الانتخابات المحلية التركية: قراءة في الحدث المؤسس

الجمعة 12 نيسان 2019
الرئيس التركي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات المحلية. الصورة لوكالة جيتي إيميجيز

خلال السنوات الأخيرة، ولأسباب مختلفة، من بينها الربيع العربي وتبعاته، صارت تركيا بلدًا كثيف الحضور على مائدة النقاش، في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص. وهو ما يفسّر تحوّل نتائج الانتخابات المحلية التركية الأخيرة لمادة دسمة على ساحة الصراع بين التيارات الفكرية المختلفة في العالم العربي.

خرج الشعب التركي في 31 آذار\مارس الفائت لانتخاب 30 رئيس بلدية كبرى و1359 رئيس بلدية مناطق (بلدية صغرى) و20 ألف و500 عضو مجلس بلدية بالإضافة إلى 1251 عضو في مجالس المحافظة العامة و50 ألف و229 مختار حي على مستوى البلاد. في تركيا، تتبع الهيئات المحلية الحكومة المركزية ماليًا، إذ تحصل على جزء مهم من تمويلها بشكل مباشر من ميزانية الحكومة المركزية. وفي الوقت نفسه لا تحظى هذه الهيئات بأي شكل من أشكال الاستقلال السياسي بل يعتبر الخوض في المسائل السياسية أحد أسباب حل مجالس البلديات في القانون التركي، أمّا إداريًا فرغم امتلاك هذه الهيئات استقلالًا إداريًا إلى حد ما إلا أنها تقع تحت الوصاية الإدارية للحكومة المركزية. رغم هذا كلّه إلّا أن الصفة الخدماتية البحتة التي تتمتع بها الهيئات المحلية وكونها أقرب وأسرع جهة خدماتية وإدارية للمواطن ضاعف من أهميتها السياسية وجعلها محل تنافس كبير بين الأحزاب السياسية التركية، إذ أصبحت بمثابة استفتاء مسبق على كل انتخابات عامة تليها وفرصة للأحزاب المختلفة للوصول للناخبين جدد. تسعى هذه المقالة إلى تقديم إضاءة على الانتخابات المحلية الأخيرة بدءًا من بنية الهيئات المحلية التركية ثم نتائج هذه الانتخابات وشكل الاستقطاب والتحالفات السياسية مع البحث في معنى هذه النتائج على أرض الواقع.

طبيعة الانتخابات المحلية التركية

تتكون البنية الحالية للهيئات المحلية التركية، والتي تعرّضت للعديد من التغييرات الجوهرية والجزئية في العقدين الأخيرين، من 81 محافظة تنقسم هيئاتها المحلية تبعًا لمعايير الكثافة السكانية إلى قسمين. يتكون القسم الأول من 30 محافظة تدار من خلال بلديات كبرى (büyükşehir belediyesi) وهي المحافظات التي يتجاوز عدد سكانها 750 ألف نسمة، وتشكّل هذه المحافظات واحدة من أهم ساحات التنافس بين الأحزاب التركية نظرًا لكثافتها السكانية وميزانيتها المرتفعة، خاصة مدينة إسطنبول التي وبالإضافة إلى أهميتها التاريخية والاقتصادية يعيش فيها ما يزيد عن 10 مليون ناخب. أما القسم الثاني فيتكوّن من 51 محافظة كثافتها السكانية أقل، وتتم إدارة شؤونها المحلية من خلال إدارة المحافظة الخاصة والبلديات، ويندرج تحت هذه المحافظات 1359 بلدية في عموم تركيا، فمثلًا تندرج تحت بلدية إسطنبول الكبرى 39 بلدية صغرى وتحت بلدية أنقرة الكبرى 25 بلدية صغرى.

تختلف طبيعة الانتخابات المحلية بحسب المحافظات إذ أن انتخابات محافظات البلديات الكبرى تتم من خلال أربع ورقات اقتراع، فيصوّت الناخب لمقعد رئاسة البلدية الكبرى، ورئاسة البلدية الصغرى، ومجلس بلدية المنطقة (البلدية الصغرى)، إضافة إلى مختار الحي. أما مجالس البلديات الكبرى فيتم تشكيلها من رؤساء البلديات الصغرى وخُمْسِ أعضاء مجالس البلديات الصغرى الحاصلين على أعلى نسبة تصويت في تلك المحافظات.

