الانتخابات التونسية: ممانعة سلطة القديم، ومقاومة المخاض الجديد

تونسيون يحتفلون في العاصمة تونس بفوز قيس سعيّد بالانتخابات الرئاسية، في 13 تشرين الأول 2019. تصوير فتحي بلعيد، أ ف ب.

الانتخابات التونسية: ممانعة سلطة القديم، ومقاومة المخاض الجديد

الأربعاء 16 تشرين الأول 2019

في الشارع التونسي ووسائل التواصل الاجتماعي، اصطلح على نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية المبكّرة في تونس بـ«اللّطخة»، أي السقوط المدوي غير المتوقع، في إشارة إلى خيبة الأحزاب الحاكمة التي ظنّت أن التونسيين محكومون حتمًا بالاختيار بينها، وأن خزانها الانتخابي سيظل مستقرًا مهما حدث. لكن ما حدث منذ 15 أيلول/سبتمبر وليلته الطويلة جعل صدمة النخبة السياسية واضحة. أما المعارضة، فلم تقل صدمتها عن صدمة الأحزاب الحاكمة لتجد نفسها خارج المراتب الاولى للدور الأول للرئاسيات.

تصدر الدور الأول المرشح المستقل، أستاذ القانون الدستوري، قيس سعيّد، الذي أجرى حملة انتخابية تفسيرية، رافضًا أي دعم حزبي أو تمويل عمومي لحملته الانتخابية، كما رفض أي ظهور في وسائل الإعلام العامة والخاصة. وجاء في المرتبة الثانية نبيل القروي رجل الأعمال، وصاحب قناة تلفزية خاصة، مرشح حزب قلب تونس، الذي تأسس أشهر قليلة قبل الانتخابات. وكان القروي موقوفًا في السجن على ذمة قضية رفعتها ضده إحدى منظمات المجتمع المدني بتهمة التهرّب الضريبي وغسيل الأموال.

أما الانتخابات التشريعية، التي جاءت زمنيًا بين الدور الأول والثاني للانتخابات الرئاسية، فتميزت بحملة انتخابية باهتة لتزامنها مع الإعلان عن نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية. فتلك الصدمة لم يكن استيعابها سهلًا على النخب السياسية، وخاصة على وسائل الإعلام ومحلّليها الذين لم يتوقعوا النتائج، والذين ضاق بهم التونسيون. لذا أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المتنفّس الإعلامي الوحيد لخطاب إعلامي لم يخل من نعت الناخبين بالجهل والتخلف؛ أمرٌ لم يعد غريبًا على المحللين الذين نصّبوا أنفسهم خبراء في السياسة والاقتصاد والثقافة وعلم الاجتماع والانتخابات وشؤون الحكم والمعارضة وتشكيل الحكومة وإسقاطها والدفاع عنها… إلخ. الطيف الأوسع من هؤلاء المحللين، الذين يصطلح في تونس على تسميتهم بالمعلقين،1 من الذين أعادوا إنتاج أنفسهم بعد فشلهم في مهنهم الأصلية، ومن المتورطين في الدفاع عن نظام بن علي والمتملّقين له، وهي نفس الوجوه التي تنتقل بين الإذاعات الخاصة نهارًا والقنوات التلفزية الخاصة ليلًا.

2010 – 2019: العودة للبدايات

بعد أكثر من ثمانية سنوات على بداية مسار 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، ومع استمرار الحراك الاجتماعي منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، رغم الجزر السياسي والاستقطاب الحزبي والالتفاف النخبوي؛ بعد كل هذا وذاك، يظهر أن الدولة الوطنية تستنفد مشروعيتها، وأن الأساطير المؤسسة لها في تونس تتساقط الواحدة بعد أخرى، بل أن حتى صراعات النخب السياسية لم تعد تستهوي قطاعات واسعة من الشباب.

فشباب ما بعد الاستقلال، وخاصة جيل ما بعد 2010، سواءً الذي عاش فترة من عمره تحت نظام بن علي وعايش اندلاع نيران الثورة، أو الذي عايش ما بعدها من توافقات النخبة ووعودها التي لم تتحقق أبدًا بالتنمية والتشغيل وتقلّبات النخب والأحزاب ما بعد 14 كانون الثاني/جانفي، لم تعد تغريه سرديّة الدولة الوطنية الحديثة بكل كرنفالات نخبها. ولا تعنيه أيضًا التصنيفات والانتماءات الأيديولوجية، فهو بات يفرّ من الدولة الوطنيّة من زيفها ومن ظلمها، وأحيانًا يستعدّ لتقديم حياته والموت دفاعًا عن حقه في أفق آخر يتجاوز كلّ الفصائل السياسية المتحاربة، فيغادر نحو جبهات مختلفة لاستقبال الموت، رفضًا للحياة التي أجبر أن يعيشها وفق نمط نخبوي لم يعد يرضيه، ويتّجه نحو بؤر التوتر على اختلافها من العراق أو سوريا أو لامبادوزا، مهاجرًا ومحترقًا مرة أخرى بلا نهاية ولغايات مختلفة. وعندما تعتقله الدولة الوطنية هنا، قد يقدم على الانتحار رفضًا للحياة التي يجبر أن يعيشها مسلوبًا من عيشه وكرامته التي صادرتها الدولة الوطنية لصالح أساطير الحداثة والعصرنة، التي أضحت لا شيء بالنسبة لجيله. 

