سيطرة حزب الله المتزايدة، بدأ رأس المال الخليجي بالانسحاب من لبنان، مما شكل أزمة سيولة بالدولار، ولكن المصرف المركزي بقيادة سلامة، تمكن من ترقيع وتغليف الأزمة من خلال هندسات مالية عقيمة في العامين 2016-2017 وفرت للمصرف المركزي إمكانية تبديل ديونٍ قوامها بالليرة اللبنانية قيمتها 2 مليار دولار بيورو-بوندز قوامها بالدولار، ومن ثم بيعها للمصارف التجارية مقابل الحصول على دولار طازج.

نموذج آخر للهندسات المالية، قام من خلاله المركزي عام 2017 بإعطاء البنوك التجارية الحق بأخذ قروض تساوي 125% من قيمة إيداعاتها بالليرة اللبنانية بنسبة فائدة لا تتعدى 2%، وإذا قرر البنك طوعًا إعادة إيداع هذه الأموال بالدولار، يحصل على فائدة نسبتها 13%، والمثير للاهتمام أن قروض المركزي للتجاري وصلت إلى 35 مليار دولار في شهر شباط 2019 ولكنها سجلت في الميزانية العمومية 14 مليار دولار في آذار من نفس العام، وقد تم ذلك باعتبار 21 مليار دولار بندًا خارجًا عن الميزانية العمومية (Balance Sheet)، كنوع من التجميل لأوراق المركزي المالية الغرض منه إبقاء الوهم المتعلق بديمومة احتياطي الدولار للأبد.

تدفع خزينة الدولة ما يقارب 5.59 مليار دولار سنويًا، أي نصف إيراداتها خدمة لدينها العام (الفوائد)، وكما أوضحنا أعلاه، تذهب هذه المبالغ إلى جيوب الطغمة السياسية والمستثمر الخارجي اللذيْن يملكان البنوك التجارية. وعلى هذا النحو، استمر صندوق باندورا وفقاعته الاقتصادية بالانتفاخ منذ تولي الحريري الأب رئاسة وزراء لبنان قبل ما يقارب الثلاثين عامًا، وها هي كما يبدو تنفجر في وجه الحريري الابن الذي اضطر تقديم استقالته إثر موجة الاحتجاجات الشعبية في أرجاء البلاد. يتساءل الكثيرون اليوم كيف وصل لبنان إلى مرحلة وصل فيها الدين العام والعجز الحكومي لهذا القدر، وبنسب 150% و7.59% من إجمالي الناتج المحلي (GDP)، في حين أن سعر صرف العملة المحلية في انهيار بعيدًا عن سعر الصرف الرسمي 1507.5 ليرة للدولار الواحد، حيث يتداول في السوق بين الصرافين بسعر يصل لأكثر من ألفي ليرة للدولار الواحد. وهذا يعني تضخمًا كبيرًا في أسعار السلع الاستهلاكية، وانعدامًا للقوة الشرائية فيما سيولة بنوك تكاد تكون بالقاع، وهذا ما نراه حاليًا في شوارع لبنان، إذ أن الموظف لا يستطيع حتى استلام راتبه نقدًا من البنك بالدولار أو حتى بالليرة المتآكلة.

عن سيرورة تكوين الفقاعة

قبل الخوض في أسباب وبدايات تشكل الفقاعة الاقتصادية في لبنان،[3] وجب في البداية القيام بعملية تأطير نظري لمبدأ الفقاعة على الصعيد العام قبل الانتقال إلى الخاص. يضع راي داليو (Ray Dalio)، وهو أحد أغنى رجال الأعمال في العالم، بين أيدينا أحد أفضل الكتب لفهم كوارث الدين الضخمة التي عادة ما تبدأ بقاعدة اقتصادية منتفخة أكثر مما يجب وتبنى بالعادة على ممارسات تنمية غير مستدامة، لنصل إلى أرباح سريعة للطغمة المالية والنزعة المتوقعة باستدانة المزيد في حال وفرة هذا الدَين، متناسيًا أن القوة الشرائية المكتسبة من هذه الممارسة، ستغدو عبئًا ماديًا إذا لم تستخدم في نشاطات تنتج رأس مال ليس فقط كفيل بخدمتها بل ما يزيد عن ذلك.

في البداية، تتدفق الأموال الاستثمارية إلى البلد من المستثمر الأجنبي أو المواطن المهاجر، لوجود محفز البيئة الاقتصادية الخصبة ذات الديْن القليل والميزانية العمومية (balance sheet) النظيفة، ملحقة بوعود تطور وردية. بدورها ترتفع معدلات الدخل، وتنشط معها نزعات استثمارية مموَلة بالدين بسبب الثقة الزائدة بالدخل الجديد، ولهذا السبب تجد في البداية قفزة في قيمة الأصول والنشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى ارتفاع في سعر الصرف على العملات الأجنبية بواقع ازدياد الطلب على العملية المحلية، خاصة في الأمم الصناعية كدول شرق آسيا. خلال هذه الدورة ذات التعزيز الذاتي، تبدأ الاستثمارات المنتجة بالخمول علمًا أن رأس المال ما زال يتدفق عليها، في الوقت الذي سترتفع فيه قيمة العملة المحلية وأجور العمال معها، مما سيقزّم جاذبية الاستثمار.

