الاقتصاد اللبناني: قصّة نموذج اقتصادي مستنزف

الخميس 04 تموز 2019
الصورة لمتظاهر أمام بنك لبنان في العاصمة اللبنانية بيروت، من العام 2018، الصورة بعدسة أنور عمرو أ ف ب.

بحلول سنة 1990، كان اللبنانيون على موعد مع إعادة تشكيل الحياة السياسيّة وفق نموذج مختلف، بعد اتفاق الطائف الذي طوى حقبة حرب أهليّة دامت نحو 15 سنة. كان عنوان المرحلة القادمة في ذلك الوقت «إعادة الإعمار»، بعد أن تركت شظايا الحرب الأهليّة بصمتها على شكل دمار واسع طال البنية التحتيّة والعمران على امتداد خطوط التماس وفي المناطق التي طالها التهجير الطائفي. في السياسة، كانت المحاصصة الطائفية هي السمة الأبرز لفترة ما بعد الحرب، وقامت هذه المحاصصة على تقاسم قادة الطوائف البارزين لكل مقدّرات الحكم: من مراكز قوّة ونفوذ ومناصب ومنافع المشاريع وعقود تلزيمها وصولًا إلى أموال التعويضات التي دُفعت لمُهجّري الحرب الأهليّة، والتي شاب توزيعها كثيرٌ من المحاصصة والفساد حتى صارت مضرب مثل. كل ذلك كان يجري في ظل وصاية النظام السوري، الذي اكتسب في فترة ما بعد الحرب نفوذًا مطلقًا جعله عرّاب الحقبة ومهندس حياتها السياسيّة.

وكما كان اللبنانيون يتجهون نحو إعادة بناء نموذج سياسي جديد، كان ينشأ بالتوازي نموذج اقتصادي صاغته السياسات الرسميّة التي أنتجتها الحكومات المتعاقبة، بما يتوافق مع مصالح النخبة الحاكمة التي كانت تتداخل مصالحها الاقتصاديّة والسياسيّة. كانت تلك الحقبة بالذات مرحلة البداية لنموذج اقتصادي متكامل لطالما حذّر منه كثيرون، بوصفه نموذجًا غير مستدام، يحمل في طيّاته عيوبه البنيويّة التي ستنفجر يومًا. وبينما يتحدّث الجميع اليوم عن التردّي الاقتصادي الذي تشهده البلاد، يتجاهل كثيرون حقيقة أن عوامل التفجير كانت موجودة منذ بداية حقبة ما بعد اتفاق الطائف، وما كنّا نشهده منذ ذلك الوقت لم يكن سوى تراكم كمّي لعوامل التفجّر التي نراها اليوم بأم العين.

مهاجرون ومصارف ودين عام

مع انطلاق لبنان في حقبة إعادة الإعمار، اتسمت السياسات المعتمدة بتجاهل القطاعات الإنتاجيّة بشكل كامل، لا بل سرت سرديّات في الصالونات السياسيّة في ذلك الوقت تعتبر أن بإمكان لبنان أن يكون واحة ماليّة شبيهة بهونغ كونغ أو لوكسمبورغ، دون أن يعتمد بالضرورة على القطاعات المنتجة التي تؤمّن تقليديًّا حاجة البلاد من العملة الصعبة للاستيراد والإنفاق. وما اعتقد البعض أنّه هونغ كونغ مشرقيّة، لم يكن سوى توسّع في نموذج ريعي فاشل كان يراكم أسباب الانهيار، عبر الاعتماد على طفرة ماليّة قوامها التحويلات الخارجيّة التي لم تغذِّ أي نشاط إنتاجي يمكن الاعتماد عليه على المدى الأطول.

فمع بداية التسعينيات، ومع توسّع قاعدة الشباب المتعلّم في لبنان، بدأت البلاد تشهد تناميًا لظاهرة الهجرة الموجودة أساسًا منذ عقود. إذ كان تردّي واقع القطاعات المنتجة وبحث الشباب اللبناني عن فرص أفضل يدفع، كل يوم وتدريجيًّا، المزيد من الشباب إلى الهجرة باتجاه الغرب أو الدول النفطيّة. وبينما كانت هجرة الشباب تتسبب بمعاناة إنسانيّة على المستوى الإجتماعي، كانت تمهّد أيضًا لظاهرة أخطر: إدمان الاقتصاد اللبناني على انتفاخ المصارف اللبنانيّة.