مع لحظة الثورة والمسار المغدور الذي تلاها، اكتشف الشباب أنّ هذه الدولة لم تكن وطنية ولا عادلة بما فيه الكفاية لجعلهم يمدحون إنجازاتها ويخافون على مكتسباتها مثلما تفعل النخبة صباح مساء. بالتالي، لم يعد هذا الخطاب الوطني ساحرًا أبدًا، خاصة في ظل تفاوت اجتماعي وجغرافي تعمّق طيلة فترة ما بعد الاستقلال، وما زال يتفاقم منذ واقعة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 واحتراق الشهيد محمد البوعزيزي.

ماذا تغيّر في الانتخابات الأخيرة؟

قبل هذه الجولة، مرت تونس منذ الثورة بأربع مناسباتٍ انتخابيّة؛ انتخابات المجلس الوطنيّ التأسيسيّ في 2011، والانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة في 2014، والانتخابات البلدية في 2018. تراكمت الوعود الانتخابية وتراكمت معها النقمة على الطبقة السياسية، وتضاعفت اختلافات النخب الحاكمة لدرجة التشظي والانقسام المتضاعف. فحزب نداء تونس الذي نال المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية سنة 2014، وقاد حملته الانتخابية على أساس التناقض مع حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، شكّل تحالف حكوميًا معها بعد الانتخابات مباشرة آنذاك، في إطار تجسيد لما سمي بسياسة التوافق التي أدت لالتقاء قوى سياسية متناقضة، لم يجمعها إلا تبادل للمصالح من أجل البقاء في الحكم، و إن تمّ تبرير ذلك بخطاب مصلحة وطنية لم تتحقق أبدًا. 

بعد خمس سنوات، انقسم حزب نداء تونس تدريجيّا لتولد منه في البداية حركة «مشروع تونس» التي قادها مدير ديوان رئيس الجمهورية، وحزب «بني وطني» بقيادة مستشار لرئيس الجمهورية ووزير الصحة في الحكومة الأولى لحزب نداء تونس. ثم بُعث حزب جديد باسم حركة «تحيا تونس»، بقيادة يوسف الشاهد، رئيس الحكومة التي شكلها نداء تونس. وكان الشاهد قد حمل مع إلى الحزب الجديد عددًا من وزراء نداء تونس ونوابه بالبرلمان والناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية، بعدما اشتدّ الخلاف على زعامة الحزب بين الشاهد وابن الرئيس آنذاك، حافظ قايد السبسي. كما انشق أيضًا حزب «حركة أمل تونس»، بقيادة وزيرة السياحة السابقة والقيادية في نداء تونس، سلمى اللومي. وكلّ هؤلاء ترشحوا للانتخابات الرئاسية. لم يقف الأمر هنا، بل إن عبد الكريم الزبيدي، وزير الدفاع الحالي الذي لم ينتمي لأي حزب سياسي معلن سابقًا، دُفع لتزعّم مبادرة سياسية تحت تأثير لوبي اقتصادي وجهوي يمثل مجموعة من الشخصيات المقربة من الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. هذه الشخصيات وجدت فيه ضالتها مضطرةً ورشّحته في الوقت بدل الضائع، وقدمت قوائم للانتخابات التشريعية أيضًا.

حركة النهضة تمادت في محاولات نسج تحالفات لم تدم طويلًا. وورّطها ارتباطها بمنظومة الحكم المهترئة التي تزداد تشظيًّا.

حركة النهضة، هي الأخرى، تمادت في محاولات نسج تحالفات لم تدم طويلًا. بل ورّطها ارتباطها بمنظومة الحكم المهترئة والتي تزداد تشظيًّا، ولم تشفع لها سنوات النضال ضد الاستبداد خاصة عندما أصبح جليًّا للتونسيين انخراطها في تبييض الفساد المالي والإداري ودفاعها عن الخيارات السياسية للمنظومة الحكم التي أصبحت جزءًا منها. وشهدت الحركة محاولاتٍ للعصيان من مجموعة من قيادات الصف الأول فيها، لكن هيمنة شيخ الحركة راشد الغنوشي على مفاصلها أضعف قدرة هؤلاء على إحداث تغيير في التحالفات والتوجهات السياسية للحركة. 

كشفت الانتخابات حجم التباينات داخل النهضة، من خلال ترشيحها لشخصية غير مرغوبة في أوساط جماهير الحركة، هو الشيخ عبد الفتاح مورو، بشهادته هو أكثر من مرة أمام شاشات التلفزات التونسية. إذ لم تغفر له جماهير الحركة موقفه زمن بن علي عندما تخلّى عن أي عمل سياسي واستقال من الحركة في زمن محنتها، وتفرغ لمكتب المحاماة الذي يديره. كما أن بعض القيادات النهضوية صرحت بدعمها العلني أو الضمني لوزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، منهم لطفي زيتون القيادي المقرب في فترات هامة من راشد الغنوشي، إلى جانب رئيس مجلس شورى الحركة، الذي أعلن هو الآخر أن انتصار الزبيدي أو مورو هو انتصار لحركة النهضة.