مع أن النشاط الاقتصادي سيكون في أوجه، إلا أن الإنفاق سيكون أعلى من الدخل، وستستبد هذه الدوامة إلى أن تتراكم الديون بالعملة المحلية والأجنبية، وعندها ستبدأ قلة الإنتاجية، وستظهر أعباء الدولة وتقلص الرأسمال الأجنبي على الملأ. ومع مرور الوقت، وانتفاخ الفقاعة الاقتصادية أكثر، ستبدأ الدولة بتخفيض نسب الفائدة للتخفيف من حدة خدمة الدَين، لتنخفض قيمة العملة معها لندخل في بداية انفجار الفقاعة ومرحلة الكساد التضخمي (Inflationary Depression)، وإذا كانت الدولة ذات سيادة سياسية ضعيفة، فأغلب دينها ومسؤولياتها المادية قوامها عملة غير المحلية التي يطبعها البنك المركزي، ستتجه الأوضاع نحو التضخم الشديد، تماما كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى بسبب دينها للحلفاء، حسبما يوضح لنا راي داليو من خلال كتابه، وهذا فعليًا ما تؤول إليه الأمور في لبنان بسبب الدولرة العالية في الاقتصاد ومسؤوليات الدولة المادية.

لبنان الحريري ما بعد الحرب

قبيل الحرب الأهلية في لبنان، كان الدولار يساوي ثلاث ليرات لبنانية، أمّا عقب الحرب، استحالت البنية التحتية في البلد دمارًا، والعجز الحكومي وصل إلى ما يقارب الثلاثين بالمئة. إثر هذا، استهل رجل لبنان الأول الذي يعزى له «بناء» لبنان، رفيق الحريري، مشاريع إعادة إعمار «إصلاحية» تتطلب ميزانيات حكومية ضخمة، وديونًا بفوائد مرتفعة لتمويلها. يلحظ أن ميزانية أحد هذه المشاريع الإعمارية كانت 14 مليار دولار، غالبيتها تذهب نحو ترميم قطاعات الكهرباء، والمياه وغيرها من أساسيات البنى التحتية. ولا ننسى طبعًا مشروع «إعمار» المنطقة التجارية والسياحية في بيروت من خلال شركة الحريري المعروفة بالسوليدير، علمًا أن كلفة المشروع كانت 4 مليار دولار. 

بطبيعة الحال، لن تجد الكثير من الجهات الخارجية المستعدة لإقراض مثل هذه المشاريع الضخمة في بلد همشته الحرب، ومن هنا بدأت دورة الاقراض الداخلي، وكما وضحنا سابقًا 90% من ديون لبنان داخلية. في البداية كانت أغلب الديون لبنوك تجارية قبل أن ينتقل جزء كبير منها إلى البنك المركزي، تبيعها الحكومة على شاكلة أذون خزانة (Treasury Bills) بنسبة فائدة وصلت 37% في بعض الأحيان، ومعدل هذه النسبة كان 20% في عام 1992، علمًا أنه وخلال الفترة الزمنية 1993-1998 ارتفعت قيمة ديون الدولة من 3 مليار إلى 18 مليار دولار أي بمعدل نمو سنوي تضاعفي 40%، حتى وصلت إلى 70 مليار دولار في عام 2015، بمعدل نمو سنوي تضاعفي 14.77%.9 

ووسط أجواء ساد فيها السلم الأهلي والاستقرار السياسي، تدفقت دولارات الخليج ومغتربي لبنان من أباطرة الأموال، لكن المعضلة في اقتصاد خدماتي ومصرفي داخل بنية سياسية هشة ظهرت في نهاية التسعينيات، عندما وصل سعر صرف الليرة على الدولار الواحد 3000، مما سبب تضخمًا شديدًا في الأسعار، وبناء عليه تم تثبيت سعر العملة؛ أمر طبيعي أن تنهار عملة دون دعم حكومي في دولة غير صناعية ومستوردة بشكل أساسي، إذ لا طلب على الليرة اللبنانية كما هي حال عملات الدول الصناعية في شرق آسيا.