فهم هذا الفصل بين الجهات التي يتم انتخابها، يساعدنا على فهم تقدّم مرشح حزب الشعب الجمهوري -حتى الآن- على منافسه من حزب العدالة والتنمية، في انتخابات رئيس بلدية اسطنبول الكبرى على الرغم من تقدم حزب العدالة والتنمية وفوزه بـ(24) بلدية منطقة من بلديات إسطنبول الصغرى مقابل 14 بلدية منطقة فاز بها حزب الشعب الجمهوري وسيساعدنا أيضًا في فهم كيفية فوز مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية أنقرة الكبرى على منافسه من العدالة والتنمية رغم فوز الأخير بـ(19) بلدية منطقة من بلديات أنقرة الصغرى مقابل 3 بلديات صغرى فاز بها حزب الشعب الجمهوري

أما تلك المحافظات التي يتم إدارة شؤونها المحلية من خلال إدارة المحافظة الخاصة، فتتكوّن العملية الانتخابية هناك من أربعة أوراق اقتراع مختلفة أيضًا حيث يصوت الناخبون في تلك المحافظات لاختيار أعضاء مجلس المحافظة العام، والذي يعتبر جهة اتخاذ القرار داخل إدارة المحافظة الخاصة، ويتم لاحقًا اختيار رئيسٍ لهذا المجلس من خلال تصويت أعضائه المنتخبين كما ويتم التصويت لانتخاب رئيس بلدية المنطقة وانتخاب مجلس بلدية المنطقة وانتخاب مختار الحي.

نتائج الانتخابات

بلغ عدد المواطنين الأتراك الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات المحلية الأخيرة أكثر من 57 مليون شخص، وقد وصلت نسبة التصويت في هذه الانتخابات إلى 84.67%.

تمخضت هذه الانتخابات عن نتائج أثارت الجدل داخل تركيا وخارجها، فلقد حصل حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم منذ قرابة عقدين، على نسبة 44.3% من الأصوات وسيطر على 39 محافظة -من أصل 81 محافظة- منها 15 بلدية كبرى. بينما حصل منافسه المباشر حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة والحزب الذي أُسس على يد مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال، على نسبة 30.12% من الأصوات ليسيطر على 21 محافظة منها 11 بلدية كبرى. ورغم هذا التفوق لحزب العدالة والتنمية إلّا أنه خسر للمرة الأولى منذ بداية بروزه على الساحة السياسية التركية مدينتي أنقرة وإسطنبول وعدة مدن أخرى.

وبالمقارنة بالانتخابات المحلية عام 2014 والتي حصل فيها العدالة والتنمية على نسبة 45.5% من الأصوات وسيطر فيها على 48 محافظة منها 18 بلدية كبرى، انخفض عدد المحافظات التي يسيطر عليها الحزب بمقدار تسع محافظات منها ثلاث بلديات كبرى هي بلديات إسطنبول وأنقرة وكذلك أنطاليا الكبرى. أما حزب الشعب الجمهوري، فقد زاد عدد المحافظات التي يسيطر عليها بعد انتخابات العام 2019 سبع محافظات، منها خمس بلديات كبرى هي بلديات إسطنبول وأنقرة وأنطاليا، وهي البلديات التي انتزعها من حزب العدالة والتنمية، وبلديتا مرسين وأضنة اللتين انتزعهما من حزب الحركة القومية. أمّا في انتخابات العام 2014 فكان يسيطر فيها على 14 محافظة فقط.

من الفائز في الانتخابات المحلية؟

إن التقييم بحسب التفوق في عدد المحافظات والبلديات الكبرى التي يسيطر عليها كل حزب بمعزل عن معايير الكثافة السكانية تقييمٌ مضلل، خاصة في ظل الفروقات الضخمة في الكثافة السكانية بين المدن التركية؛ حيث أن سيطرة حزب الشعب الجمهوري على المدن الثلاث الكبرى إسطنبول وأنقرة وإزمير والعديد من البلديات الكبرى الأخرى منحته حضورًا لدى شريحة سكانية أكبر، رغم سيطرته على 21 محافظة فقط، حيث يبلغ عدد سكان المحافظات التي يسيطر عليها الحزب في ظل هذه النتائج ما يزيد على 39 مليون نسمة (من أصل 82 مليون مواطن تركي) بينما يبلغ عدد سكان المحافظات التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية حاليًا قرابة 32 مليون نسمة. وبالمقارنة مع الانتخابات المحلية السابقة فإن حزب الشعب الجمهوري حصل على شريحة سكانية جديدة تقدر بـ(28) مليون نسمة.