من الانتخابات التشريعية إلى الدور الثاني للانتخابات الرئاسية

على وقع الدور الأول للانتخابات الرئاسية، تمّ إجراء الانتخابات التشريعية لتفرز نتيجة ظلت غير متوقعة لآخر اللحظات. فحزب «قلب تونس» المُحدث على عجل جمع جزءًا من شتات حزب «نداء تونس» الذي تصدّر الانتخابات التشريعية سنة 2014 قبل تشرذمه، وشمل شخصيات ونواب وزراء متهمين في قضايا فساد مالي وإداري. احتل «قلب تونس» الموقع الثاني بنيله 38 مقعدًا في البرلمان المكون من 217 مقعدًا، وهو الذي كان بمثابة الغول الانتخابي المرتقب الذي وعد ومناصريه بالفوز الساحق.

أما «عيش تونسي»؛ الائتلاف «المستقل» التي تسلل للعمل السياسي من خلال الجمعيات وتحوم حوله شبهة التمويل الأجنبي، مثل عدد من الأحزاب الحاكمة، فقد مُنيَ بهزيمة نكراء بحصوله على مقعد وحيد، خاصة أنه قاد حملة إعلامية كبرى، سواء من خلال وسائل الإعلام التقليدية التي قدمته منقذا محتملًا، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو مركز النداء الذي اعتمده لجمع معطيات المواطنين واستعمالها دون رضاهم، من خلال الاتصال بالمواطنين بالهواتف بشكل مزعج ليقدّم نفسه معبّرًا عن طموحات التونسيين ومنقذًا لهم من الأحزاب. إلى درجة أن أصبح يُتندّر بأن المقعد الذي ناله ائتلاف «عيش تونسي» هو أغلى مقعد برلماني.

حركة النهضة تصدرت الأحزاب السياسية على مستوى النتائج الانتخابية، لتمثل أكبر كتلة برلمانية بـ52 نائبًا، دون أن يؤهلها ذلك للحصول على الأغلبية النسبية، كونها نالت 17.5% من المقاعد، بما يجعلها لا تستطيع تشكيل حكومة بمفردها. كما أن عدد الأصوات التي حصلت عليه تراجع من 1.5 مليون في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 (89 مقعدًا)، إلى 900 ألف في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 (69 مقعدًا)، إلى 561 ألف ناخب (52 مقعدًا) في الانتخابات التشريعية الأخيرة. يعود ذلك للخيارات السياسية التي اتخذتها حركة النهضة بمشاركتها في كل الحكومات المتعاقبة، وخاصة سياسة التوافق مع الأحزاب التي ارتبطت بمنظومة الحكم القديمة، وتبني توجهات سياسية لا تستجيب لتطلعات الفئات المهمشة التي أشعلت نيران ثورة 2010.

الخارطة السياسية لأحزاب المعارضة شهدت تحولًا جذريًا بغياب ائتلاف الجبهة الشعبية اليساري عن البرلمان، ما عدا بمقعد واحد.

الخارطة السياسية لأحزاب المعارضة شهدت تحولًا جذريًا بغياب ائتلاف الجبهة الشعبية اليساري عن البرلمان، ما عدا بمقعد واحد، بعد أن كانت ممثلة في البرلمان السابق بخمسة عشر مقعدًا. يرجع ذلك لانقسام أحزاب الجبهة قبل الانتخابات على خلفية صراع على زعامتها وغياب الديمقراطية في تسييرها، إضافة الى تركيز الجبهة على خطاب التضاد مع حركة النهضة، الذي تكرس منذ 2014 بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ورفد النتيجة التي حققتها الجبهة في انتخابات 2014. لكن مقابل ذلك، هادنت الجبهة «نداء تونس» الذي تحالفت مع قبل انتخابات 2014، مقابل التعهد بكشف حقيقة الاغتيالات السياسية، حتى أنها انحازت للسبسي في الانتخابات الرئاسية، مساهمةً في قطع الطريق على وصول المنصف المرزوقي للرئاسة حينها. هذا الانهيار الكبير لموقع الجبهة الشعبية يتربط أيضًا باستقالة اليسار في تونس عن بناء الصلة مع الفئات الاجتماعية التي لا تراه معبّرًا عنها، بعدما هيمن السؤال الثقافي والصراع مع الإسلاميين على خطابه، بدل التركيز على المسائل الاجتماعية والاقتصادية.

مقابل ذلك، تمكنت بعض أحزاب المعارضة من مراكمة رصيدها طيلة السنوات الخمس الأخيرة لتحقق تواجدًا محترمًا داخل البرلمان التونسي. ينطبق هذا على حزب التيار الديمقراطي، الذي جاء في المرتبة الثالثة بـ22 مقعدًا، وحركة الشعب التي نالت 16 مقعدًا، وحلت في المرتبة السادسة. حزب التيار الديمقراطي هو أحد الأحزاب التي تحقق صعودًا مهمًّا، بعدما حصل في انتخابات سنة 2014 على ثلاثة مقاعد فقط، فقد تميّز بتبنّيه قضية مكافحة الفساد الإداري والمالي ومطالبتهه بمراجعة عقود استغلال الثروات الطبيعية، إضافة لتميّز وجه نسائي بارز فيه وهي النائبة سامية عبو التي تمكن خطابها من جلب انتباه التونسيين في جلسات البرلمان، والعبور للفئات الشعبية، من خلال تصدّيها لملفات الفساد. شعبية عبو وصلت لدرجة المطالبة بترشيحها لرئاسة الجمهورية، وهو ما لم يكن مرغوبًا بالنسبة لها، خاصة أنها زوجة المناضل الحقوقي زمن الاستبداد محمد عبو، رئيس حزب التيار الديمقراطي، مما قد يثير إشكاليات حول الحضور المكثف للمسألة العائلية، وهو أحد المسائل التي أثيرت على نظام بن علي.