آنذاك، قد يكون من الممكن اعتبار تثبيت الليرة خطة حكيمة لمنع الانهيار، ولكن وجب أن تصحبها خطوات جدية في اتجاه استدراك معضلة اقتصاد خدماتي غير منتج في داخل محيط سياسي هش، مع هذا استمرت ممارسات ترقيع وترميم الفقاعة من خلال هندسات مالية شبيهة بتلك التي استخدمت في 2016-2017 على أساسها يتم تبديل وحذف وتخفيض الفائدة على الديون المتراكمة لتصل إلى 4% في عام 2015، بالإضافة إلى فرض ضريبة القيمة المضافة (VAT) على السلع الاستهلاكية، أي بمعنى آخر انهاك المواطن بديون الدولة وعجزها الحكومي.

عن النهاية وإمكانية الحل

الحقيقة التي يصعب على البعض تقبّلها هو أن لبنان مفلس فعليًا، مع أن الحكومة استطاعت تغطية تكلفة اليورو-بوندز المستحقة في تشرين الثاني الماضي، إلا أن دفعة أخرى بنفس القيمة تنتظرها في آذار المقبل 2020، ومستندات الحكومة اللبنانية تقف بعيدة (Dollar Bond Spread) حوالي 2300 نقطة مئوية (basis points) عن مستندات الخزانة الأمريكية (US Treasury Bonds) وهذا يؤشر إلى إمكانية تخلّف عن الدفع عالية قد تصل حتى 90%. ومع أن البعض لا زال يعوّل على قدرة لبنان على تغطية سيولة الدولار من خلال احتياطي الذهب الضخم في لبنان، إلّا أن هذا وهم، لأن احتياطي الذهب لأي دولة هو ملاذها الاقتصادي (safety net) الأخير، وإذا تم المساس به، فسيفقد المستثمر أي ثقة بقيت له في الاقتصاد.

سواء كانت الحكومة طائفية أو لم تكن، لن يكون بالوسع تحقيق تغيير نوعي في ظل بنية اقتصادية هدفها جلب الأرباح للطغمة المحتكرة. هناك من يتخيل أن الأزمة في لبنان اليوم شبيهة بتلك التي عرفتها اليونان، وفي ذلك تغاضٍ عن أن لبنان اليوم هو اقتصاد ما بعد حرب، وما زال جزءًا من تعقيدات سياسية لا تسمح له بما هو مسموح لدولة في أوروبا.

اليونان جزء من الاتحاد الأوروبي وديونها كانت باليورو، وهذا أعطاها ميزة سهولة إعادة جدولة الديون والاقتراض من البنك الدولي أو الاتحاد نفسه، عدا أنها نسبيًا تعيش جوًّا سياسيًا أقل عداءً من الذي تعيشه لبنان بمكوناته السياسية والاجتماعية المتناحرة. فمثلًا، للحصول على أموال مؤتمر سيدار الأوروبي، والبالغة (11) مليار سنويًا، اشترطت القوى الأوروبية أن تكون الحكومة اللبنانية حكومة تكنوقراط، وهذا ما لن يسمح به كلٌ من حزب الله وحركة أمل كون هذا الأمر يهدد وجودهما في الحكومة.

وإذا رغبت الحكومة في الحصول على مساعدة من البنك الدولي والتخلص من العقوبات الأمريكية التي تعيق تدفق الدولار إلى البلد، فعليها التخلص من سلاح الميليشيات الخارجة عن سيطرة الجيش الرسمي للدولة، وهو الأمر الذي لن يحصل.

هناك أيضًا من يشيد بفرض القيود على رأس المال (Capital Control) بمعنى تطبيق إجراءات مصرفية مقيّدة للسحوبات والتحاويل، ويقترحه كحلٍ سحري لأزمة سيولة الدولار، ولكن الواقع ينص أن هذا سيكون صعب التحقيق جدًا، خاصة على كبار المودعين والمستثمرين في بنوك يملكها السياسيون ومستثمرون خارجيون مرتبطون بنفس الطغمة، وعلى الأغلب سينفذ ويكون وقعه أكبر على صغار المودعين والمواطن اللبناني العادي، كما نراه حاصلًا الآن.

فما العمل إذًا؟

من الضروري أن ننتبه بداية إلى أنه لا حلّ ميكانيكي سهل للأزمة اللبنانية، لكن هناك خطوات وقرارات اقتصادية صعبة أعتقد أنها تقود نحو إصلاح ممكن، بينها:

أولًا، تخفيف العجز الحكومي، ويتحقق ذلك عن طريق رفع الإيرادات الحكومية وتخفيف التكاليف. أحد أهم مصادر الإيرادات المهمشة في لبنان هي الضرائب على أرباح رؤوس الأموال وخاصة المصارف. مشكلة أن تكون إيراداتك من الضرائب لا تزيد عن 15% من إجمالي الناتج المحلي، في حين أن المعدل لدولة متوسطة الدخل يقدر بـ(34)% من الناتج المحلي.