حل في المرتبة الثالثة الحزب الجيد (İyi Parti)، وهو الحزب ذو الميول القومية الوليد وحليف حزب الشعب الجمهوري الانتخابي، بحصوله على 7.45% من الأصوات. بيد أنه لم يستطع الفوز بأي محافظة ولم يفز إلا بـ(19) بلدية قضاء وست بلديات بلدات، رغم مساهمة الحزب التي لا يمكن إنكارها في دعم مرشحي حزب الشعب الجمهوري، ضمن مناطق تحالفهم الانتخابي.

كما وحل في المرتبة الرابعة حزب الحركة القومية المعروف بكونه حزبًا قوميًا ومحافظًا وبكونه حليف حزب العدالة والتنمية الانتخابي، وحصل على نسبة 7.31% من الأصوات ليفوز بـ(11) محافظة منها بلدية كبرى واحدة، إذ زاد عدد المحافظات التي يسيطر عليها الحزب ثلاث محافظاتٍ، حيث كان يسيطر الحزب على ثمان محافظات فقط في انتخابات العام 2014، وخسر الحزب في الوقت نفسه أربع مدن، اثنتان منهما بلديات كبرى من تلك المدن التي كان يسيطر عليها بعد انتخابات 2014 الأمر الذي أدى لخسارته كتلة سكانية تقدر بنصف الكتلة التي كان يسيطر عليها بعد انتخابات عام 2014.

أما حزب الشعوب الديمقراطي الكردي فحصل على نسبة 4.2% من الأصوات ليفوز بثمان محافظات منها ثلاث بلديات كبرى في تراجع ملحوظ للحزب الذي كان قد حصل على 11 محافظة في انتخابات عام 2014 المحلية بعد الاندماج مع حزب السلام والديمقراطية الكردي. خسر الحزب في هذه الانتخابات محافظة واحدة أمام الحزب الشيوعي التركي الذي فاز للمرة الأولى بمحافظة، وخسر ثلاث محافظات ذات أغلبية كردية أمام العدالة والتنمية الأمر الذي اعتبره أنصار الأخير أهم نصر في الانتخابات، كما وفاز حزب الشعوب الديمقراطي بمحافظة واحدة أمام حزب الحركة القومية. ويتهم نشطاء حزب الشعوب الديمقراطي سياسة حكومة العدالة والتنمية بأنها السبب الذي ساهم في إضعاف وتراجع الحزب، حيث ارتكزت هذه السياسة الحكومية على تعيين قائم بالأعمال من قبل الحكومة لتدير الحكومة المركزية بذلك شؤون تلك البلديات بشكل مباشر في العديد من المناطق التي كان قد فاز فيها الحزب على إثر اتهامات بدعم الإرهاب وتسريب موارد البلدية والدولة إلى حزب العمال الكردستاني.

تحالف الشعب في مواجهة تحالف الأمّة

خاضت الأحزاب هذه الانتخابات عبر تحالفات، وكان لهذه التحالفات وحالة الاستقطاب السياسية الشديدة التي تعيشها تركيا دور كبير في صياغة نتائج هذه الانتخابات لاسيما نتائج رئاسة بلديات إسطنبول وأنقرة الكبرى، بل وساهمت هذه التحالفات في صياغة الساحة السياسية التركية بشكلها الحالي.

التحالف الأول هو تحالف الشعب (Cumhur İttifakı) والذي تأسس رسميًا في شهر شباط من عام 2018 بهدف التعاون بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية في الانتخابات العامة عام 2018 ليثمر عن فوز صعب وعلاقة ضرورية بين الحزبين للحفاظ على الأغلبية البرلمانية. استمر هذا التحالف في هذه الانتخابات المحلية من خلال الاتفاق على مرشحين مشتركين لرئاسة البلديات يدعمهما ناخبو كلا الحزبين في 51 محافظة. تبنى هذا التحالف الذي حصل على نسبة 51.64% من مجموع الأصوات في هذه الانتخابات خطابًا تمركز حول مصطلح أزمة البقاء، مقدمًا نفسه بوصفه تحالفًا يحمي استقرار البلاد ووحدة أراضيها أمام الأخطار الداخلية والخارجية، وهو بهذا حمّل الانتخابات المحلية ما يتجاوز همومها الأساسية الخدماتية لتتحول إلى سجال انتخابي حاد يناقش أزمات سياسية مصيرية، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة من الجولات المكوكية والخطابات التي قام بها كل من رئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي طوال أسابيع في مدن تركية مختلفة سواء من خلال مهرجانات منفردة أو مشتركة لدعم مرشحي التحالف. كان مصطلح أزمة البقاء قد تكرر على ألسنة أعضاء تحالف الشعب في محاولة للالتفاف على آثار الأزمة الاقتصادية خاصة ارتفاع أسعار الخضروات المفاجئ وأزمة فقدان العملة التركية لقيمتها وما خلفته من تذمر وشكوى في الشارع التركي حيث جاء على لسان الرئيس أردوغان تعليقًا على انتقاداتٍ بسبب ارتفاع أسعار الخضراوات قوله «يقولون طماطم وباذنجان وفلفل، فكروا، ما هو سعر رصاصة واحدة؟» في محاولة للتأكيد على أن الخطر وجودي، وهذا الحديث حول الخطر الوجودي له مكان تاريخي في الوعي السياسي التركي.