أما حركة الشعب، التي كانت كذلك ممثلة في انتخابات 2014 بثلاثة مقاعد، فقد استفادت من النأي بنفسها عن المعارضة اليسارية التقليدية، ومن دعمها المرشح الرئاسي المستقل، الصافي سعيد، الذي حصل على 7% من الأصوات في الدور الأول للانتخابات الرئاسية، فقد دعمها وشارك في حملتها الانتخابية التشريعية. والصافي سعيد هو شخصية سياسية وإعلامية محسوبة على التيار القومي العروبي، وهو ما يجمعه مع حركة الشعب باعتبارها ممثلًا لتيار عروبي ناصري له حضوره التاريخي في تونس. 

التقدم الذي حققه التيار الديمقراطي وحركة الشعب يمثلّ انعكاسًا للعقاب الانتخابي لمنظومة الحكم وتعبيرًا عن رغبة الناخبين في التغيير السياسي. فحزب نداء تونس المتشظي بعدما تصدر لانتخابات 2014 بـ86 مقعدًا، لم يحصل إلا على ثلاثة مقاعد، فيما حصلت حركة «تحيا تونس» المنشقة عنه على 14 مقعدًا. وإذا أضفنا الأربع مقاعد التي حصل عليها حزب «مشروع تونس» المنشق كذلك عن «نداء تونس»، فإن الأخير مع الأحزاب المتوالدة عنه لم يستطع المحافظة إلا على 21 مقعدًا.

لكن العقاب الانتخابي والرغبة في التغيير شمل أيضًا التصويت لصالح الحزب الدستوري الحر، الذي نال 17 مقعدًا، وهو حزب يرفع شعارات تدافع عن نظام وسياسة المخلوع الراحل زين العابدين بن علي، والدولة الوطنية البورقيبية. ترأس الحزب عبير موسى التي ترفع خطابًا مناهضًا للثورة وللإسلاميين معًا، وجمعت في حزبها القيادات الوسطى لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي، الحاكم زمن بن علي، وقيادات من أسفل سلم هذا الحزب. ويجمع بين هؤلاء عدم القدرة على التموقع داخل الأحزاب التي أعادت تبييض حزب التجمع المنحل، مثلما فعلت القيادات العليا للتجمع التي دخلت «نداء تونس» والأحزاب المتوالدة عنه.

كما أفضى الغضب الانتخابي من منظومة الحكم والتوافق بين الإسلاميين-المعتدلين والبورقبيين-التجمعيين أيضًا إلى صعود كتلة برلمانية جديدة هي «ائتلاف الكرامة»، التي تقف على يمين النهضة، بـ21 مقعدًا. تأسس هذا الائتلاف من أنصار سابقين لحركة النهضة، أشد محافظة منها، أغضبتهم سياسة التوافق التي انتهجتها النهضة. تميّز الخطاب الانتخابي لمرشحي «ائتلاف الكرامة» برفع شعارات الثورة بخطاب حماسي دون قدرة على بلورة عناوين سياسية واضحة ومشاريع قوانين تخدم الثورة كمشروع، لتغيير موازين القوى السياسية، مما أعطى نخب النظام القديم فرصًا للمناورة. كما أن مساندة الائتلاف غير المشروطة لحركة النهضة عبر التصريحات الإعلامية لممثليه قد تجعله كتلة احتياطية للحركة داخل البرلمان. لكن هذا لا يمنع أن الائتلاف قد يصبح عبئًا سياسيًا على النهضة التي ترغب في تدعيم موقعها كحزب سياسي معتدل، ذي خلفية إسلامية عمومية، يتسّم ببراغماتية سياسية وقدرة على إرضاء النخب الاقتصادية المهيمنة وعدم المساس بها.

نبيل القروي: المال في قلب السياسة

أفصح الدور الثاني للانتخابات الرئاسية عن نسبة مشاركة بلغت 57.8%، وهي نسبة قياسيّة إذا ما قارنّاها بنسبة المشاركة في الدور الأول للرئاسية المقدرة بـ 45%، وبنسبة المشاركة للانتخابات الانتخابات التشريعية التي لم تتجاوز 41% من مجموع الناخبين.