أمّا في خانة التكاليف، فيأتي الدور لكسر احتكار الكارتيل النفطي في لبنان الذي يتكون من عائلات سياسية أهمها جنبلاط والبستاني، واللتان تستحوذان على 10% من مبيعات البنزين والمازوت بالإضافة إلى أن جنبلاط يملك حصة لا بأس بها من شركة صيداكو التي تستورد 30% من الغاز المنزلي.

ينفق لبنان خمسة مليارات دولار سنويًا على استيراد النفط سنويًا، ويطالب الكارتيل بأن يوفّر له مصرف لبنان التمويل بالدولار لاستيراد كل المشتقات النفطية، من دون أن يفرض عليه إيداع 100% من قيمة الاعتمادات المستندة المفتوحة (التمويل) بالليرة و15% من قيمتها بالدولار. والكارتيل نفسه يفرض على الحكومة استخدام الديزل بدلًا من الغاز الطبيعي الأبخس ثمنًا في القطاع الكهربائي المكلف بشكل عام، حيث تنفق الحكومة على هذا القطاع 1.8 مليار دولار سنويًا.

ثانيًا، تعويم العملة والتخلص من تثبيت سعر العملة المحلية على الدولار. وهو العملية قد تكون ضرورة اقتصادية في ظل عدم توفر احتياطي حقيقي للحفاظ على التثبيت. علمًا أن هذه الخطوة تترتب عليها كلفة اجتماعية باهظة، ولكنها أساسية للتخلص من الدولرة المرتفعة في الاقتصاد. التباين في هذه المسألة يتعلق بكيفية التعويم وليس بضرورة الخطوة بحد ذاتها. إحدى توصيات راي داليو في كتابه عن حالة الانهيار التضخمي كما يحدث في لبنان، هي التخفيض الكبير وعلى دفعة واحدة، لاستثناء وتقويض الشكوك حول قيمة العملة مما قد يزيد ثقة المستثمر.[4] من جهة أخرى، هناك من يدعو الى تعويم بطيء لتجنب التضخم المفرط في الأسعار. في النهاية، هذا القرار ليس سهلًا، وسيعود إلى التخطيط بين البنك المركزي والحكومة اللبنانية.

ثالثًا، منح المصرف المركزي اللبناني استقلالية أكبر، ووقف ممارسات شراء الديون (Debt Monetization Practices)، وهذه الخطوة من شأنها إضفاء نوع من الموضوعية في ممارسات الحوكمة والتدقيق المالي، علمًا أن هذا الأمر صعب جدًا في عامة الدول وسيكون أصعب في لبنان نظرًا لوضعها السياسي المعقد.

رابعًا، إعادة جدولة الديون، بل وإلغاء بعضها، فمن الوهم الاعتقاد أن الدولة قادرة على سداد جل ديونها. بطبيعة الحال، خطوة كهذه ضرورية في الوقت الحالي ولكن لها عقباتها، لأن الديون داخلية والتخلف عنها فيه مشكلة تضارب مصالح (conflict of interest) خاصة أن الطغمة السياسية هي من ملاك البنوك، ولكن على جميع الأطراف التوصل إلى نوع من التسوية لمنع الانهيار. تشمل هذه التسوية أيضًا تخفيض معدلات الفائدة على إيداعات الدولار وشهادات الإيداع (Certificate of Deposits) التي تقدر 6-8% ، وهذا فارق كبير عن نسبة أقل من 2% على ودائع الدولار في الولايات المتحدة.

وفي النهاية ليس بوسعي إلا أن أؤكد على أهمية إجراء دراسات استشرافية تسمح للأطراف المعنية بالتفكير في إمكانية تغيير البنية الاقتصادية إلى أخرى إنتاجية من خلال التركيز أكثر على القطاعات الصناعية والزراعية، بعيدًا عن حلم «سنغافورة أو سويسرا الشرق الأوسط»؛ لبنان بلد عربي يعيش تناقضاته الداخلية بشق النفس في بيئة معادية ووعرة، لا تسمح لها بالإبقاء على اقتصاد خدماتي محكوم بالدولار.

غير هذا التوجه سيكون ترميمًا وترقيعًا مماثلًا لما حصل سابقًا، لكن لا أحد يعلم إن كان لبنان سينجو هذه المرّة.

  • الهوامش

    [1]بالنسبة للنصف الآخر من الدين العام فيملك البنك المركزي اللبناني حصة كبيرة منه تقارب 40%، وهناك حوالي 10% دين خارجي

    [2]مستند مالي دولي تصدره الحكومة بعملة غير العملة المحلية، وقوامه(Denominated) عادة ما يكون بالدولار الأميريكي أو الين الياباني.

    [3]Dalio, 2018, pp.39-65)

    [4]Dalio, 2018, pp.39-65)