تحويلات المهاجرين إلى الاقتصاد المحلّي، كانت ترفد البلاد بالعملة الصعبة التي تركّزت على شكل ودائع مصرفيّة بالأخص كونها لم تنتج من نشاط اقتصادي محلّي فعلي، كما لم يتم توظيفها في نشاط من هذا النوع. انتفاخ المصارف بالعملات الصعبة رفدته أيضًا ظاهرة جديدة بدأت تشهدها البلاد، وهي المضاربات العقاريّة التي بدأت بدورها تستقطب رساميل أجنبيّة باحثة عن الربح السهل والوفير. كانت ظاهرة المضاربات العقاريّة تسبب بدورها مشكلات اجتماعيّة من نوع آخر: عجز معظم اللبنانيين من محدودي الدخل عن تأمين السكن اللائق دون الديون المصرفيّة الضخمة.

ما زالت الدولة تصر على التعاطي مع الدين العام من خلال التأكيد على مصالح الدائنين وحقوقهم، دون التطرّق إلى أي حلول جذريّة لعلاج المشكلة الناتجة عن استنزاف هذا الدين للواردات الحكوميّة.

وبينما كانت المصارف اللبنانيّة تشهد انتفاخها هذا من ناحية الودائع، لم يوفّر الاقتصاد المحلّي الفرص الملائمة لتوظيف هذه الأموال في قروض استثماريّة منتجة، كما لم تشجّع السياسات القائمة على هذا النوع من الاستثمارات. ولذلك، كانت توظيفات المصارف اللبنانيّة تتجه نحو مكامن الأرباح الأسهل: الدين العام اللبناني الذي كان يوفّر بدوره أرباح سخيّة لهذه المصارف، التي استدانت الدولة منها بفوائد عالية، وللقطاع العقاري من خلال القروض السكنيّة والقروض التي كان يتم منحها لتجّار البناء.

ولتعزيز هذا النموذج الريعي، تكاملت السياسات النقديّة التي كان يرعاها مصرف لبنان مع السياسات الماليّة التي كانت تنتهجها الدولة. فذهبت السياسات النقديّة باتجاه توفير الفوائد السخيّة على الودائع لاستقطاب التحويلات الماليّة باتجاه المصارف، لتزيد من انتفاخها وتزيد من توظيفاتها باتجاه الدين والعقارات. وهكذا، ساهم ارتفاع الفوائد مجدّدًا في تعزيز الجانب الريعي من جهتين: أولًا عبر رفع كلفة الاقتراض على المستثمرين وهو ما يحبط تلقائِيًّا أي جهد إنتاجي محتمل، وثانيًا عبر جعل الودائع أكثر إغراءً للأصحاب رؤوس الأموال من الاستثمارات المنتجة.

أما أرباب السياسة في لبنان، فكانوا يستمتعون طوال تلك الفترة بهذا النموذج الذي وفّر مصدر تمويل وفير للدولة من خلال الاستدانة للإنفاق، والمزيد من الاستدانة لسداد فوائد الديون القائمة. كانت هذه الأموال توفّر ما يلزم من تمويل للمشاريع الذي غرقت بمعظمها في وحول الفساد والمحسوبيّات وتوظيف المؤيّدين. وانتشرت ظاهرة تقاسم «الصناديق» التي تخصص كل منها بنوع معيّن من الإنفاق، وتقاسم السياسيون اللبنانيون السيطرة على هذه الصناديق ومنافعها.

حين اعتقدنا أننا ملكنا الدنيا

لوهلة، بدا أن الجميع يعتقد أن بإمكان هذا النموذج أن يستمر إلى الأبد: تحويلات خارجيّة تعوّض حاجة البلاد إلى العملة الصعبة اللازمة للاستيراد، تتجه تلقائيًّا نحو نظام مصرفي ينتفخ وتنتفخ أرباحه، عبر تمويله طفرةً عقاريّةً ودينًا عامًّا متعاظمًا. كان العجز التجاري، أي فارق الصادرات والواردات، يتعاظم بدوره، كون القدرة الإنتاجيّة للبلاد متهالكة، لكنّ أحدًا لم يهتم طالما أن النموذج يسير ويكبر وينتج ما يكفي من أرباح لأربابه، وطالما أن الأمور لم تنفجر بعد فكل شيء على ما يرام.