تفوّق سعيّد بنسبة 72% على القروي الذي نال 27% من الأصوات، والذي أُطلق سراحه قبل موعد الاقتراع بـ48 ساعة، وسط شكوك بتعرّض القضاء لضغوط من داخل وخارج تونس، وصل لتصريح إعلامي لرئيس البرلمان، محمد الناصر، القائم بأعمال رئاسة الجمهورية منذ وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي. الناصر دعا لإيجاد حلّ للمسار الانتخابي المهدد بسبب تواصل توقيف نبيل القروي؛ تصريح اعتبره رئيس جمعية القضاة ضغطًا واضحًا على القضاء، ما يظهر أن الشكوك حول تلك الضغوطات جديرة بالاهتمام، خاصة أنّ الافراج المؤقت والمفاجئ عن نبيل القروي تزامن مع تلويحه بالانسحاب من السباق الانتخابي، وهو ما تمّ نفيه فيما بعد. كما تناقل الإعلام تهديدات بالطعن في نتائج الانتخابات، مما قد يتسبب في إلغائها إذا لم يتم إطلاق سراح هذا المرشح الرئاسي. 

إطلاق سراح نبيل القروي سبقه بيوم نشر وثيقة على موقع وزارة الدفاع الأمريكية تفيد بتعاقده مقابل مليون دولار مع شركة علاقات عامة (Lobbying) مقرها كندا، يديرها آري بن مناشيه، وهو ضابط موساد صهيوني ومستشار سابق لرئيس الحكومة الإسرائيلية، من أجل مساعدة نبيل القروي للتأثير على الحكومات الأمريكية والروسية والأوروبية بهدف دعمه في الانتخابات، وتنظيم لقاء له مع الرئيسين الأمريكي والروسي قبل الانتخابات، وتجميع موارد مادية من أجل دعم حملته الانتخابية، لولا القبض عليه. بعد خروجه من السجن، وفي أول ظهور إعلامي له، لم ينفِ القروي مقابلته لمدير شركة العلاقات العامة في تونس، خاصة بعد نشر حوار أجراه صحفي تونسي مع بن مناشيه، وهو حوار اعتذرت قناة تلفزيونية عن نشره. لكن القروي نفى علمه بأن بن مناشيه إسرائيلي، مبيّنًا أنه قدم نفسه ككنديّ، ليلقي باللائمة على الدولة التونسية التي من مهامه التثبّت من هذه المسائل. يشار أيضًا أن حركة النهضة و«ائتلاف عيش تونسي» كلاهما اعترفا بإمضاء عقود مع هذه الشركة في إطار التبييض السياسي والإعلامي.

كان القروي أحد داعمي «نداء تونس» الذي أسسه الرئيس الراحل السبسي، بل أن القروي وقناته التلفزية «نسمة TV» ساهما في فوز السبسي وحزبه في انتخابات 2014.

يدير القروي برفقة أخيه المجموعة الدولية للإعلام «Karoui & Karoui»، وهو كذلك المدير التجاري السابق للمجموعة الاعلامية العالمية «Canal+». قضية التهرب الضريبي وغسيل الأموال، التي سُجن القروي على إثرها، رفعتها ضده عام 2016 منظمة «أنا يقظ»، دون أن يصدر أي حكم في حقه يمنعه من مواصلة السباق الانتخابي. وكان القروي أحد داعمي «نداء تونس» الذي أسسه الرئيس الراحل السبسي، بل أن القروي وقناته التلفزية «نسمة TV» ساهما في فوز السبسي وحزبه في انتخابات 2014، وهو ما أكده تقرير رصد التغطية الاعلامية للمسار الانتخابي لسنة 2014 الذي قامت به الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري. 

في 2017، تكشفت بوضوح أطماع ممولي الحزب الناشئ آنذاك، واشتدّ الصراع بينهم على التمتع بالحماية السياسية والقانونية مقابل الخدمات التي قدموها للحزب، لتبدأ الانشقاقات في الحزب، خاصة مع تفضيل السبسي لابنه حافظ. انشقّ القروي عن «نداء تونس»: وسلك للسياسة طريقًا مختلفًا. فأسس جمعية «ناس الخير» للعمل الخيري، التي غيّر اسمها لتصبح باسم «خليل تونس» بعد وفاة ابنه خليل في حادث مرور. وقدم ساعات من البث على قناته «نسمة» ليحثّ المتابعين للتبرع للجمعية من أجل تقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين. ونجح من خلال أسلوب الدعاية العاطفي في استثمار وفاة ابنه، ليطلق شعار «يرحم خليل». كما وظف مآسي الفقراء الذين يزورهم من خلال الجمعية برفقة قناته التلفزية.

جال القروي آنذاك البلاد، وزار الأرياف والقرى حيث غابت الدولة وتخلّت عن مواطنيها الذين يعيشون الفقر والحاجة، ونجح في توفير حاجيات الفئات الفقيرة والمهمشة، مما جلب له تعاطفًا منقطع النظير عند تلك الفئات. إنّ الاعمال الخيرية التي قام بها القروي تفضح تخلّي الدولة وغياب دورها الاجتماعي. فالسياسات الاقتصادية العامة كرست التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي للمناطق الريفية، وراكمت الفقر وغياب الاستقرار الغذائي، وكثّفت صعوبة الولوج للموارد وإمكانيات المشاركة في اتخاذ القرار. هذه الظروف كانت من الأسباب التي أدت لاندلاع الثورة من عمق المناطق الريفية في مواجهة سياسات الإفقار والإقصاء لسكان الريف الذين تركوا وحدهم يواجهون واقعًا يزداد تأزمًا.