كما وظّف هذا التحالف تقارب المصالح بين منافسيه وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، والصراع التاريخي بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني وكذلك الصعود العسكري الكردي في شمالي سوريا كدعائم لخطاب أزمة البقاء أمام الجمهور التركي لتصبح هذه النقطة محل مزايدة على خصومه بوصفهم شركاء في السعي لتفتيت الدولة وضرب وحدتها. في إعادة إنتاج للخطاب التاريخي للدولة المركزية التركية حيث أطلق دولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية على التحالف المنافس لتحالفهم مسمى (Zillet İttifakı) أي تحالف المذلة بدلًا من تحالف الأمة (Millet İttifakı) في إشارة لما يعتبره دورهم في العمل ضد الدولة.

أما التحالف الانتخابي الثاني فهو تحالف الأمة، والذي تأسس كرد من المعارضة التركية على تحالف الشعب حيث جمع في هذه الانتخابات بين حزب الشعب الجمهوري الغريم التقليدي لحزب العدالة والتنمية، وبين الحزب الجيد (İyi Parti) المكون بالأساس من أعضاء حزب الحركة القومية السابقين الذين عارضوا سياساته الحالية وتقاربه مع حزب العدالة والتنمية.

وبعكس الانتخابات العامة عام 2018 لم يرتكز هذا التحالف على توافق حول مبادئ معينة فقط بل اتفق الحزبان على تقديم مرشحين مشتركين يدعمانهما معًا في 50 محافظة ليحصل بذلك التحالف على نسبة 37.57% من مجموع الأصوات. تبنى هذا التحالف خطابًا داعيًا للتغيير رافضًا لخطاب أزمة البقاء بالكامل، ومعتبرًا الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد فشلًا إداريًا يتحمل مسؤوليته الحزب الحاكم، مقدّمًا نفسه كبديل للجمهور التركي، فرفض رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو في تصريحات له وجود «أزمة البقاء» نافيًا إمكانية أن تقوم الأحزاب الكردية في شمالي سوريا بالهجوم على تركيا. وفي نفس التحالف وظّف الحزب الجيد (İyi Parti) مسألة اللاجئين بكثافة للمرة الثانية في السجال الانتخابي في محاولًا للحصول على أصوات الفئات المستاءة من سياسة الحكومة الحالية تجاه اللاجئين لا سيما مع انتشار إشاعات وأرقام مغلوطة تتعلق بمشاركة اللاجئين في الانتخابات. وكما في كل سباق انتخابي يتحول اللاجئون وسياسة الحكومة التركية تجاههم إلى نقطة نقاش ساخنة تسعى بعض الأحزاب لاستغلالها فمثلًا رفعت مرشحة الحزب الجيد (İyi Parti) لرئاسة بلدية منطقة الفاتح في اسطنبول شعار «لن نسلم الفاتح للسوريين» في حملتها الانتخابية وقامت بجولات تحريضية على وجود المحلات العربية في تلك المنطقة.

اتسم التحالف بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي بكونه تحالف مصالح حيث ارتكز هذا التحالف غير الرسمي على رغبة كلا الحزبين في إسقاط تحالف الشعب، حيث لخص رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بالشراكة سيزاي تيمللي سياستهم الانتخابية في هذه الانتخابات بقوله: «سنفوز في كردستان ونسقط العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية في الغرب»، وبناءً على ذلك اتبع حزب الشعوب الديمقراطي سياسة الأصوات الاستراتيجية حيث لم يقدم مرشحين من الحزب في مدن غرب تركيا لا سيما المدن الكبرى التي تمتلك وجودًا كرديًا ملحوظًا، ليدعو أنصاره هناك للتصويت لمرشحي المعارضة الأمر الذي يعتبر أحد أهم العوامل التي ساهمت في فوز مرشحي حزب الشعب الجمهوري للمرة الأولى منذ 25 سنة في انتخابات رئاسة البلديات الكبرى في أنقرة وإسطنبول.