كانت الأزمة الماليّة العالميّة سنة 2008 حجة إضافيّة لمن كان يحب أن يتغنّى بعبقريّة النموذج الاقتصادي اللبناني: فالانهيارات الاقتصاديّة في الخارج تسببت بهجرة بعض رؤوس الأموال نحو النظام اللبناني، الذي كان بعيد حكمًا عن آليّات عمل الأسواق الماليّة في الخارج بحكم تركّز الجزء الأكبر من توظيفات المصارف في الدين العام المحلّي. كما خفّضت المصارف المركزيّة الغربيّة لمعدّلات فوائدها لتعزيز السيولة في أسواقها، مما أدّى إلى المزيد من التدفّقات نحو النظام المالي اللبناني الذي كان يمنح فوائد خياليّة مقارنة بالفوائد في الغرب.

راجت في ذلك الوقت -خلال الأزمة العالميّة- نظريّات سطحيّة تتغنّى بانتعاش النظام المالي اللبناني في ظل الأزمة العالميّة، دون أن يدري اللبنانيّون أنهم يضيّعون مجدّدًا فرصة ذهبيّة للاستفادة من هذه الظروف عبر استعمال هذه التحويلات لخلق اقتصاد منتج حقيقي، عوضًا عن النموذج الذي كان يكبر وتكبر معه عوامل التفجّر.

حين بدأت الأزمة

يعتقد كثيرون في لبنان أن بدايات الأزمة كانت سنة 2016، عندما سمعوا لأوّل مرّة «بهندسات» يجريها مصرف لبنان لتعزيز الاحتياطي من العملات الصعبة الموجودة لديه. في الواقع، كانت أولى علامات الأزمة الفعليّة قد بدأت بالظهور سنة 2011، أي قبل سنوات من تعاطي الإعلام اللبناني مع عوارضها. فمنذ تلك السنة، دخل لبنان في أطول فترة من العجز المتواصل لميزان المدفوعات والتي لم يخرج منها حتّى الآن، مع العلم أن هذا المؤشّر هو الميزان الذي يحصر صافي التبادلات الماليّة بين لبنان والخارج. كان عجز ميزان المدفوعات أول العلامات التي أوضحت أنّ سنوات العسل التي عرفها النموذج الاقتصادي اللبناني قد انتهت، وأن هناك حقائق لا بد أن نواجهها اليوم.

فصحيح أن عجز الميزان التجاري (فارق الصادرات والواردات) مسألة روتينيّة في لبنان، نتيجة الاقتصاد الريعي القائم، لكنّ محصّلة ميزان المدفوعات الإجماليّة قبل 2011 كانت تشهد فوائض بعد احتساب تحويلات المهاجرين والمضاربين العقاريين، وكان ذلك كافيًا لتوفير العملة الصعبة في السوق للاستيراد وتثبيت سعر الصرف وتمويل الدين العام، وكل ذلك من خلال النظام المصرفي المتنامي. وهكذا، كان العجز المستجد أولى علامات تزعزع أسس المنظومة الماليّة القائمة.

استمر عجز ميزان المدفوعات لسنوات قبل أن يبادر مصرف لبنان إلى أوّل خطوة علاجيّة: هندسات ماليّة غامضة رآها اللبنانيين أشبه بطلاسم غير مفهومة، لكنّ هناك من همس أنّها منحت عوائد خياليّة للمصارف مقابل توفير عملات صعبة كتوظيفات لديه. تمكّنت الهندسات المكلفة والمعقّدة، وبشق النفس، من تجاوز عجز ميزان المدفوعات لسنة واحدة فقط، قبل أن يعود المؤشّر إلى تسجيل عجوزات متواصلة في السنوات اللاحقة، إلى أن شهد في مطلع 2019 أرقام قياسيّة نتيجة تحويلات إلى الخارج لم يشهدها لبنان في أحلك الظروف السابقة.