قيس سعيّد: هل يمكن الخروج من النظام من داخله؟

منذ 2011، برزت شخصية قيس سعيد لعموم المتابعين من التونسيين باعتباره أستاذًا للقانون الدستوري في الفترة التي شهدت البلاد نقاشًا حول صياغة الدستور الجديد، خاصة مع استضافته في القناة الوطنية الأولى. هكذا تعرف التونسيّون على قيس سعيد. لكن التعامل الإعلامي معه تقلص فيما بعد ليصل لدرجة عدم استضافته بتاتا خاصة عندما أفصح عن موقف الرافض للمشاركة في الانتخابات، سواء بالتصويت أو الترشح، في 2011 و 2014. خلال هذه الفترة شارك قيس سعيد في تشكيل مجموعة سميّت «قوى تونس الحرة»، ضمت مجموعة من المناضلين اليساريين المستقلين الذين رفضوا الانضمام للمشهد الحزبي القائم، ونشرت هذه المجموعة نصّها مبكّرًا. لكن المشهد السياسي الإعلامي لم يولِ أبدًا الاهتمام لمثل هذه النصوص، حتى أن إعلاميًا بارزًا صاح أمام الكاميرا باللهجة التونسية «إحنا الكتب إش نعملوا باها؟».

تلخص برنامج قيس سعيّد، وهو نفسه برنامج «قوى تونس الحرة»، في إشكالية عدم فعالية النظام السياسي الديمقراطي المركزي، والتعبير عن إرادته في تغييره وإعادة بناء السلطة السياسية من المستوى المحلي المناطقي، نحو الجهوي الإقليمي، ليصل إلى المستوى المركزي الوطني، وبتفكيك مركزية العملية السياسية. كما يطرح استبدال النظام الانتخابي من الانتخاب على القوائم الانتخابية إلى الانتخاب على أساس الأفراد.

تمكن أهمية ما يطرحه سعيّد، ليس في التنبؤ بتحقق برنامجه أم عدمه، بل في كونه مثّل اختراقًا غير مسبوق للعملية السياسية ولمنظومة الحكم والمعارضة، من خلال مساءلة الديمقراطية المركزية والنظام السياسي الحالي.

لا يمكن هنا الجزم بأن هذا البرنامج المقترح الذي طرحه وكرره قيس سعيد يمكن تطبيقه عبر مؤسسة رئاسة الجمهورية بسهولة. يجادل البعض باستحالة التطبيق الفعلي لهذا البرنامج وبكونه مثاليًا، وهنا تمكن أهمية ما يطرحه سعيّد؛ ليس في التنبؤ بتحقق برنامجه أم عدمه، بل في كونه مثّل اختراقًا غير مسبوق للعملية السياسية ولمنظومة الحكم والمعارضة، من خلال مساءلة الديمقراطية المركزية والنظام السياسي الحالي. إن ما يطرحه برنامج سعيد لا يعني استعداد كل الذين صوتوا له بالضرورة للدفاع عن مقترحه. كما أن التصور الذي قدمه ليس بالجديد على المستوى السياسي، فمن يتابع التطورات السياسية عالميًا لن يجد غرابة في مساءلة الديمقراطية المركزية القائمة على التمثيل على أساس القوائم الانتخابية، لأنّ الديمقراطية ليس محصورة في حتمية واحدة. لكن الجديد هو أن سعيّد ومن صاغوا معه برنامجه نجحوا في التقاط اللحظة التاريخية الحالية وطرح تصور خارج تغريد السرب الحزبي العام.

فمنذ 2010، كانت الثورة التونسية حدثًا ثوريًّا خارجًا عن العادة. لم تنتظر الجماهير تعاليم المرشد العام، ولا مقررات القيادة العليا للحزب الطلائعي، ولا توجيهات الرفيق القائد، ولا الزعيم الناصر. لكن النخب التي لحقت بحركة الشارع فرضت فيما بعد أجنداتها السياسية وصراعاتها الأيديولوجية القديمة. ما فعله سعيد هو إعادة البوصلة إلى الشعارات الأولى للثورة وتجاوز كل الخلافات الأيديولوجية.

هل قيس سعيّد محافظ؟

أثيرت نقاشات حول مواقف لسعيد وُصفت بالمحافظة. لو تتبعنا مواقف الرئيس الجديد، نجد أنه يرفض باستمرار تصنيفه ضمن ثنائية إسلامي-علماني، التي فرضتها النخب السياسية على البلاد منذ اليوم التالي لهروب المخلوع بن علي. يعبّر سعيّد عن ذلك بالقول إنه حين طالب الشبابُ بالتشغيل كانت إجابة النخبة هي تشغيل الشباب بالصراع حول الهوية. 

في خريف 2017، قدم سعيّد محاضرة افتتاحية للسنة الدراسية في كلية العلوم القانونية والاجتماعية والسياسية بتونس حيث درس بها قبل تقاعده، بعنوان «الإسلام دينها». طرح سعيد تصورًا نقديًا للفصل الأول من الدستور التونسي، الذي ينص على أن «تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها». يتمثل التصور الذي قدمه في كون الحديث عن هوية للدولة لا معنى له، وأن الأمر يتعلق بوجود حكومة دينية أو حكومة مدنية. وعبّر عن انحيازه لحكم مدني، أما الدين فهو أمر من شأن الأفراد، وليس للأحزاب والدول.