كيف نقرأ المشهد اليوم؟

إن محاولة قراءة نتائج الانتخابات المحلية التركية الأخيرة دون الوقوع في فخ القراءة التبخيسية التي تنزع عن الحدث حقيقته، ودون الوقوع في فخ القراءة التهويلية التي تصبغ على الحدث افتراضات معلبة أشبه بالسير في حقل ألغام، خاصة في الساحة العربية التي تنطلق فيها القراءات في الكثير من الأحيان من العصبية الأيديولوجية لا من الحدث نفسه.

تنطلق القراءة التبخيسية غالبًا من التقليل من شأن النتيجة من خلال تقديم أرقام تثبت تقدم العدالة والتنمية، وهي أرقام صحيحة لكنها تتجاهل المتغيرات الجديدة، إذ لا تكمن الخسارة في فوز مرشحي المعارضة برئاسة مجموعة من البلديات على رأسها البلديات الكبرى لأكبر ثلاث محافظات تركية فقط، بل ربما كانت في هزيمة رئيس وزراء سابق ووزيرين سابقين من أبرز كوادر العدالة والتنمية في هذه المحافظات الثلاث في استفتاء شعبي على الحزب وكوادره.

أمّا القراءة التهويلية فتنطلق في الغالب من توصيف الحدث بأنه بداية النهاية لحقبة العدالة والتنمية، متجاهلة لأسباب أيديولوجية أيضًا السنوات الأربع المتبقية من عمر الفوز الأخير للحزب ورئيسه بالانتخابات البرلمانية والرئاسية ما قد يمنحه مجالًا للتنافس والمناورة لتجاوز أخطاء هذه المرحلة.

بعيدًا عن هاتين القراءتين، يمكن القول أن واحدة من أهم نتائج هذه الانتخابات إتاحتها الفرصة للمعارضة للوصول لشرائح اجتماعية سكانية جديدة، ما سيمنحها فرصة أكبر للعمل على الأرض بهدف زيادة شعبيتها في هذه المناطق الجديدة الأمر الذي سيزيد من حدة التنافس بين الأحزاب في الاستحقاق الانتخابي القادم. كما ساهمت هذه الانتخابات في ترسيخ واقع سياسي جديد حيث أكدت ليس فقط على مصيرية التحالفات السياسية بل وعلى ضرورة الانفتاح على شرائح أخرى خارج إطار التحالفات، حيث ظهر ذلك من ممارسة مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو أثناء حملته الانتخابية إذ حاول فيها الانفتاح على العديد من الشرائح لا سيما المحافظة منها، والتي تعتبر من ناخبي منافسه بن علي يلدرم التقليديين فمثلًا نشر صورًا ومقطع فيديو له وهو يقرأ جزءًا من سورة يس على أرواح ضحايا هجوم نيوزيلاندا الإرهابي الذين وصفهم بالشهداء في مسجد سلطان أيوب الشهير في إسطنبول.

لا يمكن الجزم بتأثير هذا الأسلوب على نتائج الانتخابات لكنها قد تكون بداية خطوات تسعى فيها المعارضة وحزب الشعب الجمهوري الذي عرف بكونه وريث العلمانية الكمالية لبدء صفحة جديدة مع شرائح مجتمعية لطالما ظلّت حِكرًا على منافسيه في محاولة لتقليل الفارق بينها وبين تحالف الشعب. وقد يفرض هذا الواقع السياسي الجديد أيضًا على العدالة والتنمية ضرورة الانفتاح على شرائح مجتمعية جديدة.

من المؤكد أن نتائج هذه الانتخابات والتحولات التي أحدثتها ستفرض على النخب السياسية التركية القيام بالعديد من التغييرات استعدادًا للاستحقاق الانتخابي المقبل الذي يبدو منذ الآن مصيريًا لكافة الأحزاب ما يفتح باب تساؤلات مختلفة عن السياسات التي ستتبعها الأحزاب لتعزيز فرصها الانتخابية لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الخلافية كالاقتصاد واللاجئين والسياسة الخارجية خاصة تلك السياسات التي سيتبعها حزب العدالة والتنمية وحكومته. لتصبح بذلك هذه الانتخابات، التي يراها البعض مجرد انتخابات بلديات ويراها البعض الآخر بداية سقوط أسطورة العدالة والتنمية، حدثًا مؤسسًا لا يمكن تجاهله في التاريخ السياسي لتركيا القرن الواحد والعشرين.