تتعدّد الروايات حول أسباب انقلاب الآية وبروز أزمة التحويلات وميزان المدفوعات: بين من يتحدّث عن تداعيات الأزمة السوريّة، وارتفاع الفوائد العالميّة التي دفعت إلى هجرة رؤوس أموال كثيرة إلى الخارج، وصولًا إلى ارتفاع العجز التجاري نفسه والقدر الذي يستنزفه من التحويلات. لكن الأكيد أن الأزمة أصبحت اليوم أكبر من كل هذا: ثمّة أزمة ثقة لدى الجميع في قدرة هذا النموذج على الاستمرار، لا بل ثمّة يقين عند معظم الاقتصاديين بعدم قدرة هذا النموذج على السير على هذا النحو إلى الأبد، وهو ما أدّى اليوم إلى ظهور تناقص في ودائع القطاع المصرفي لأوّل مرّة.

إلى أين؟

حتّى الآن تتركّز سياسات المصرف المركزي على شراء الوقت، من خلال بعض الإجراءات التي تتعاطى مع عوارض الأزمة دون علاج جوهرها. فجوهر الأزمة أكبر من السياسات النقديّة التي يحبّها ويعتاد على التعامل معها، ويكمن تحديدًا في طبيعة الاقتصاد اللبناني الريعي الذي يستورد أضعاف مضاعفة مما يصدّر: سنة 2018 استورد لبنان ما قيمته 19.98 مليار دولار من البضائع، بينما لم يصدّر سوى ما قيمته 2.95 مليار دولار. وهو ما يجعل لبنان اليوم أسير معادلة التحويلات الماليّة التي يحتاجها بشدّة لتمويل الاستيراد وتثبيت سعر الصرف والحفاظ على احتياطي العملات الصعبة، وإعادة تمويل الدين العام.

أمّا السياسات الحكوميّة العامّة فما زالت أسيرة الرغبة بالحفاظ على النموذج السابق لارتباط مصالح السياسيين به، ولذلك فكل الرهانات اليوم تقوم على مؤتمر سيدر والديون التي سيؤمّنها والتي قد تشتري لهذا النموذج الاقتصادي المزيد من الوقت قبل أن يواجه عوامل التفجّر من جديد. وعمليًّا، مؤتمر سيدر لم يكن سوى مؤتمر لكبار المانحين الدوليين مثل البنك الدولي والبنك الإسلامي وفرنسا وغيرهم، الذين طرحوا رزمة من القروض المدعومة بقيمة 11 مليار دولار مقابل شروط تتمحور حول الحفاظ على سلامة مصالح الدائنين، عبر التقشّف والحد من التقديمات الاجتماعيّة، لإيجاد مساحة كافية في الموازنة لإعادة تمويل الدين ودفع الفوائد. لكنّ أيًا من تلك الشروط لا يحمل أولويّات تتعلّق بمصلحة اللبنانيين الفعليّة والتي تتمحور اليوم حول سبل إعادة بناء اقتصاد حقيقي منتج، قادر على تأمين الحياة الكريمة وفرص العمل.

وبما أن البحث يقودنا اليوم باتجاه الحديث عن الدين العام، فثمّة أسئلة ملحّة حول سبل التعاطي مع هذا الدين اليوم، خصوصًا أن فوائده تستنزف نصف واردات لبنان الضريبيّة. حتّى الآن، ما زالت الدولة تصر على التعاطي مع الدين العام من خلال التأكيد على مصالح الدائنين وحقوقهم، دون التطرّق إلى أي حلول جذريّة لعلاج المشكلة الناتجة عن استنزاف هذا الدين للواردات الحكوميّة، مثل إعادة التفاوض على فوائده أو إعادة جدولة جزء من السندات.

يتحدّث الاقتصاديون اليوم عن ضرورة الانتقال إلى اقتصاد منتج، وهذه الأولويّة الملحة بالتأكيد، التي تتناقض بالمناسبة مع جميع السياسات الحكوميّة القائمة اليوم وشروط مؤتمر سيدر التي تتجه نحو التقشّف وحصر الإنفاق الاستثماري إلى الحدود الدنيا. لكنّ السؤال يبقى عن سبل الانتقال إلى هذا النوع من الاقتصاد المنتج في ظل طبقة سياسيّة ترتبط مصالحها وأسباب استمرارها بالنموذجين السياسي والاقتصادي القديمين، من خلال الاعتماد على الزبائنيّة والفساد والمحسوبيّات للحفاظ على الزعامات، وارتباط المصالح السياسيّة بمواقع النفوذ الماليّة الحاليّة في الاقتصاد اللبناني.

هذا السؤال يقودنا إلى الإشكاليّة الأهم: هل يمكن إصلاح الاقتصاد دون إصلاح السياسة في لبنان؟