أما عن علاقته بالدين، فقد عبر في مناسبات عدة أنه يرى أن الدين يُعنى بحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والبدن، والمال، مستندًا إلى تصور مقاصدي يعود إلى العز ابن عبد السلام وأبو إسحاق الشاطبي، يشكل إطارًا قيميًا مشتركًا وجامعًا، ومصدر اتفاق لكل الشرائع، هو سابق لأيديولوجيا الإسلام السياسي.

إن ما يعبّر عنه فوز سعيّد هو ما تفادت النخبة الحاكمة لسنوات الإقرار به: أن الناخب في تونس غير محكوم بحتمية سياسية في الاختيار، وأن من الممكن معاقبة الأحزاب والشخصيات السياسية التي فشلت في تحقيق أي تقدم في الملفات التي تمثل أولوية أغلبية الشعب، وهي الملفات الاجتماعية والاقتصادية. فالثورة التونسية ما زالت حاضرة، تدفع باتجاه القطع مع مجتمع الرعايا، للعبور نحو مجتمع المواطنين. فرغم كلّ السلبيات ودون أي احتفاء زائف، يمكن الحديث عن نموذج تونسي يقدم رسالة واضحة مفادها أن الثورة نتيجة لعقود من التهميش السياسي والتفاوت الاقتصادي-الاجتماعي، وأن لا مفرّ من العودة لهذه الأولويات. فمهما نجحت النخبة في فرض أولوياتها الخاصّة على أغلبية الشعب، بإمكان الشعب أن يستعيد الفرصة ويوجه صفعة حادة، أو ما اصطلح عليها شعبيًا باللطخة الانتخابية.

ما يعنيه فوز سعيّد

تمر تونس إذن بلحظة تاريخية فارقة، منذ الإعلان عن نتائج الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، الذي عبرت الجماهير عن فرحتها به بشكل تلقائي ليلة 13 تشرين الأول/أكتوبر دون أي استدعاء من أي حزب سياسي. 

صعد قيس سعيّد لرئاسة الجمهورية بأغلبية مريحة وبجمهور انتخابي عريض بلغ حوالي ثلاثة ملايين ناخب (وهي أكبر كتلة تصويتية ينالها مرشح رئاسي أو حزب سياسي في تونس منذ الثورة). ومن ناحية الفئات العمرية، فإن مؤسسة سيغما كونساي لاستطلاع الآراء بينت أن 90% من الفئة العمرية 18-25 سنة و83% الفئة العمرية 26-44 سنة صوتوا لقيس سعيد. كما أنّ ثلث الكتلة الانتخابية التي اختارته لم تشارك في الانتخابات التشريعية. لذا، فقد مثل فوزه رسالة شبابيّة مفادها الرغبة في الإطاحة بهيمنة النخب السياسية التقليدية. 

استرجع الشارع التونسي شعارات الثورة وعناوينها، على وقع تصريحات سعيّد، الذي أعاد مصطلح الثورة للتداول السياسي والاعلامي الرسمي، بعد أن تمّ إزاحته لصالح معجم الانتقال الديمقراطي والتوافق السياسي والانتقال السلس والمصالحة الوطنية، متخذًا عبارة «الشعب يريد» شعارًا لحملته الانتخابية. كما استحسن الكثيرون بلاغة الرئيس الجديد، الناطق بعربية فصيحة وبصوت جهوريّ متسرسل. وللمرة الأولى يسمع التونسيين رئيسًا محتملًا وذلك في المناظرة التلفزية يقول إن ما نسمّيه تطبيعًا مع الكيان الصهيوني منذ السبعينيات هو «خيانة عظمى، وأن تونس في حالة حرب مع الكيان الغاصب الذي شرّد الشعب الفلسطيني»، مقابل المرشح نبيل القروي الذي تفاخر بأنه صديق محمود عباس، وأنه يرضى بما ترضى به السلطة الفلسطينية، وذلك عندما سئل المرشحان عن موقفها من التطبيع. 

كما لفت قيس سعيّد متابعيه في المناظرة التلفزية عندما ختم حديثه بالقول «إن العصفور الذي انطلق نحو الحرية لن يعود أبدًا إلى الفقص من أجل الفتات»، في استدعاء لفيلم يوسف شاهين. إذ مثل ذلك ردًّا على حركة النهضة التي ظلت بحسب الغنوشي تبحث عن العصفور النادر لتدعمه للانتخابات الرئاسية، قبل أن تقدم مرشحًا من داخل الحركة، للقول إنه ليس العصفور النادر الذي بحثت عنه. كما كان الفقص إشارة لنبيل القروي الذي خرج من السجن قبل الدور الثاني الانتخابات بساعات.

إن الحدث التونسي الحالي يُسائل المنظومة السياسية ونخبتها ويضعها في موقع الموضوع، بعد أن كانت هذه النخبة هي التي تضع مطالب المواطنين موضوعًا للتفاوض والمماطلة.

إن الحدث التونسي الحالي يُسائل المنظومة السياسية ونخبتها ويضعها في موقع الموضوع، بعد أن كانت هذه النخبة هي التي تضع مطالب المواطنين موضوعًا للتفاوض والمماطلة. لسنوات، تباهت النخبة السياسية التونسية بالمنجز الذي حققته البلاد، أمام بقية دول ثورات الربيع العربي، بنبرة يتخللها شيء من الشوفينية واحتقار الشعوب الأخرى أحيانًا. لكن هذا المنجز التونسي يقع الآن وبكلّ وضوح في منطقة المساءلة، بعدما وضعته الجماهير التونسية المهمشة محلّ احتجاج اجتماعي وسياسي لم ينقطع منذ أواخر 2010، لكن دون أي إنصات من قبل النخبة المهيمنة على المشهد السياسي مذّاك. هذه المساءلة تستند إلى أن الديمقراطية الشكلية لا تمثّل الإجابة الحقيقية على مطالب الثورة، وتكشف عن الأزمة الهيكليّة للنظام الاقتصادي، وأزمة تمثيل النخبة السياسية.

منذ 2011، التفّت النخبة السياسية على مطالب الفئات المهمشة، وحولت وجهة الثورة للانتقال الديمقراطي والتوافق سياسي والمصالحة بين الجلاد والضحية، لتثبيت امتيازات التحالف الاجتماعي التاريخي الحاكم، المتكون من البرجوازية التونسية المدينية، المتركزة في العاصمة والساحل وصفاقس، والتي عهد إليهما الاستعمار بتصريف شؤون الحكم بعد الاستقلال. بعد الثورة، تم تطعيم هذا النظام بالنخب النهضوية الإسلامية المعتدلة، التي تراجعت عن مشروع الثورة، مراهنةً على التموقع داخل النظام، إضافة إلى زرع «الكفاءات» التكنوقراط، المكلفين بمهام من البنك وصندوق النقد الدوليين، للإشراف على الإصلاحات الاقتصادية التي أجهضت المطالب بالتشغيل الكرامة والتوزيع العادل للثروات. خلال كل هذه السنوات، لم تتح الانتخابات الفرصة لإسقاط النظام، لأن التحالف الاجتماعي والاقتصادي المهيمن منذ عقود لم يستلم الحكم عبر الانتخابات أصلًا. لكن كل هذا المسار الانتخابي لم يكن ممكنًا لولا الثورة ودماء الشهداء. 

صعود قيس سعيّد لرئاسة الدولة يمكن أن يقدم دفعة لمشروع الثورة لبلورة البديل السياسي الجماعي الذي يدافع عن من هم خارج الامتيازات المادية والرمزية. لكن الإشكالية في البديل الذي يقترحه سعيّد، والقائم على إعادة بناء السلطة السياسية من تحت وتفكيك مركزيتها، تكمن في أنه يحمل إمكانية إعادة إنتاج الصراعات والتناقضات الاجتماعية والاقتصادية التي نراها على المستوى المركزي منذ عقود، لأنها تأصلت واقعيًا. فالمجتمع يشهد على المستوى المحلي صراعات بين أصحاب مصالح متناقضة، وتبقى إمكانيات الأقوى ماديًا في فرض خياراته عبر العملية الديمقراطية أعلى من غيره.

الأخطر من هذا هو أن يكون صعود سعيّد مرحلة لتجميع ما لا يمكن تجميعه، أي التحالف الاجتماعي والاقتصادي المهيمن والقوى الاجتماعية المقصاة من الحكم والسلطة، من خلال رفع يافطة الشعب بعموميتها ومصلحة البلاد وغيرها من العناوين التي يضلّل بها النظام أي انتفاضة وثورة. وهو ما سيساهم في تأبيد الهيمنة السياسية لدولة النظام وللتحالف الاجتماعي والاقتصادي الذي يمثلها وتمثلها.

كما أن المؤسسات الدولية المموِلة والدول المانحة والداعمة تفرض شروطها وبرامجَها مقابل الدعم والإقراض، لضمان استمرارية علاقات التبعية التي عوّضت العلاقات الاستعمارية. فهي تريد مواصلةَ النهب والاستغلال والتفاوت، لكنّها تريده هذه المرة بشكل «شفاف وقانوني وديمقراطي»، أمام عدسات الكاميرات و«تحت رقابة منظمات المجتمع المدني» وبمشاركته. لذلك، فإن خطاب «مقاومة الفساد» و«احترام التعهّدات»، وغيرها من ترسانة المعجم الإمبريالي التي تتبناها الجهات الدولية، تعيد إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية داخليًا وخارجيًا. 

لكن مع كلّ ذلك، لا يمكن اعتبار الهيمنة قضاءً وقدرًا مبرمًا. إن الثورة تفاجئنا دائمًا، بما هي مسار مجتمعي واحتجاج لا ينتهي. النظام لم يُقبر ولا يمكن أن يسقط بضربة قاضية، لكن للثورة القدرة على إعادة الاشتعال في مسارات مختلفة. اليوم أمامنا محطة تاريخية لعلّها تكون في عمق لحظة 17 كانون الأول/ديسمبر، وتعبر عن التجربة السياسية التي تمّت مراكمتها منذ تلك اللحظة. فلا الجماهير ماتت، ولا النخبة استطاعت تأبيد الأمر الواقع. وبينما تمانع سلطة القديم، يندلع المخاض الجديد ويقاوم.


1. العبارة الرائجة في الإعلام التونسي هي الاصطلاح الفرنسي «Chroniqueur».